قال بعض السادة: " وقفت على عابد وهو يبكي، فقلت له: مم بكاؤك؟ فقال: روعة وجدها الخائفون في قلوبهم، فقلت له: وما الروعة؟ قال: روعة النداء بالعرض على الله تعالى ".
قال عثمان بن إبراهيم ﵄: " حضرنا حكم الأقداد وقاضيكم الجبار، والمأوى إلى الجنة أو النار ".
قال أنس بن مالك ﵁: جاء جبريل ﵇ إلى النبي صلى الله عليه وسلمفي ساعة ما كان يأتيه فيها قط، فهو متغير اللون، فقال: " يا حبيبي يا محمد، هذه الساعة التي أمر الله تعالى فيها بمنافخ النار، ولا
[ ١٠١ ]
ينبغي لمن يعلم أن جهنم حق، واُن عذاب الله أكبر أن تقر له عين خوفًا منها "، فقال ﷺ:
" يا أخي يا جبريل، صفها لي. قال: يا أخي يا محمد، أوقد عليها ألف عام حتى ابيضت، وألف عام حتى احمرت، وألف عام حتى اسودت، فهي سوداء مظلمة، لا يخمد حرها ولا يطفأ لهيبها، حرها شديد وقعرها بعيد، وكرابها مديد، لها سبعة أبواب، بين كل بابين مسيرة سبعين سنة، كل باب منها أشد حرًا من الآخر، وأبوابها هي مقزوجة مفتوحة، سماء قاله رضوان مقزوجة إلى أسفل، يساق أعداء الله إليها، فإذا انتهوا إلى أول الأبواب تلقتهم الزبانية بالسلاسل، فتضع السلسلة في صدره وتخرج من بين كتفيه، ويقرن كل كافر مع شيطان، ويسحب على وجهه، ويضرب بمقامع الحديد ".
(كلما أرادوا أن يخرجوا منها أعيدوا فيها) .
فقال الني ﷺ: " يا أخي يا جبريل، ما سكان هذه الأبواب؟ فقال: أما الباب الأسفل ففيه المنافقون واسمه الهاوية، والثاني: فيه المشركون واسمه الجحيم، والثالث: فيه الصابئون واسمه سقر، والرابع: فيه المجوس واسمه لظى، والخامس: فيه اليهود واسمه الحطمة، والسادس: فيه النصارى واسمه السعير ".
ثم أمسك جبريل عن السابع، فقال ﵊: " ما للك لا تخبرني عن السابع؟ " فقال: " يا حبيبي، لأهل الكبائر من أمتك الذين ماتوا ولم يتوبوا ".
فخر ﷺ مغشيًا عليه، فلما أفاق، قال: " يا جبريل، عظمت مصيبي واشتد حزني، أو يدخل أحد من أمتي النار؟ " فقال: " يا محمد، تسوقهم الملائكة إلى النار ولا تسود وجهم، ولا تزرق أعينهم، ولا يختم على
[ ١٠٢ ]
أفواههم، ولا يقرن معهم أحد من الشياطين، ولا يوضع عليهم شيء من السلاسل والأغلال ".
قال: " يا أخي يا جبريل، وكيف تقودهم الملائكة؟ قال: يا محمد، أما الرجال فباللحاء أو النواصي، وأما النساء فبالذوائب والنواصي، فكم من شيبة تنادي واشيبتاه، وكم من امرأة تنادي وافضيحتاه، حتى ينتهوا بهم إلى مالك، فيقول مالك للملائكة: من هؤلاء؟ فيقولون: هؤلاء من أمة محمد ﷺ، فيقول لهم مالك: أمالكم في القرآن زاجرًا عن المعاصي؟ فيقولون له: دعنا نبكي على أنفسنا، فيأذن الله لهم فيبكون الدماء، فيقول لهم مالك: ما أحسن هذا البكاء لو كان في الدنيا من خشية الله تعالى لما مستكم النار ".
" ثم يقول مالك للزبانية: ألقوهم في النار، فإذا ألقوا فيها نادوا: لا إله إلا الله، فترجع النار عنهم، فيقول مالك: يا نار خذيهم، فمنهم من تأخذه إلى قدمه، ومنهم من تأخذه إلى ركبتيه، ومنهم من تأخذه إلى صدره، ومنهم من تأخذه إلى ليحته، فإذا أنفذ الله حكمه فيهم نادوا: يا حنان، يا منان، يا ذا الجلال والإكرام، لا اله إلا أنت.
فيأمر الله تعالى جبريل أن يحدث الني ﷺ: أن العصاة من أمتك يعذبون. قال: فيأتي جبريل ﵇، فيخبره، فيخر ساجدًا لله ﷿، فيقول الله تعالى: يا أحمد، ارفع رأسك واشفع تشفع، فيقول: " الأشقياء من أمتي أنفذت. حكمك فيهم، فشفعني فيهم "، فيقول الله تعالى: " قد شفعتك فيهم ".
فيأتي النبي ﷺ إلى مالك فيقول: " يا مالك، ما حال أمتي الأشقياء؟ فيقول: في أسوأ الأحوال، قال: فيأمره الني ﷺ بفتح الياب، فيفتحه، فإذا نظروا إلى الني ﷺ صاحوا بأجمعهم: يا سيدنا يا رسول الله، النار أحرقت جلودنا وأكبادنا، فيخرجون فحمًا أسود، فينطلق بهم إلى نهر
[ ١٠٣ ]
على باب الجنة فيغتسلون منه، فيخرجون منه بوجوه كالأقمار، مكتوب على جباههم هؤلاء الجهنميون عتقاء الله من النار، قال: فعند ذلك تقول الكفار: يا ليتنا كنا من عصاة المسلمين "