وحكي أن داود ﵇ بينما هو يسبح في الجبال إذا أتى على غار فنظ، فأذا فيه رجل عظيم الخلقة من بني آدم، وإذا عند رأسه حجر مكتوب عليه: " أنا وسيم، ملك الصنع، ملكت الدنيا ألف عام، وفتحت ألف مدينة، وهزمت ألف جيش، وبكرت ألف بكر من بنات الملوك، وقتلت ألف جبار، فمن رآني لا يغتر بالدنيا، فما كانت إلا كحلمة نائم، ثم صار أمري إلى ما ترى، صار التراب فراشي، والحجارة وسادتي، فمن راني فلا تغره الدنيا كما غرتني ".
وقيل: مر عيسى ﵇ بقرية، فنادى أهلها، فإذا هو بنسر قائم عل فنائها، فقال له عيسى ﵇: كم لك في هذه القرية، فقال: خمسمائة عام، فقال: هل رأيت أحدًا فيها، فقال: لا يا روح الله، فنادى عيسى ﵇: يا أرض، أين أهلك وأصحابك وسكانك؟ فأمرها الله تعالى أن تجيبه وتكلمه، فقالت: لقطعتهم من منازلهم آجالهم، وأحاطت بهم أعمالهم، وصارت ذنوبهم قلائد في أعناقهم، ووقفت أرواحهم بين يدي الخلاق، فلحومهم فانية، وعظامهم بالية، فإما إلى جنة عاليه، وإما إلى نار حامية. فبكى عيسى ﵇، وبكى أصحابه، وقال: هذا عاقبة الدنيا، فالويل لمن ركن إليها.
وقيل في المعنى شعر:
لا تأسفن على الدنيا وما فيها فالموت لاشك يفنينا ويفنيها
وأعمل لدار البقاء رضوان خازنها والجار أحمد والجبار بانيها