رب يسر ولا تعسر، بسم الله أبتدئ، وبكتابه أقتدي، وبسنّة نبيَه أهتدي. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه وسلم تسلما كثيرًا إلى يوم الدين.
أما بعد.. فإن حقوق الله تعالى أعظم من أن يقوم العبد بها، وأن نعمه اكثر من أن تحصى وتعد، ولكن عباد الله أصبحوا نادمين، وأمسوا تائبين. فإن الله ﷾ له علينا حقوق، وشرط علينا شروطًا كثيرة، فينبغي لنا أن نؤديها.
فلا تكن يا أخي غافلًا عنها فأنت تحاسب بها يوم القيامة، وإذا أردت أمرًا من أمور الدنيا فعليك بالتردد فيه، فإن رأيته موافقًا لآخرتك فخذه، وإلا فقف عنه حتى تنظر من أخذه؟ كيف عمل في؟ وكيف نجا منه؟ ونسأل الله السلامة.
وإذا أردت أمرًا من أمور الآخرة فشمر إليه وأسرع من قبل أن يحول بينك وبينه الشيطان.
وإياك أن تخون مؤمنًا، فمن خان مؤمنًا فقد خان الله ورسوله.
وعليك بتقوى الله والعمل بما علمك الله، والمراقبة لله تعالى حيث لا يراك
[ ٩ ]
أحد إلا الله.
وإياك والحرام، فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من حرام.
وإياك والطمع، فإن الطمع هلاك الدين وإياك أن تضلل نفسك.
وأحذر يا أخي أن يراك الله مشتغلًا بغيره فتسقط من عينه، ولا تكن غافلًا عنه فإنه ليس بغافل عنك.
وعليك بتقوى الله العظيم وأن لا يفارق ذكر الموت قلبك، وأن يكون ذكر الله ﷿ لازمًا لسانك وقلبك، وأن تديم النظر في كونه مطلعًا عليك.
فعليك بالاستغفار لما قد سلف عن ذنوبك، واسأل الله السلامة لما بقي من عمرك. وإياك أن تخرج من الدنيا على غير توبة.
واعلم يا أخي أنك ميت، ومبعث، ومحاسب بعملك، ثم الوقوف بين يدي الله وأنت خاضع وذليل، قد نشر ديوانك وطهر كتابك، والجنة عن يمينك والنار عن يسارك والصراط بين يديك والله ﷿ مطلع عليك، يقول لك: إقرأ كتابك.. وأنت مشفق مما فيه حذرًا من فضائحه ودواهيه. فإن كنت سعيدًا فإلى جنة عالية، وإن كنت شقيا فإلى نار حامية.
فتزود يا أخي لنفسك ومثل الآخرة عليك بقلبك. واجعل الموت بين عينيك.. ولا تنس وقوفك بين يدي الله ﷿ وكن من الله على وجل.. وأد فرائض الله وكف عن محارم الله وخالف هواك.. واذكر الله ﷿ في كل وقت.. واحمد الله على كل حال.. واجعل شوقك إلى الجنة واستعذ بالله تعالى من النار.. وإياك ومخالفة الله تعالى فيما أمرك به ودعاك إليه.. واعلم أن بين يديك أهوالا وموقف.
فإن استطعت يا أخي أن تعد لك كل يوم زاد لما بين يديك فافعل، فإن
[ ١٠ ]
الأمر أعجل من ذلك.
فتزود يا أخي لنفسك وخذ في جهازك، وكن وصي نفسك..
واعلم يا أخي أن الليل والنهار لا يرجعان، والعمل لا يعود والطالب حثيثما، والليل والنهار يسرعان في هدم نفسك وفناء عمرك وانقضاء أجلك.
فلا تطمئن يا أخي حتى تعلم أين مسكنك ومصيرك ومستقرك ومنزلك.
فانظر لنفسك، واَقض ما فاتك، وأقض ما أنت قاض من أمرك. وكأني بالأمر يأتيك على بغتة.
وإنني لا أقول ولا ًاعلم أحدا أشد تضييقًا مني لذلك، فكأنك بالقيامة وقد قامت، وبالنفس الأمارة وقد لامت، وانفجعت عين طال ما نامت، ونحرت قلوب العصاة وقد هامت وقيل في المعنى شعر:
غدا توفي النفوس ما كسبت ويحصد الزارعون ما
زرعوا إن أحسنوا أحسنوا لأنفسهم وإن أساؤوا فبئس ما صنعوا
فالله ذو رحمة وذو كرم وإن جهلنا فحمله يسع
يا رب اكتبنا اليوم في ملاء تمسكوا بالكتاب فانتفعوا
وأغننا واعف عن جريمتنا وافن بأمن نتضرع
قال رسول الله ﷺ:.
[ ١١ ]
" يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة عطاشا سكارى حيارى من أهوال يوم القيامة، لا يعلم الرجل بالمرأة، ولا تعلم المرأة بالرجل ".
قال ابن عباس ﵄: " ثم يوكل الله بكل رجل وامرأة ملكين يسوقانه إلى المحشر " وذلك قوله تعالى: " وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد "
قال أيضا: " ثم تقف الخلائق يومئذ مائة وعشرين صفًا، ُ أمة محمد ﷺ معزولون، وهم ثمانون صفًا، ينظرون إلى السماء، وكل أحد منهم مشغول بنفسه، نادم على أفعاله " قال ابن عباس ﵄: " ثم يقفون ثلاثمائة سنة من سنين الدنيا، مائة سنة في العرق يلجمون: ومائة سنة في الظلمة يتحيرون، ومائة سنة بعضهم في بعض يموجون. قد شخصت منهم يومئذ الأحداق، وتطاولت الأعناق، وكثر العطش، وقل الإلتفات، وانقطعت الأصوات وضاقت المذاهب، واشتد القلق، وعظمت الأمور، وطاشت العقول، وكثر البكاء، وفنيت الدموع، وبرزت
[ ١٢ ]
الخفيات، وظهرت الخطيئات، وبانت الفضائح، وظهرت القبائح، ووضعت الموازين، ونشرت الأعلام، وبرزت الجحيم، وزفرت النار، وبئس الكفار، وشاب الصغير وسكت الكبير، وسعرت النيران، وتغيرت الألوان، وعظمت الأهوال، وطال القيام، وانقطع الكلام، فلا تسمع إلا همسًا ".
وقال ابن عباس ﵄: " ثم يأمر الله ملكًا أن ينصب الصراط على متن جهنم، وهو أرق من الشعرة، وأحدّ من السيف. طوله ألف عام، عليه كلاليب وخطاطيف، وله سبعة جسور.
فأول ما يحاسب العبد على الإيمان، فإن سلم وإلا هوى في النار. والثاني يحاسب على الصلاة، فإن سلم وإلا هوى في النار. والثالث يحاسب على الزكاة، فإن سلم وإلا هوى في النار. والرابع يحاسب على الصيام، فإن سلم وإلا هوى في النار. والخامس يحاسب على الحج، فإن سلم وإلا هوى في النار. والسادس يحاسب على الوضوء، فإن سلم وإلا هوى في النار. والسابع يحاسب على بر الوالدين، فإن سلم وإلا هوى في النار.
ثم ينادي مناد. يا محمد: قدم أمتك على الحساب، والجواز على الصراط، فمنهم من يجوز على الصراط كالبرق الخاطف، ومنهم من يجوز عليه كالريح العاصف، ومنهم من يجوز كالفرس الجواد، ومنهم من يجوز يحبو على
[ ١٣ ]
ركبتيه، ومنهم، يجوز يزحف على وجهه، ومنهم من يجز على وجهه ثم ينجو، ومنهم من يسقط على وجهه في النار. أعاذنا الله وإياكم عنها.