الْإِلْحَاحُ فِي السُّؤَالِ الْمُؤْذِي لِلْمَسْئُولِ إيذَاءً شَدِيدًا أَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو نُعَيْمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ - عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ - قَالَ:
[ ١ / ٣٠٧ ]
«إنَّ اللَّهَ يُبْغِضُ السَّائِلَ الْمُلْحِفَ» أَيْ الْمُلِحَّ.
وَالْبَزَّارُ: «لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ حَتَّى يَأْمَنَ جَارُهُ بَوَائِقَهُ. مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ. إنَّ اللَّهَ - ﵎ - يُحِبُّ الْغَنِيَّ الْحَلِيمَ الْمُتَعَفِّفَ وَيُبْغِضُ الْبَذِيءَ الْفَاجِرَ السَّائِلَ الْمُلِحَّ» .
وَابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ: «إنَّ الرَّجُلَ يَأْتِينِي فَيَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ فَيَنْطَلِقُ وَمَا يَحْمِلُ فِي حِضْنِهِ إلَّا النَّارَ» .
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - ﵁ - قَالَ: «بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - يُقْسِمُ ذَهَبًا إذْ أَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي فَأَعْطَاهُ، ثُمَّ قَالَ زِدْنِي فَزَادَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ وَلَّى مُدْبِرًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: يَأْتِينِي الرَّجُلُ فَيَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ ثُمَّ يَسْأَلُنِي فَأُعْطِيهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ وَلَّى مُدْبِرًا وَقَدْ جَعَلَ فِي ثَوْبِهِ نَارًا إذَا انْقَلَبَ إلَى أَهْلِهِ» .
وَأَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عُمَرَ - ﵁ -: أَنَّهُ «دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْت فُلَانًا يَشْكُرُ، يَذْكُرُ أَنَّك أَعْطَيْته دِينَارَيْنِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - لَكِنْ فُلَانٌ قَدْ أَعْطَيْته مَا بَيْنَ الْعَشَرَةِ إلَى الْمِائَةِ فَمَا شُكْرُهُ وَمَا يَقُولُهُ. إنَّ أَحَدَكُمْ لَيَخْرُجُ مِنْ عِنْدِي بِحَاجَتِهِ مُتَأَبِّطَهَا، أَيْ جَاعِلَهَا تَحْتَ إبِطِهِ وَمَا هِيَ إلَّا النَّارُ، قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ تُعْطِيهِمْ؟ قَالَ يَأْبَوْنَ إلَّا مَسْأَلَتِي وَيَأْبَى اللَّهُ لِي الْبُخْلَ» .
وَصَحَّ «لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُ مَنْ يَسْتَخْرِجْ مِنَّا بِهَا شَيْئًا لَمْ يُبَارَكْ لَهُ فِيهِ» .
وَصَحَّ أَيْضًا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: «لَا تُلْحِفُوا فِي الْمَسْأَلَةِ، فَوَاَللَّهِ لَا يَسْأَلُنِي أَحَدٌ مِنْكُمْ شَيْئًا فَتُخْرِجُ لَهُ مَسْأَلَتُهُ مِنِّي شَيْئًا وَأَنَا لَهُ كَارِهٌ فَيُبَارَكُ لَهُ فِيمَا أَعْطَيْته» .
تَنْبِيهٌ: مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْإِلْحَاحَ بِقَيْدِهِ الْمَذْكُورِ كَبِيرَةٌ هُوَ ظَاهِرٌ وَكَلَامُهُمْ لَا يَأْبَاهُ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِذَلِكَ وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي، لِأَنَّ الْبُغْضَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ وَلَوْ مَعَ غَيْرِهِ يَقْرُبُ مِنْ اللَّعْنِ الَّذِي مِنْ أَمَارَاتِ الْكَبِيرَةِ. وَمِمَّا يُصَرِّحُ بِذَلِكَ جَعْلُهُ - ﷺ - فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ وَالرَّابِعِ مَا يُؤْخَذُ بِهِ نَارًا، وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ. نَعَمْ لَوْ كَانَ السَّائِلُ مُضْطَرًّا، وَالْمَسْئُولُ مَانِعٌ لَهُ ظُلْمًا فَيَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ الْإِلْحَاحُ حِينَئِذٍ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَيْضًا أَنَّ كَوْنَ الْإِلْحَاحِ كَبِيرَةً لَا يَتَقَيَّدُ بِتَكْرِيرِ السُّؤَالِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، بَلْ يَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِمَا يُؤْذِي وَيُضْجِرُ عُرْفًا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَحْمِلُ الْمَسْئُولَ عَلَى غَايَةِ الْغَضَبِ
[ ١ / ٣٠٨ ]
وَيُخْرِجُهُ عَنْ حَيِّزِ الِاعْتِدَالِ وَيُوقِعُهُ فِي أَشَرِّ السَّبِّ وَالشَّتْمِ وَغَيْرِهِمَا وَهَذَا أَذًى شَدِيدٌ وَخُلُقٌ قَبِيحٌ، وَمَعَاصٍ مُتَعَدِّدَةٌ جَرَّ إلَيْهَا الْإِلْحَاحُ وَحَمَلَ عَلَيْهَا وَكَانَ سَبَبًا فِيهَا، فَظَهَرَ مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّهُ حِينَئِذٍ كَبِيرَةٌ.
خَاتِمَةٌ: أَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -: «كَانَ - ﷺ - يُعْطِينِي الْعَطَاءَ فَأَقُولُ أَعْطِهِ مَنْ هُوَ أَفْقَرُ إلَيْهِ مِنِّي، قَالَ فَقَالَ خُذْهُ؛ إذَا جَاءَك مِنْ هَذَا الْمَالِ شَيْءٌ وَأَنْتَ غَيْرُ مُشْرِفٍ وَلَا سَائِلٍ فَخُذْهُ فَتَمَوَّلْهُ، فَإِنْ شِئْت كُلْهُ وَإِنْ شِئْت تَصَدَّقْ بِهِ وَمَا لَا لَا تُتْبِعْهُ نَفْسَك» . قَالَ وَلَدُهُ سَالِمٌ فَلِأَجْلِ ذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ لَا يَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا وَلَا يَرُدُّ شَيْئًا أُعْطِيَهُ.
وَرَوَى مَالِكٌ مُرْسَلًا وَالْبَيْهَقِيُّ مَوْصُولًا: أَنَّ «عُمَرَ أَرْسَلَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِعَطَاءٍ فَرَدَّهُ، فَقَالَ لَهُ: لِمَ رَدَدْته؟ فَقَالَ أَلَيْسَ أَخْبَرْتنَا أَنَّ خَيْرًا لِأَحَدٍ أَنْ لَا يَأْخُذَ مِنْ أَحَدٍ شَيْئًا؟ فَقَالَ - ﷺ -: إنَّمَا ذَلِكَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ فَإِنَّمَا ذَلِكَ رِزْقٌ يَرْزُقُهُ اللَّهُ، فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا أَسْأَلُ أَحَدًا شَيْئًا وَلَا يَأْتِينِي بِشَيْءٍ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ إلَّا أَخَذْته» .
وَصَحَّ: «مَنْ بَلَغَهُ عَنْ أَخِيهِ مَعْرُوفٌ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَلَا إشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَقْبَلْهُ وَلَا يَرُدَّهُ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقُهُ سَاقَهُ اللَّهُ ﷿ إلَيْهِ.» وَصَحَّ أَيْضًا «مَنْ آتَاهُ اللَّهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهُ فَلْيَقْبَلْهُ فَإِنَّمَا هُوَ رِزْقُهُ سَاقَهُ اللَّهُ إلَيْهِ» . وَصَحَّ أَيْضًا: «مَنْ عُرِضَ لَهُ مِنْ هَذَا الرِّزْقِ شَيْءٌ مِنْ غَيْرِ مَسْأَلَةٍ وَإِشْرَافِ نَفْسٍ فَلْيَتَوَسَّعْ بِهِ فِي رِزْقِهِ، فَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيُوَجِّهْهُ إلَى مَنْ هُوَ أَحْوَجُ إلَيْهِ مِنْهُ» . وَسَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ أَبَاهُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ الْإِشْرَافِ فَقَالَ: " تَقُولُ فِي نَفْسِك سَيَبْعَثُ إلَيَّ فُلَانٌ سَيَصِلُنِي فُلَانٌ " وَوَرَدَ: «مَا الَّذِي يُعْطِي بِسَعَةٍ بِأَفْضَلَ مِنْ الَّذِي يَقْبَلُ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا» .