(سُؤَالُ الْغَنِيِّ بِمَالٍ أَوْ كَسْبِ التَّصَدُّقِ عَلَيْهِ طَمَعًا وَتَكَثُّرًا) أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ: «مَنْ سَأَلَ مِنْ فَقْرٍ فَكَأَنَّمَا يَأْكُلُ الْجَمْرَ» .
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ: «الَّذِي يَسْأَلُ النَّاسَ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ كَمَثَلِ الَّذِي يَلْتَقِطُ الْجَمْرَ» .
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ غَرِيبٌ عَنْ حَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ قَالَ: «سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ وَاقِفٌ بِعَرَفَةَ وَأَتَاهُ أَعْرَابِيٌّ فَأَخَذَ بِطَرَفِ رِدَائِهِ فَسَأَلَهُ إيَّاهُ فَأَعْطَاهُ وَذَهَبَ فَعِنْدَ ذَلِكَ حَرُمَتْ الْمَسْأَلَةُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَحِلُّ لِغَنِيٍّ وَلَا لِذِي مِرَّةٍ»: أَيْ بِكَسْرٍ فَشَدَّةٍ أَيْ قُوَّةٍ، «سَوِيٍّ تَامِّ الْخَلْقِ سَالِمٍ مِنْ مَوَانِعِ الِاكْتِسَابِ إلَّا لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ»: أَيْ بِضَمٍّ فَسُكُونٍ لِلْمُهْمَلَةِ فَكَسْرٍ وَهُوَ الشَّدِيدُ الْمُلْصِقُ صَاحِبَهُ بِالدَّقْعَاءِ وَهِيَ الْأَرْضُ الَّتِي لَا نَبَاتَ فِيهَا «أَوْ لِذِي غُرْمٍ مُفْظِعٍ، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ لِيُثْرِيَ»: أَيْ بِالْمُثَلَّثَةِ «يَزِيدُ مِنْ مَالِهِ كَانَ خُمُوشًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرَضْفًا»: أَيْ بِفَتْحٍ فَسُكُونٍ لِلْمُعْجَمَةِ فَفَاءٍ حِجَارَةٌ مُحْمَاةٌ تَأْكُلُهُ مِنْ جَهَنَّمَ «. فَمَنْ شَاءَ فَلْيُقْلِلْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيُكْثِرْ» زَادَ رَزِينٌ «وَإِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ الْعَطِيَّةَ فَيَنْطَلِقُ بِهَا تَحْتَ إبِطِهِ وَمَا هِيَ إلَّا النَّارُ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَلِمَ تُعْطِي يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هُوَ نَارٌ؟ فَقَالَ: يَأْبَى اللَّهُ لِي الْبُخْلَ وَأَبَوْا إلَّا مَسْأَلَتِي؟ قَالُوا وَمَا الْغِنَى الَّذِي لَا يَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ؟ قَالَ قَدْرُ مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ» . قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ: وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَهَا شَوَاهِدُ كَثِيرَةٌ لَكِنْ لَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا فِي شَيْءٍ مِنْ نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ وَأَحْمَدَ. وَالْأَرْبَعَةُ وَالْحَاكِمُ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ مَا يُغْنِيهِ جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَسْأَلَتُهُ فِي وَجْهِهِ خُمُوشٌ أَوْ خُدُوشٌ أَوْ كُدُوحٌ، قِيلَ وَمَا الْغِنَى؟ قَالَ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ» .
[ ١ / ٣٠٤ ]
وَأَبُو دَاوُد وَالْحَاكِمُ: «مَنْ يَتَكَفَّلُ لِي أَنْ لَا يَسْأَلَ النَّاسَ شَيْئًا وَأَتَكَفَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ» .
وَأَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ: «مَنْ يَتَقَبَّلُ لِي بِوَاحِدَةٍ وَأَتَقَبَّلُ لَهُ بِالْجَنَّةِ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ شَيْئًا» .
وَابْنُ حِبَّانَ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أُوقِيَّةٍ فَقَدْ أَلْحَفَ» .
وَالنَّسَائِيُّ: «مَنْ سَأَلَ وَلَهُ قِيمَةُ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فَهُوَ الْمُلْحِفُ» .
وَأَحْمَدُ: «مَنْ اسْتَعَفَّ عَفَّهُ اللَّهُ، وَمَنْ اسْتَغْنَى أَغْنَاهُ اللَّهُ، وَمَنْ سَأَلَ النَّاسَ وَلَهُ عِدْلُ خَمْسِ أَوَاقٍ فَقَدْ أَلْحَفَ» .
وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ تَكَثُّرًا فَإِنَّمَا يَسْأَلُ جَمْرًا فَلْيَسْتَقِلَّ أَوْ لِيَسْتَكْثِرْ» .
وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ: «مَنْ سَأَلَ النَّاسَ مَسْأَلَةً عَنْ ظَهْرِ غِنًى اسْتَكْثَرَ بِهَا مِنْ رَضْفِ جَهَنَّمَ، قَالُوا وَمَا ظَهْرُ غِنًى؟ قَالَ عَشَاءُ لَيْلَةٍ» .
وَالشَّيْخَانِ: «لَا تَزَالُ الْمَسْأَلَةُ بِأَحَدِكُمْ حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ - تَعَالَى - وَلَيْسَ فِي وَجْهِهِ مُزْعَةُ لَحْمٍ»: أَيْ بِضَمٍّ فَسُكُونِ الزَّايِ فَمُهْمَلَةٍ قِطْعَةٌ.
وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ: «الْمَسْأَلَةُ كَدٌّ يَكُدُّ بِهَا الرَّجُلُ»، وَفِي رِوَايَةٍ. " كُدُوحٌ "، أَيْ بِضَمِّ الْكَافِ آثَارُ خُمُوشٍ يَكُدُّ، وَفِي رِوَايَةٍ: «يَكْدَحُ بِهَا الرَّجُلُ وَجْهَهُ فَمَنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَى وَجْهِهِ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ إلَّا أَنْ يَسْأَلَ ذَا سُلْطَانٍ أَوْ فِي أَمْرٍ لَا يَجِدُ مِنْهُ بُدًّا»، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى رُوَاتُهَا ثِقَاتٌ مَشْهُورُونَ وَالْبَزَّارُ وَغَيْرُهُ: «لَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَسْأَلُ وَهُوَ غَنِيٌّ حَتَّى يَخْلَقَ وَجْهُهُ فَمَا يَكُونُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ وَجْهٌ» .
وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ حَدِيثٌ جَيِّدٌ فِي الشَّوَاهِدِ: «مَنْ فَتَحَ عَلَى نَفْسِهِ بَابَ مَسْأَلَةٍ مِنْ غَيْرِ فَاقَةٍ تَنَزَّلَتْ بِهِ أَوْ عِيَالٍ لَا يُطِيقُهُمْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ بَابَ فَاقَةٍ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ» . وَصَحَّ: «مَسْأَلَةُ الْغَنِيِّ شَيْنٌ فِي وَجْهِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ» . زَادَ الْبَزَّارُ: «وَمَسْأَلَةُ الْغَنِيِّ نَارٌ إنْ أُعْطِيَ قَلِيلًا فَقَلِيلٌ، وَإِنْ أُعْطِيَ كَثِيرًا فَكَثِيرٌ» . وَصَحَّ: «مَنْ سَأَلَ مَسْأَلَةً وَهُوَ عَنْهَا غَنِيٌّ كَانَتْ شَيْنًا فِي وَجْهِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
[ ١ / ٣٠٥ ]
وَالْبَيْهَقِيُّ: «أَنَّهُ - ﷺ - أُتِيَ بِرَجُلٍ لِيُصَلِّيَ عَلَيْهِ قَالَ كَمْ تَرَكَ: قَالُوا دِينَارَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، قَالَ تَرَكَ كَيَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَ كَيَّاتٍ»، فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْقَاسِمِ مَوْلَى أَبِي بَكْرٍ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ ذَاكَ رَجُلٌ كَانَ يَسْأَلُ النَّاسَ تَكَثُّرًا ".
تَنْبِيهٌ: عَدُّ مَا ذُكِرَ كَبِيرَةً ظَاهِرٌ وَإِنْ لَمْ أَرَ مَنْ صَرَّحَ بِهِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ، وَمَرَّ تَقْيِيدُ الْحُرْمَةِ بِالْغِنَى. وَفِي خَبَرِ أَبِي دَاوُد: «مَنْ سَأَلَ وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ النَّارِ»، قَالَ أَحَدُ رُوَاتِهِ «قَالُوا وَمَا الْغِنَى الَّذِي لَا تَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ؟ قَالَ بِقَدْرِ مَا يُغَدِّيهِ وَيُعَشِّيهِ» .
وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ فِيهِ: «مَنْ سَأَلَ شَيْئًا وَعِنْدَهُ مَا يُغْنِيهِ فَإِنَّمَا يَسْتَكْثِرُ مِنْ جَمْرِ جَهَنَّمَ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا يُغْنِيهِ؟ قَالَ مَا يُغَدِّيهِ أَوْ يُعَشِّيهِ كَذَا عِنْدَهُ أَوْ يُعَشِّيهِ بِأَلْفٍ» . وَرَوَاهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ بِاخْتِصَارٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: «قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْغِنَى الَّذِي لَا تَنْبَغِي مَعَهُ الْمَسْأَلَةُ؟ قَالَ أَنْ يَكُونَ لَهُ شِبَعُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَوْ لَيْلَةٍ وَيَوْمٍ» . قَالَ الْخَطَّابِيُّ: اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَنْ وَجَدَ غَدَاءَ يَوْمٍ وَعَشَاءً لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْمَسْأَلَةُ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ وَجَدَ غَدَاءً وَعَشَاءً عَلَى دَائِمِ الْأَوْقَاتِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ مَا يَكْفِيهِ لِقُوتِهِ الْمُدَّةَ الطَّوِيلَةَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةُ. وَقَالَ آخَرُونَ: هَذَا مَنْسُوخٌ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا تَقْدِيرُ الْغِنَى بِمِلْكِ خَمْسِينَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتِهَا وَبِمِلْكِ أُوقِيَّةٍ أَوْ قِيمَتِهَا انْتَهَى.
وَالرَّاجِحُ عِنْدَنَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ إنْ كَانَ يَسْأَلُ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ، فَإِنْ كَانَ يَسْأَلُ الزَّكَاةَ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ إلَّا إنْ كَانَ عِنْدَهُ كِفَايَةُ بَقِيَّةِ الْعُمُرِ الْغَالِبِ، وَادِّعَاءُ النَّسْخِ مَمْنُوعٌ إذْ شَرْطُهُ عِلْمُ التَّارِيخِ وَتَأَخُّرُ النَّاسِخِ عَنْ الْمَنْسُوخِ وَلَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ. قَالَ الشَّافِعِيُّ - ﵁ - قَدْ يَكُونُ الرَّجُلُ بِالدِّرْهَمِ غَنِيًّا مَعَ كَسْبِهِ وَلَا تُغْنِيهِ الْأَلْفُ مَعَ ضَعْفِهِ وَكَثْرَةِ عِيَالِهِ. وَذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إلَى أَنَّ مَنْ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا أَوْ قِيمَتُهَا مِنْ الذَّهَبِ لَا يُدْفَعُ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الزَّكَاةِ، وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدَةَ يَقُولَانِ: مَنْ لَهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا فَهُوَ غَنِيٌّ. وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ: يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى مَنْ يَمْلِكُ دُونَ النِّصَابِ وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا مُكْتَسِبًا مَعَ قَوْلِهِمْ مَنْ كَانَ لَهُ قُوتُ يَوْمٍ لَا يَحِلُّ لَهُ السُّؤَالُ اسْتِدْلَالًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ.
وَعَنْ أَنَسٍ - ﵁ -. «أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَسَأَلَهُ قَالَ أَمَا
[ ١ / ٣٠٦ ]
فِي بَيْتِك شَيْءٌ؟ قَالَ بَلَى حِلْسٌ»: أَيْ بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ فَسُكُونٍ فَمُهْمَلَةٍ كِسَاءٌ غَلِيظٌ يَكُونُ بِظَهْرِ الْبَعِيرِ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى مَا يُدَاسُ مِنْ الْأَكْسِيَةِ وَنَحْوِهَا يُلْبَسُ بَعْضُهُ وَيُبْسَطُ بَعْضُهُ وَقَعْبٌ يُشْرَبُ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ، «قَالَ ائْتِنِي بِهِمَا فَأَتَاهُ بِهِمَا فَأَخَذَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - بِيَدِهِ وَقَالَ مَنْ يَشْتَرِي هَذَيْنِ؟ قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمٍ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - مَنْ يَزِيدُ عَلَى دِرْهَمٍ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، قَالَ رَجُلٌ أَنَا آخُذُهُمَا بِدِرْهَمَيْنِ فَأَعْطَاهُمَا إيَّاهُ وَأَخَذَ الدِّرْهَمَيْنِ، فَأَعْطَاهُمَا الْأَنْصَارِيَّ وَقَالَ اشْتَرِ بِأَحَدِهِمَا طَعَامًا فَانْبِذْهُ إلَى أَهْلِك وَاشْتَرِ بِالْآخَرِ قَدُومًا فَأْتِنِي بِهِ، فَأَتَاهُ بِهِ فَشَدَّ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - عُودًا بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ اذْهَبْ فَاحْتَطِبْ وَبِعْ وَلَا أَرَيَنَّكَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، فَفَعَلَ فَجَاءَ وَقَدْ أَصَابَ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ فَاشْتَرَى بِبَعْضِهَا ثَوْبًا وَبِبَعْضِهَا طَعَامًا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: هَذَا خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَجِيءَ الْمَسْأَلَةُ نُكْتَةً فِي وَجْهِك يَوْمَ الْقِيَامَةِ، إنَّ الْمَسْأَلَةَ لَا تَصْلُحُ إلَّا لِثَلَاثٍ: لِذِي فَقْرٍ مُدْقِعٍ، أَوْ لِذِي غُرْمٍ»: أَيْ وَهُوَ مَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهُ تَكَلُّفًا لَا فِي مُقَابَلَةِ عِوَضٍ مُفْظِعٍ أَيْ شَدِيدٍ شَنِيعٍ، «أَوْ لِذِي دَمٍ مُوجِعٍ»: أَيْ وَهُوَ مَنْ يَتَحَمَّلُ دِيَةً عَنْ قَاتِلٍ لِيَعْفُوَ عَنْهُ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ خَشْيَةً مِنْ أَنْ يَقْتُلُوهُ فَيَتَوَجَّعَ لِنَحْوِ قَرَابَةٍ أَوْ صَدَاقَةٍ. وَصَحَّ: «طُوبَى لِمَنْ هُدِيَ لِلْإِسْلَامِ وَكَانَ عَيْشُهُ كَفَافًا: أَيْ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، وَقَنِعَ» وَصَحَّ أَيْضًا: «يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَرَى كَثْرَةَ الْمَالِ هُوَ الْغِنَى؟ قُلْت نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ أَفَتَرَى قِلَّةَ الْمَالِ هُوَ الْفَقْرَ؟ قُلْت نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ إنَّمَا الْغِنَى غِنَى الْقَلْبِ، وَالْفَقْرُ فَقْرُ الْقَلْبِ» .
وَرَوَى الشَّيْخَانِ: «لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ أَوْ اللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ، وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ. لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ»، وَصَحَّ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: «أَوْصِنِي يَا رَسُولَ اللَّهِ وَأَوْجِزْ فَقَالَ - ﷺ -: عَلَيْك بِالْإِيَاسِ مِمَّا فِي أَيْدِي النَّاسِ، وَإِيَّاكَ وَالطَّمَعَ، فَإِنَّهُ فَقْرٌ حَاضِرٌ، وَإِيَّاكَ وَمَا يُعْتَذَرُ مِنْهُ»، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ: «الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لَا يَفْنَى»، وَرَفْعُهُ غَرِيبٌ.