مَنْعُ الْإِنْسَانِ لِقَرِيبِهِ أَوْ مَوْلَاهُ مِمَّا سَأَلَهُ فِيهِ لِاضْطِرَارِهِ إلَيْهِ مَعَ قُدْرَةِ الْمَانِعِ عَلَيْهِ وَعَدَمِ عُذْرٍ لَهُ فِي الْمَنْعِ أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ وَالْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَا مِنْ ذِي رَحِمٍ يَأْتِي ذُو رَحِمِهِ فَيَسْأَلُهُ فَضْلًا أَعْطَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ فَيَبْخَلُ عَلَيْهِ إلَّا أَخْرَجَ اللَّهُ مِنْ جَهَنَّمَ حَيَّةً يُقَالُ لَهَا شُجَاعٌ يَتَلَمَّظُ فَيُطَوَّقُ
[ ١ / ٣٠٩ ]
بِهِ» وَالتَّلَمُّظُ تَطَعُّمُ مَا يَبْقَى فِي الْفَمِ مِنْ آثَارِ الطَّعَامِ.
وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ: «وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَا يُعَذِّبُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ رَحِمَ الْيَتِيمَ وَأَلَانَ لَهُ فِي الْكَلَامِ وَرَحِمَ يُتْمَهُ وَضَعْفَهُ وَلَمْ يَتَطَاوَلْ عَلَى جَارِهِ بِفَضْلِ مَا آتَاهُ اللَّهُ، يَا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ، وَاَلَّذِي بَعَثَنِي بِالْحَقِّ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَدَقَةً مِنْ رَجُلٍ وَلَهُ قَرَابَةٌ مُحْتَاجُونَ إلَى صِلَتِهِ وَيَصْرِفُهَا إلَى غَيْرِهِمْ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَنْظُرُ اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» .
وَأَبُو دَاوُد وَاللَّفْظُ لَهُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ، عَنْ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: «قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ أُمَّك ثُمَّ أُمَّك ثُمَّ أَبَاك ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ» .
وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «لَا يَسْأَلُ رَجُلٌ مَوْلَاهُ مِنْ فَضْلِ مَا هُوَ عِنْدَهُ فَيَمْنَعُهُ إيَّاهُ إلَّا دَعَا لَهُ فَضْلُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الَّذِي مَنَعَهُ شُجَاعًا أَقْرَعَ» .
قَالَ أَبُو دَاوُد: الْأَقْرَعُ الَّذِي ذَهَبَ شَعَرُ رَأْسِهِ مِنْ السُّمِّ.
وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَهُوَ غَرِيبٌ: «أَيُّمَا رَجُلٍ أَتَاهُ ابْنُ عَمِّهِ يَسْأَلُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَمَنَعَهُ مَنَعَهُ اللَّهُ فَضْلَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» الْحَدِيثَ.
تَنْبِيهٌ: عَدُّ مَا ذَكَرْته فِي التَّرْجَمَةِ بِشُرُوطِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ وَاضِحٌ جَلِيٌّ وَعَلَيْهِ تُجْرَى هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمُتَضَمِّنَةُ لِذَلِكَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ إذْ لَا تُعْلِمُ أَحَدًا، قَالَ بِظَاهِرِهَا عَلَى إطْلَاقِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ الَّتِي لَا تُطَاقُ، بَلْ تَكُونُ الصَّدَقَةُ عَلَى الْأَجْنَبِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا عَلَى الْقَرِيبِ لِصَلَاحِ الْأَجْنَبِيِّ وَفِسْقِ الْقَرِيبِ وَلِتَحَقُّقِ أَنَّ ذَاكَ يَصْرِفُهَا فِي طَاعَةٍ وَهَذَا يَصْرِفُهَا فِي مَعْصِيَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.
فَإِنْ قُلْت: إذَا فَرَضْت الْمَنْعَ لِمُضْطَرٍّ فَلَا فَرْقَ فِي كَوْنِهِ كَبِيرَةً بَيْنَ الْمَوْلَى وَالْقَرِيبِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ؟ قُلْت: هُوَ وَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ وَجْهُ الْفَرْقِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِمَّا مَرَّ أَنَّ الْكَبَائِرَ بَعْضُهَا أَقْبَحُ مِنْ بَعْضٍ، فَالْمَنْعُ لِلْمُضْطَرِّ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ كَبِيرَةٌ إلَّا أَنَّ لِمَوْلَاهُ وَقَرِيبِهِ الَّذِي تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ أَشَدُّ وَأَقْبَحُ مِنْ مُطْلَقِ الْقَرِيبِ، وَهُوَ مِنْ سَائِرِ الْأَجَانِبِ لِأُمُورٍ: مِنْهَا: وُجُوبُ نَفَقَتِهِ عَلَيْهِ، وَمِنْهَا: شِدَّةُ تَعَلُّقِهِ بِهِ، وَمِنْهَا: قَطْعُهُ لِمَا بَيْنَهُمَا مِنْ
[ ١ / ٣١٠ ]
الْمُوَالَاةِ وَالْقَرَابَةِ، وَمِنْهَا: سَعْيُهُ فِي إهْلَاكِهِ أَوْ نَحْوِهِ وَلَيْسَ فِي الْأَجْنَبِيِّ إلَّا هَذِهِ الْأَخِيرَةُ، فَجَازَ أَنْ يَخْتَصَّ أُولَئِكَ عَنْهُ بِذَلِكَ التَّغْلِيظِ الشَّدِيدِ الْفَظِيعِ، فَهَذَا هُوَ حِكْمَةُ التَّخْصِيصِ بِالذِّكْرِ، وَهِيَ حِكْمَةٌ جَلِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ، وَمِنْهَا أَيْضًا: التَّنْبِيهُ عَلَى تَأَكُّدِ مُرَاعَاةِ حَقِّ الْوَالِدَيْنِ، ثُمَّ بَقِيَّةِ الْأَقَارِبِ وَأَنَّ قَطْعَ وُصْلَتِهِمَا لَيْسَ كَقَطْعِ وُصْلَةِ غَيْرِهِمَا، وَمِنْ ثَمَّ «جَعَلَ اللَّهُ الرَّحِمَ مُعَلَّقَةً بِسَاقِ الْعَرْشِ تَقُولُ: اللَّهُمَّ صِلْ مَنْ وَصَلَنِي، وَاقْطَعْ مَنْ قَطَعَنِي، فَيُجِيبُهَا اللَّهُ - تَعَالَى -: وَعِزَّتِي لَأَصِلَنَّ مَنْ وَصَلَكِ، وَلَأَقْطَعَنَّ مَنْ قَطَعَكِ»، وَسَيَأْتِي فِي بَحْثِ كَوْنِ الْعُقُوقِ وَقَطِيعَةِ الرَّحِمِ مِنْ الْكَبَائِرِ مَا يُعْلِمُك بِخَطَرِ هَذَيْنِ وَأَكِيدِ حُقُوقِهِمَا الْكَثِيرَةِ.
ثُمَّ رَأَيْت بَعْضَهُمْ ذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرْته فِي التَّرْجَمَةِ فَعَدَّ مِنْ الْكَبَائِرِ مَنْعَ إنْسَانٍ مَوْلَاهُ أَوْ ذَا رَحِمِهِ فَضْلًا عِنْدَهُ مَعَ شِدَّةِ حَاجَتِهِمَا إلَيْهِ.