(الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ: مَحَبَّةُ الظَّلَمَةِ أَوْ الْفَسَقَةِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ فِسْقُهُمْ، وَبُغْضُ الصَّالِحِينَ)
أَخْرَجَ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِي الصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «ثَلَاثٌ هُنَّ حَقٌّ: لَا يَجْعَلُ اللَّهُ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَلَا يَتَوَلَّى اللَّهُ عَبْدًا فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ، وَلَا يُحِبُّ الرَّجُلُ قَوْمًا إلَّا حُشِرَ مَعَهُمْ» . وَأَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ: «ثَلَاثٌ أَحْلِفُ عَلَيْهِنَّ: لَا يَجْعَلُ اللَّهُ مَنْ لَهُ سَهْمٌ فِي الْإِسْلَامِ كَمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ، وَأَسْهُمُ الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ. الصَّوْمُ وَالصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ وَلَا يَتَوَلَّى اللَّهُ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا فَيُوَلِّيهِ غَيْرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا يُحِبُّ الرَّجُلُ قَوْمًا إلَّا جَعَلَهُ اللَّهُ مَعَهُمْ» .
وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ: «الشِّرْكُ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ عَلَى الصَّفَا فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ، وَأَدْنَاهُ أَنْ يُحِبَّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْجَوْرِ وَيُبْغِضَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْعَدْلِ وَهَلْ
[ ١ / ١٨٣ ]
الدِّينُ إلَّا الْحُبُّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضُ فِي اللَّهِ؟ قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى - ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١]» .
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «لَا تُصَاحِبْ إلَّا مُؤْمِنًا وَلَا يَأْكُلْ طَعَامَك إلَّا تَقِيٌّ» .
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَيْنِ كَبِيرَةً هُوَ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَحَادِيثُ الْمَاضِيَةُ وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْآتِيَةُ: «الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ وَإِنْ لَمْ يَعْمَلْ بِعَمَلِهِمْ» وَلَهُ وَجْهٌ، إذْ الْفَرْضُ أَنَّهُ أَحَبَّ الْفَاسِقِينَ لِفِسْقِهِمْ وَبَغَضَ الصَّالِحِينَ لِصَلَاحِهِمْ، وَظَاهِرٌ أَنَّ مَحَبَّةَ الْفِسْقِ كَبِيرَةٌ كَفِعْلِهِ وَكَذَا بُغْضُ الصَّالِحِينَ لِأَنَّ حُبَّ أُولَئِكَ الْفَاسِقِينَ وَبُغْضَ الصَّالِحِينَ يَدُلُّ عَلَى انْفِكَاكِ رِبْقَةِ الْإِسْلَامِ وَعَلَى بُغْضِهِ، وَبُغْضُ الْإِسْلَامِ كُفْرٌ فَمَا يُؤَدِّي إلَيْهِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَبِيرَةً.
خَاتِمَةٌ فِي سَرْدِ أَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ وَحَسَنَةٍ فِي ثَوَابِ الْمُتَحَابِّينَ فِي اللَّهِ - تَعَالَى -: قَالَ - ﷺ -: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إذْ أَنْقَذَهُ اللَّهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ»، وَفِي رِوَايَةٍ: «وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءُ فِي اللَّهِ وَيُبْغِضَ فِي اللَّهِ، إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: أَيْنَ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِي، الْيَوْمَ أُظِلُّهُمْ فِي ظِلِّي يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلِّي» . «إنَّ مِنْ الْإِيمَانِ أَنْ يُحِبَّ الرَّجُلُ رَجُلًا لَا يُحِبُّهُ إلَّا لِلَّهِ مِنْ غَيْرِ مَالٍ أَعْطَاهُ فَذَلِكَ الْإِيمَانُ» . «مَا تَحَابَّ رَجُلَانِ فِي اللَّهِ إلَّا كَانَ أَحَبُّهُمَا إلَى اللَّهِ أَشَدَّهُمَا حُبًّا لِصَاحِبِهِ» . «خَيْرُ الْأَصْحَابِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِصَاحِبِهِ، وَخَيْرُ الْجِيرَانِ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرُهُمْ لِجَارِهِ» «يَقُولُ اللَّهُ - ﵎ -: وَجَبَتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِي، وَلِلْمُتَجَالِسَيْنِ فِي، وَلِلْمُتَزَاوِرَيْنِ فِي، وَلِلْمُتَبَاذِلَيْنِ فِي» . «الْمُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِي لَهُمْ مَنَابِرُ مِنْ نُورٍ يَغْبِطُهُمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ» . «يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: حَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَحَابِّينَ فِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَوَاصِلِينَ فِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَزَاوِرِينَ فِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلْمُتَبَاذِلِينَ فِي، وَحَقَّتْ مَحَبَّتِي لِلَّذِينَ يَتَصَادَقُونَ مِنْ أَجْلِي» .
«الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إلَّا ظِلُّهُ يَغْبِطُهُمْ لِمَكَانِهِمْ النَّبِيُّونَ وَالشُّهَدَاءُ» . «إنَّ لِلَّهِ - تَعَالَى - جُلَسَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ - وَكِلْتَا يَدَيْ اللَّهِ يَمِينٌ - عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، وُجُوهُهُمْ مِنْ نُورٍ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ وَلَا صِدِّيقِينَ، قِيلَ مَنْ هُمْ
[ ١ / ١٨٤ ]
يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ هُمْ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِ اللَّهِ - تَعَالَى -» . «إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ عِبَادًا لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ يَغْبِطُهُمْ الْأَنْبِيَاءُ وَالشُّهَدَاءُ قِيلَ مَنْ هُمْ؟ لَعَلَّنَا نُحِبُّهُمْ، قَالَ: هُمْ قَوْمٌ تَحَابُّوا بِنُورِ اللَّهِ مِنْ غَيْرِ أَرْحَامٍ وَلَا أَنْسَابٍ، وُجُوهُهُمْ نُورٌ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ، لَا يَخَافُونَ إذَا خَافَ النَّاسُ وَلَا يَحْزَنُونَ إذَا حَزِنَ النَّاسُ؛ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢]» . «لَيَبْعَثَنَّ اللَّهُ أَقْوَامًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي وُجُوهِهِمْ النُّورُ عَلَى مَنَابِرِ اللُّؤْلُؤِ يَغْبِطُهُمْ النَّاسُ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ فَجَثَا أَعْرَابِيٌّ عَلَى رُكْبَتَيْهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ حَلِّهِمْ لَنَا نَعْرِفُهُمْ، قَالَ: هُمْ الْمُتَحَابُّونَ فِي اللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ قَبَائِلَ شَتَّى وَبِلَادٍ شَتَّى يَجْتَمِعُونَ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ يَذْكُرُونَهُ»، وَفِي رِوَايَةٍ «هُمْ نَاسٌ مِنْ أَفْنَاءِ النَّاسِ وَنَوَازِعِ الْقَبَائِلِ، لَمْ تَصِلْ بَيْنَهُمْ أَرْحَامٌ مُتَقَارِبَةٌ تَحَابُّوا فِي اللَّهِ وَتَصَادَقُوا يَضَعُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ فَيُجْلِسُهُمْ عَلَيْهَا فَيَجْعَلُ وُجُوهَهُمْ نُورًا وَثِيَابَهُمْ نُورًا يَفْزَعُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَفْزَعُونَ وَهُمْ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الَّذِينَ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ» .
«سَأَلَ رَجُلٌ النَّبِيَّ - ﷺ -: مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: وَمَا أَعْدَدْتَ لَهَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ غَيْرَ أَنِّي أُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ. قَالَ: أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ أَنَسٌ: فَمَا فَرِحْنَا بِشَيْءٍ فَرَحَنَا بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - أَنْتَ مَعَ مَنْ أَحْبَبْتَ، قَالَ أَنَسٌ: فَأَنَا أُحِبُّ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ مَعَهُمْ بِحُبِّي إيَّاهُمْ وَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْمًا وَلَمْ يَلْحَقْ بِهِمْ؟ قَالَ: الْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبَّ» .