(الْكَبِيرَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ: الرُّقَى، وَتَعْلِيقُ التَّمَائِمِ، وَالْحُرُوزِ الْآتِي بَيَانُهَا) أَخْرَجَ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ - ﵁ - قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «مَنْ عَلَّقَ تَمِيمَةً فَلَا أَتَمَّ اللَّهُ لَهُ، وَمَنْ عَلَّقَ وَدَعَةً فَلَا وَدَعَ اللَّهُ لَهُ» .
وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ وَالْحَاكِمُ وَاللَّفْظُ لَهُ عَنْهُ أَيْضًا: «أَنَّهُ جَاءَ فِي رَكْبٍ عَشَرَةٌ إلَى رَسُولِ اللَّهِ - ﷺ - فَبَايَعَ تِسْعَةً وَأَمْسَكَ عَنْ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَقَالُوا مَا شَأْنُهُ؟ فَقَالَ إنَّ
[ ١ / ٢٧٣ ]
فِي عَضُدِهِ تَمِيمَةً فَفَصَّى الرَّجُلُ التَّمِيمَةَ فَبَايَعَهُ النَّبِيُّ - ﷺ - ثُمَّ قَالَ مَنْ عَلَّقَ فَقَدْ أَشْرَكَ» . وَصَحَّ «أَنَّهُ - ﷺ - أَبْصَرَ عَلَى عَضُدِ رَجُلٍ حَلْقَةً أَرَاهُ قَالَ مِنْ صُفْرٍ فَقَالَ: وَيْحَك مَا هَذِهِ؟ قَالَ: مِنْ الْوَاهِنَةِ. قَالَ: أَمَا إنَّهَا لَا تَزِيدُك إلَّا وَهَنًا انْبِذْهَا عَنْك فَإِنَّك لَوْ مِتّ وَهِيَ عَلَيْك مَا أَفْلَحْت أَبَدًا» .
وَصَحَّ: أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ - ﵁ - دَخَلَ عَلَى امْرَأَتِهِ وَفِي عُنُقِهَا شَيْءٌ تَتَعَوَّذُ بِهِ فَجَذَبَهُ فَقَطَعَهُ ثُمَّ قَالَ: لَقَدْ أَصْبَحَ آلُ عَبْدِ اللَّهِ أَغْنِيَاءَ عَنْ أَنْ يُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ثُمَّ قَالَ: سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ - ﷺ - يَقُولُ: «إنَّ الرُّقَى وَالتَّمَائِمَ وَالتُّوَلَةَ شِرْكٌ قَالُوا يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَذِهِ الرُّقَى وَالتَّمَائِمُ قَدْ عَرَفْنَاهَا فَمَا التُّوَلَةُ؟ قَالَ شَيْءٌ تَصْنَعُهُ النِّسَاءُ يَتَحَبَّبْنَ إلَى أَزْوَاجِهِنَّ»، وَفَسَّرَ بَعْضُهُمْ التُّوَلَةَ بِكَسْرِ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الْوَاوِ أَنَّهُ شَيْءٌ يُشْبِهُ السِّحْرَ أَوْ مِنْ أَنْوَاعِهِ تَفْعَلُهُ الْمَرْأَةُ لِتَحَبُّبِهَا إلَى زَوْجِهَا، وَفِي رِوَايَةٍ: «أَنَّ زَوْجَتَهُ قَالَتْ لَهُ إنِّي خَرَجْت يَوْمًا فَأَبْصَرَنِي فُلَانٌ فَدَمَعَتْ عَيْنِي الَّتِي تَلِيهِ فَإِذَا رَقَيْتُهَا سَكَنَتْ دَمْعَتُهَا، وَإِذَا تَرَكْتُهَا دَمَعَتْ قَالَ ذَلِكَ الشَّيْطَانُ إذَا أَطَعْتِهِ تَرَكَكِ وَإِذَا عَصَيْتِهِ طَعَنَ بِأُصْبُعِهِ فِي عَيْنِك، وَلَكِنْ لَوْ فَعَلْتِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - كَانَ خَيْرًا لَكِ وَأَجْدَرَ أَنْ تُشْفَى تَنْضَحِي فِي عَيْنِكِ الْمَاءَ وَتَقُولِي: أَذْهِبْ الْبَأْسَ رَبَّ النَّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشَّافِي لَا شِفَاءَ إلَّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا» . وَصَحَّ: «لَيْسَتْ التَّمِيمَةُ مَا يُعَلَّقُ بِهِ بَعْدَ الْبَلَاءِ إنَّمَا التَّمِيمَةُ مَا يُعَلَّقُ بِهِ قَبْلَ الْبَلَاءِ» .
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَيْنِ مِنْ الْكَبَائِرِ هُوَ مَا يَقْتَضِيهِ الْوَعِيدُ الَّذِي فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَا سِيَّمَا تَسْمِيَتُهُ شِرْكًا، لَكِنْ لَمْ أَرَ أَحَدًا صَرَّحَ بِذَلِكَ بِخُصُوصِهِ، وَلَكِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِمَا يُفْهَمُ جَرَيَانُ ذَلِكَ فِيهِ بِالْأَوْلَى، نَعَمْ يَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلَى مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ مِنْ تَعْلِيقِ خَرَزَةٍ - يُسَمُّونَهَا تَمِيمَةً - أَوْ نَحْوِهَا يَرَوْنَ أَنَّهَا تَدْفَعُ عَنْهُمْ الْآفَاتِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ اعْتِقَادَ هَذَا جَهْلٌ وَضَلَالٌ وَأَنَّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْكَبَائِرِ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ شِرْكًا فَهُوَ يُؤَدِّي إلَيْهِ إذْ لَا يَنْفَعُ وَيَضُرُّ وَيَمْنَعُ وَيَدْفَعُ إلَّا اللَّهُ - تَعَالَى -.
وَأَمَّا الرُّقَى فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ أَوْ عَلَى مَا إذَا كَانَتْ بِغَيْرِ لِسَانِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَمْ يُعْرَفْ مَعْنَاهَا فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ حَرَامٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا، وَاسْتَدَلَّ لَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بِأَنَّهُمْ لَمَّا سَأَلُوهُ - ﷺ - عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ»، وَسَبَبُ ذَلِكَ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الْمَجْهُولَ قَدْ يَكُونُ سِحْرًا أَوْ كُفْرًا. قَالَ الْخَطَّابِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ ذَلِكَ: فَأَمَّا إذَا كَانَ مَفْهُومَ الْمَعْنَى وَكَانَ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ - تَعَالَى - فَإِنَّهُ مُسْتَحَبٌّ مُتَبَرَّكٌ بِهِ.
[ ١ / ٢٧٤ ]