(الْكَبِيرَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ: أَذِيَّةُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ وَمُعَادَاتُهُمْ) قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٨] وَقَالَ - تَعَالَى -: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الحجر: ٨٨] . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ - ﵄ - أَنَّهُ - ﷺ - قَالَ «عَنْ اللَّهِ - ﵎ -: مَنْ أَهَانَ لِي وَلِيًّا فَقَدْ بَارَزَنِي بِالْمُحَارَبَةِ وَمَا تَرَدَّدْتُ فِي شَيْءٍ أَنَا فَاعِلُهُ مَا تَرَدَّدْتُ فِي قَبْضِ نَفْسِ عَبْدِي الْمُؤْمِنِ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَأَكْرَهُ مَسَاءَتَهُ وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ، وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي الْمُؤْمِنُ بِمِثْلِ الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَلَا تَعَبَّدَ لِي بِمِثْلِ مَا افْتَرَضْته عَلَيْهِ» . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْته بِالْحَرْبِ - أَيْ أَعْلَمْته أَنِّي مُحَارِبٌ لَهُ - وَمَا تَقَرَّبَ إلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبُّ إلَيَّ
[ ١ / ١٨٥ ]
مِنْ أَدَاءِ مَا افْتَرَضْته عَلَيْهِ، وَلَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبُّهُ فَإِذَا أَحْبَبْته كُنْت سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ وَبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ وَيَدَهُ الَّتِي يَبْطِشُ بِهَا وَرِجْلَهُ الَّتِي يَمْشِي بِهَا وَإِنْ سَأَلَنِي أَعْطَيْته وَإِنْ اسْتَعَاذَنِي - أَيْ بِالنُّونِ أَوْ الْبَاءِ - لَأُعِيذَنَّهُ» .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إنَّ أَبَا سُفْيَانَ أَتَى عَلَى سَلْمَانَ وَصُهَيْبٍ وَبِلَالٍ - ﵃ - فِي نَفَرٍ فَقَالُوا: مَا أَخَذَتْ سُيُوفُ اللَّهِ مِنْ عَدُوِّ اللَّهِ مَأْخَذَهَا - أَيْ لَمْ تَسْتَوْفِ حَقَّهَا مِنْهُ لِأَنَّهُ إذْ ذَاكَ كَانَ عَلَى كُفْرِهِ - فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ -: أَتَقُولُونَ هَذَا لِشَيْخِ قُرَيْشٍ وَسَيِّدِهِمْ؟ فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ - فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَعَلَّك أَغْضَبْتَهُمْ لَئِنْ كُنْتَ أَغْضَبْتَهُمْ لَقَدْ أَغْضَبْتَ رَبَّك، فَأَتَاهُمْ أَبُو بَكْرٍ - ﵁ - وَقَالَ يَا إخْوَتَاهْ أَغْضَبْتُكُمْ؟ قَالُوا: لَا، يَغْفِرُ اللَّهُ لَك يَا أَخِي» .
وَمِنْ عَظِيمِ احْتِرَامِ الْفُقَرَاءِ سِيَّمَا فُقَرَاءُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ اسْتَبَقُوا إلَى الْإِيمَانِ قَوْله تَعَالَى لِنَبِيِّهِ - ﷺ - لَمَّا عَذَلَهُ الْمُشْرِكُونَ فِي الْجُلُوسِ مَعَهُمْ وَقَالُوا: اُطْرُدْهُمْ فَإِنَّ نُفُوسَنَا تَأْنَفُ أَنْ تُجَالِسَهُمْ، وَلَئِنْ طَرَدْتَهُمْ لَيُؤْمِنَنَّ بِك أَشْرَافُ النَّاسِ وَرُؤَسَاؤُهُمْ ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الأنعام: ٥٢] فَلَمَّا أَيِسَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ طَرْدِهِمْ سَأَلُوا النَّبِيَّ - ﷺ - أَنْ يَجْعَلَ لَهُمْ يَوْمًا وَلَهُمْ يَوْمًا، فَأَنْزَلَ تَعَالَى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٢٨] أَيْ لَا تَتَعَدَّاهُمْ وَلَا تَتَجَاوَزْهُمْ بِنَظَرِك رَغْبَةً عَنْهُمْ وَطَلَبًا لِصُحْبَةِ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] ثُمَّ ضَرَبَ لَهُمْ مَثَلَ الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ بِقَوْلِهِ - عَزَّ قَائِلًا - ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ [الكهف: ٣٢] إلَى قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٥] . الْآيَةَ.
كُلُّ ذَلِكَ تَقْرِيرٌ لِفَخَامَتِهِمْ وَحَثٌّ عَلَى تَعْظِيمِهِمْ وَرِعَايَتِهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ كَانَ - ﷺ - يُعَظِّمُ الْفُقَرَاءَ وَيُكْرِمُهُمْ سِيَّمَا أَهْلُ الصُّفَّةِ، وَهُمْ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَهُ - ﷺ - كَانُوا فِي صُفَّةِ الْمَسْجِدِ مُلَازِمِينَ لَهَا يَنْضَمُّ إلَيْهَا كُلُّ مَنْ هَاجَرَ إلَى أَنْ كَثُرُوا وَكَانُوا عَلَى غَايَةٍ مِنْ الْفَقْرِ وَالصَّبْرِ، لَكِنْ حَمَلَهُمْ عَلَى ذَلِكَ شُهُودُهُمْ مَا أَعَدَّ - تَعَالَى - لِأَوْلِيَائِهِ لَمَّا أَزَالَ عَنْ قُلُوبِهِمْ التَّعَلُّقَ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَغْيَارِ، وَحَثَّهُمْ عَلَى الِاسْتِبَاقِ إلَى الْخَيْرَاتِ وَحِيَازَةِ أَفْضَلِ الْأَحْوَالِ وَالْمَقَامَاتِ، فَحِينَئِذٍ اسْتَحَقُّوا أَنْ لَا يُطْرَدُوا عَنْ بَابِهِ، وَأَنْ يُعْلِنَ بِمَدْحِهِمْ بَيْنَ أَحْبَابِهِ لِمَا أَنَّ الْمَسَاجِدَ مَأْوَاهُمْ، وَاَللَّهَ مَطْلُوبُهُمْ وَمَوْلَاهُمْ
[ ١ / ١٨٦ ]
وَالْجُوعَ طَعَامُهُمْ، وَالسَّهَرَ إذَا نَامَ النَّاسُ إدَامُهُمْ وَالْفَقْرَ، وَالْفَاقَةَ شِعَارُهُمْ، وَالْمَسْكَنَةَ وَالْحَيَاءَ دِثَارُهُمْ، فَقْرُهُمْ لَيْسَ مِنْ الْفَقْرِ الْعَامِّ الَّذِي هُوَ مُطْلَقُ الْحَاجَةِ إلَى اللَّهِ - تَعَالَى - لِأَنَّ هَذَا وَصْفُ كُلِّ مَخْلُوقٍ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ - تَعَالَى -: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ﴾ [فاطر: ١٥] بَلْ مِنْ الْفَقْرِ الْخَاصِّ الَّذِي هُوَ شِعَارُ أَوْلِيَاءِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَأَحِبَّائِهِ وَهُوَ خُلُوُّ الْقَلْبِ مِنْ التَّعَلُّقِ بِغَيْرٍ أَوْ سِوًى، وَالتَّمَلِّي بِشُهُودِهِ - تَعَالَى - فِي سَائِرِ الْحَرَكَاتِ وَالسَّكَنَاتِ حَشَرَنَا اللَّهُ فِي زُمْرَتِهِمْ لِمَا مَنَّ بِهِ عَلَيْنَا مِنْ حَقَائِقِ مَحَبَّتِهِمْ آمِينَ.
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا كَبِيرَةً هُوَ مَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُهُمْ، وَهُوَ صَرِيحُ هَذَا الْوَعِيدِ الَّذِي لَا أَشَدَّ مِنْهُ إذْ مُحَارَبَةُ اللَّهِ - تَعَالَى - لِلْعَبْدِ لَمْ تُذْكَرْ إلَّا فِي أَكْلِ الرِّبَا وَمُعَادَاةِ الْأَوْلِيَاءِ، وَمَنْ عَادَاهُ اللَّهُ لَا يُفْلِحُ أَبَدًا بَلْ لَا بُدَّ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ - تَعَالَى - مِنْ أَنْ يَمُوتَ عَلَى الْكُفْرِ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ، ثُمَّ رَأَيْت الزَّرْكَشِيَّ فِي الْخَادِمِ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ حَيْثُ قَالَ بَعْدَ الْحَدِيثِ وَتَأَمَّلْ هَذَا الْوَعِيدَ وَهُوَ حِينَئِذٍ وَأَكْلُ الرِّبَا فِي قَرْنٍ ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: ٢٧٩] وَفِي فَتَاوَى الْبَدِيعِيِّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ: مَنْ اسْتَخَفَّ بِالْعَالِمِ طَلُقَتْ امْرَأَتُهُ وَكَأَنَّهُ جَعَلَهُ رِدَّةً انْتَهَى، وَقَالَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ - يَعْنِي الْحَافِظَ الْإِمَامَ ابْنَ عَسَاكِرَ -: اعْلَمْ يَا أَخِي وَفَّقَك اللَّهُ وَإِيَّانَا، وَهَدَاك سَبِيلَ الْخَيْرِ وَهَدَانَا أَنَّ لُحُومَ الْعُلَمَاءِ مَسْمُومَةٌ. وَعَادَةَ اللَّهِ فِي هَتْكِ مُنْتَقِصِهِمْ مَعْلُومَةٌ، وَمَنْ أَطْلَقَ لِسَانَهُ فِي الْعُلَمَاءِ بِالثَّلْبِ بَلَاهُ اللَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِمَوْتِ الْقَلْبِ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] .