(الْكَبِيرَةُ السِّتُّونَ: تَرْكُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ - ﷺ - عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ - ﷺ -) أَخْرَجَ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ - ﵁ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «اُحْضُرُوا الْمِنْبَرَ فَحَضَرْنَاهُ، فَلَمَّا ارْتَقَى دَرَجَةً قَالَ آمِينَ، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّانِيَةَ قَالَ آمِينَ، فَلَمَّا ارْتَقَى الدَّرَجَةَ الثَّالِثَةَ قَالَ آمِينَ، فَلَمَّا نَزَلَ قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ سَمِعْنَا مِنْك الْيَوْمَ شَيْئًا مَا كُنَّا نَسْمَعُهُ قَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ عَرَضَ لِي فَقَالَ: بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ قُلْتُ آمِينَ، فَلَمَّا رَقَيْتُ الثَّانِيَةَ قَالَ بَعُدَ مَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك قُلْتُ آمِينَ، فَلَمَّا رَقَيْتُ الثَّالِثَةَ قَالَ بَعُدَ مَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ الْكِبَرُ عِنْدَهُ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ قُلْتُ آمِينَ» .
وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ: «صَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ - الْمِنْبَرَ فَلَمَّا رَقِيَ عَتَبَةً قَالَ آمِينَ، ثُمَّ رَقِيَ أُخْرَى فَقَالَ آمِينَ، ثُمَّ رَقِيَ عَتَبَةً ثَالِثَةً فَقَالَ آمِينَ، ثُمَّ قَالَ: أَتَانِي جِبْرِيلُ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ وَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، فَقُلْت: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ قَالَ وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْتُ: آمِينَ» . وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ لَيِّنٍ: «أَنَّهُ - ﷺ - ارْتَقَى عَلَى الْمِنْبَرِ فَأَمَّنَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ: تَدْرُونَ لِمَ أَمَّنْت؟ قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: جَاءَنِي جِبْرِيلُ - ﵇ - فَقَالَ: إنَّهُ مَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ قُلْت: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا دَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ، قُلْتُ آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ دَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ وَأَسْحَقَهُ فَقُلْتُ: آمِينَ» . وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ: «أَنَّهُ - ﷺ - دَخَلَ الْمَسْجِدَ، وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَأَيْنَاك صَنَعْت شَيْئًا مَا كُنْت تَصْنَعُهُ، فَقَالَ: إنَّ
[ ١ / ١٩٠ ]
جِبْرِيلَ تَبَدَّى لِي فِي أَوَّلِ دَرَجَةٍ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَنْ أَدْرَكَ وَالِدَيْهِ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَبْعَدَهُ، فَقُلْت: آمِينَ، ثُمَّ قَالَ لِي فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ: وَمَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَبْعَدَهُ، فَقُلْتُ: آمِينَ، ثُمَّ تَبَدَّى لِي فِي الدَّرَجَةِ الثَّالِثَةِ فَقَالَ: وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْكَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَبْعَدَهُ، فَقُلْتُ آمِينَ» . وَابْنَا خُزَيْمَةَ وَحِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَاللَّفْظُ لَهُ: «أَنَّهُ - ﷺ - صَعِدَ الْمِنْبَرَ، فَقَالَ: آمِينَ آمِينَ آمِينَ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك صَعِدْت الْمِنْبَرَ فَقُلْت آمِينَ آمِينَ آمِينَ، فَقَالَ: إنَّ جِبْرِيلَ - ﵇ - أَتَانِي فَقَالَ: مَنْ أَدْرَكَ شَهْرَ رَمَضَانَ فَلَمْ يُغْفَرْ لَهُ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ قُلْ آمِينَ، فَقُلْتُ: آمِينَ، وَمَنْ أَدْرَكَ أَبَوَيْهِ أَوْ أَحَدَهُمَا فَلَمْ يَبَرَّهُمَا فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ: آمِينَ، فَقُلْت: آمِينَ، وَمَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك فَمَاتَ فَدَخَلَ النَّارَ فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ، قُلْ آمِينَ فَقُلْتُ: آمِينَ» . وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ. «رَغَمَ» - أَيْ بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ ذَلَّ، أَوْ بِكَسْرِهَا لَصِقَ بِالرَّغَامِ وَهُوَ التُّرَابُ ذُلًّا وَهَوَانًا - «أَنْفُ مَنْ ذُكِرْتَ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيْك، وَرَغَمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضَانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغَمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أَبَوَاهُ الْكِبَرَ فَلَمْ يُدْخِلَاهُ الْجَنَّةَ» .
وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ - ﵄ - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَخَطِئَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ خَطِئَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ» . وَرُوِيَ مُرْسَلًا عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ وَهُوَ أَشْبَهُ، وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - ﷺ -: «مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَنَسِيَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ خَطِئَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ» . وَابْنُ مَاجَهْ وَالطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا بِسَنَدٍ فِيهِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ: «مَنْ نَسِيَ الصَّلَاةَ عَلَيَّ خَطِئَ طَرِيقَ الْجَنَّةِ» .
وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ الْحُسَيْنِ - ﵁ -، عَنْ النَّبِيِّ - ﷺ -، وَالتِّرْمِذِيُّ: وَزَادَ فِي سَنَدِهِ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ - ﵁ -، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ: «الْبَخِيلُ مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ» . وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ: «أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِأَبْخَلِ النَّاسِ؟ قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: مَنْ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ فَذَلِكَ أَبْخَلُ النَّاسِ» .
[ ١ / ١٩١ ]
تَنْبِيهٌ: عَدُّ هَذَا هُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، لِأَنَّهُ - ﷺ - ذَكَرَ فِيهَا وَعِيدًا شَدِيدًا كَدُخُولِ النَّارِ، وَتَكَرُّرِ الدُّعَاءِ مِنْ جِبْرِيلَ وَالنَّبِيِّ - ﷺ - بِالْبُعْدِ وَالسُّحْقِ، وَمِنْ النَّبِيِّ - ﷺ - بِالذُّلِّ وَالْهَوَانِ، وَالْوَصْفِ بِالْبُخْلِ، بَلْ بِكَوْنِهِ أَبْخَلَ النَّاسِ، وَهَذَا كُلُّهُ وَعِيدٌ شَدِيدٌ جِدًّا فَاقْتَضَى أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ، لَكِنَّ هَذَا إنَّمَا يَأْتِي عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي قَالَ بِهِ جَمْعٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ: إنَّهُ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ - ﷺ - كُلَّمَا ذُكِرَ. وَهُوَ صَرِيحُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ، وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ قِيلَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَجِبُ مُطْلَقًا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ، فَعَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ - ﷺ - عِنْدَ سَمَاعِ ذِكْرِهِ كَبِيرَةٌ.
وَأَمَّا عَلَى مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ، فَهُوَ مُشْكِلٌ مَعَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْوَعِيدُ فِيهَا عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَلَى وَجْهٍ يُشْعِرُ بِعَدَمِ تَعْظِيمِهِ - ﷺ -، كَأَنْ يَتْرُكَهَا لِاشْتِغَالِهِ بِلَهْوٍ وَلَعِبٍ مُحَرَّمٍ، فَهَذِهِ الْهَيْئَةُ الِاجْتِمَاعِيَّةُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يُقَالَ: إنَّهُ حَقُّهَا مِنْ الْقُبْحِ وَالِاسْتِهْتَارِ بِحَقِّهِ - ﷺ - مَا اقْتَضَى أَنَّ التَّرْكَ حِينَئِذٍ لِمَا اقْتَرَنَ بِهِ كَبِيرَةٌ مُفَسِّقٌ، فَحِينَئِذٍ يَتَّضِحُ أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَا قَالَهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ عَدَمِ الْوُجُوبِ بِالْكُلِّيَّةِ، فَتَأَمَّلْ ذَلِكَ فَإِنَّهُ مُهِمٌّ وَلَمْ أَرَ مَنْ نَبَّهَ عَلَى شَيْءٍ مِنْهُ وَلَا بِأَدْنَى إشَارَةٍ.