تعقيب:
إن هناك أساسيات ودعامات تعتبر مَحَاوِرَ رئيسة لفهم الإنسان، فإذا اختلف الباحثون التربويون فيها اختلفت تفسيراتهم لسلوك الإنسان وهي:
١- ما أصل الإنسان؟.
٢- ما هي وظيفته ودواعي خلقه؟.
٣- ما هي أبرز خصائصه النفسية، والفطرية؟.
والدراسات الغربية التربوية والنفسية تختلف مع المنهج الإسلامي في الإجابة عن هذه التساؤلات.
وهذه الدراسات الغربية النفسية والتربوية عندما افتقرت إلى فهم هذه الأساسيات نحت بالدراسات النفسية منحى حاد بها عن الطريق، فأدى هذا إلى:
أ - افتقار المنظور الشمولي للإنسان، حيث نظرت للإنسان من حيث الجسد، ومن حيث القدرات والحاجات، وأهملت الجانب الروحي الإيماني الذي هو أساس متين للاستقرار النفسي والسلوك البشري.
ب - اهتمت بالسعي نحو الدراسة النفسية التي تحقق أهداف الإنسان المادية، فظهرت النظرية النفعية، ونظرية اللذة التي تجعل علاقة الإنسان مع الغير مبنية على ما يحققه الإنسان من منافع مادية، وإشباع للذاته وشهواته.
ج - افتقاد الأسس المرجعية الإلهية (القرآن الكريم والسنة النبوية) .
د - انحراف الباحثين مثل فرويد، وداروين في دراستهما للإنسان لفقدانهم معرفة أصل الإنسان وخصائصه النفسية من منظور شرعي.
هـ- - جهل الباحثين الغربيين بمعرفة السلوكيات الفطرية للإنسان التي بيّنها الله تعالى في القرآن الكريم، وأوضحها ﷺ في سنته المطهرة.
وافتقار هذه الدراسات للمعيار الصحيح الذي تقيس عليه السلوكيات
[ ٤٨٨ ]
البشرية، إذ إن المعيار عندهم هو ما يتفق مع غالبية أعضاء الجماعة، وما لا يتفق معهم يعتبر انحرافًا.
فعدم اختلاط المرأة بالرجال يعتبر انحرافًا، ويعبر عن سلوك غير سوي. وعدم اتخاذ صديق، أو صديقة يعتبر سلوكًا شاذًا نتيجة عقد نفسية.
أما في الإسلام فالمعيار واضح نظريًا وتطبيقيًا، فنظريًا يمثله القرآن الكريم، وتطبيقيًا يمثله سلوك النبي ﷺ، الذي يعتبر تطبيقًا للقرآن الكريم، قالت أم المؤمنين عائشة ﵂: “ فإن خلق نبي الله ﷺ كان القرآن “ ١.
ز - نتيجة الفقر السابقة، حاولت الدراسات الغربية فهم سلوك الإنسان من خلال المقاييس والاختبارات استنادًا إلى قاعدتين:
- أن العلم لا يقوم إلا على التجريب والقياس.
- أن موضوع الدقة العلمية هو القياس.
وهذا صحيح إلى حد ما باعتبارين:
١- باعتبار العلوم الطبيعية: وفي بعض قضايا علم النفس التجريبية مثل: التعلم والتعليم، ولكن كثيرًا من سلوكيات الإنسان لا نستطيع أن نعمم عليها مقاييس محددة، لاختلاف بواعث السلوك الواحد فضلًا عن سلوكيات الإنسان المتعددة.
فالصدق مثلًا: بواعثه متعددة، الخوف من كشف الحقيقة، أن لا يقال عنه كاذب، عدم المبالاة، حب طاعة الله والخوف منه.
٢- ثم إن هناك سلوكيات تختلف في درجتها عند الإنسان بين الفينة والأخرى، مبعثها قوة الإيمان وضعفه؛ لأنه يزيد وينقض عند الإنسان، كما هو مقرر عند أهل السنة والجماعة.
_________________
(١) ١ مسلم (١/٥١٢-٥١٣) برقم (١٣٩-٧٤٦) .
[ ٤٨٩ ]
فيقوى إيمان الإنسان فيندفع نحو فعل الخيرات، ويضعف تارة، فيقصر، فكيف يخضع هذا السلوك لمقياس ثابت.
ولذلك فإن الدراسات التربوية والنفسية الغربية التي اهتمت بالطبيعة البشرية وسلوكيات الإنسان لم تصل إلى تقنينات نستطيع أن نجعل منها تعميمات كقوانين الكيمياء والفيزياء.
هذا من جهة، ومن ناحية أخرى إذا ربطنا الدراسات التربوية والنفسية المعاصرة بالعصر اليوناني فإنها أسبق تاريخيًا.
وأما إذا ربطناه بجانب الدقة وصحة المقدمات والأصول والنتائج فإن السبق التربوي للإسلام.
ولا شك أن الفوز والسبق لا يثبت لمن بدأ وإنما لمن وصل أولًا، وهذا هو المعتمد عند العقلاء.
وأما جانب الاستفادة من الدراسات الغربية في مجالات التربية وعلم النفس، فيحتاج الأمر لدراستها من منظور إسلامي، وتقرير ما يصلح منها. وهذا يحتاج إلى مواصفات دقيقة فيمن يتولى هذا العمل، منها ما يلي:
١- الفهم الجيد لما يتعلق بالطبيعة الإنسانية من القرآن الكريم والسنة النبوية.
٢- الاطلاع على جهود العلماء المسلمين في هذا الميدان.
٣- الاطلاع على أصول تلك الأبحاث الغربية من مصادرها الأصلية لا من خلال النقولات التي ينقلها الكُتَّاب والمؤلفون عن تلك الأصول.
٤- تصفية تلك الدراسات والبحوث الغربية، وأخذ النافع منها، وترك السقيم منها.
****
[ ٤٩٠ ]