لقد جاءت الأحاديث الصحيحة التي تصرح بشفاعة القرآن الكريم يوم القيامة (١)، وهذه الخصوصية للقرآن الكريم دون بقية الكتب السماوية لانه حفظ من التحريف، والتبديل قال تعالى «إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون» (٢)، فباعتناء الله به وحفظه له أعطي القرآن هذه المنزلة المتقدمة على بقية الكتب. ولان فيه نبأ السالفين وخبر اللاحقين، فهو ناسخ لكل الكتب الأخرى "التوراة، الانجيل، والزبور".
ومن أسباب حفظ الله تعالى لهذا الكتاب العظيم هيء له صدورًا تحفظه وعقولًا تفهمه.
إذن فالإنسان-المسلم- هو من اسباب حفظ القرآن، والانسان مجبول على المحسوسات والمرغبات فكان لابد من ترغيبه في حفظ القرآن الكريم وتلاوته .. وهكذا
وقد وردت أحاديث تخبر ان القرآن يشفع ويحاجج عن صاحبه وقد وردت الاثار بعضها يتكلم عن شفاعة القرآن كله وبعضها عن سور متفرقة لذا إرتايت ان اقسمها على النحو الاتي:
١ - الاثار الواردة في شفاعة كل القرآن:
أخرج الإمام أحمد بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «الصيام والقرآن يشفعان للعبد يوم القيامة، يقول الصيام: أي رب منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه فيشفعان» (٣).
وأخرج إبن حبان بسنده عن جابر بن عبد الله - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «القرآن شافع مشفع وما حل مُصّدق من جعله امامه قاده إلى الجنة ومن جعله خلف ظهره ساقه إلى النار» (٤).
_________________
(١) انظر فيض القدير، المناوي٢/ ٤٥٣.
(٢) الحجر/٩.
(٣) انظر تخريجه برقم (١١٨).
(٤) انظر تخريجه برقم (١٢٣).
[ ١٣٨ ]
وأخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي امامه - ﵁ - عن النبي - ﷺ - «اقرؤا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعًا لاصحابه، اقرؤا الزهراويين » (١)، الحديث.
وكذا بسنده عن النواس بن سمعان - ﵁ - عن النبي - ﷺ - بنحو حديث أبي امامة (٢).
فهذه الأحاديث تبين لنا أنّ القرآن يشفع لصاحبه يوم القيامة ولم يحدد لنا مكان الشفاعة. أعند الصراط؟ ام عند الحساب؟ ام عند الجنة؟ ام يخرج صاحبه من النار؟ الذي يبدو -والله أعلم- أنّ القرآن الكريم له اكثر من مكان يشفع فيه: فحديث عبد الله عمرو بن العاص الذي مرّ: يبين لنا انه يشفع ويحاجج لصاحبه عند رب العزةﷻ- عند الحساب.
وهناك أحاديث تخبر ان القرآن يشفع لصاحبه في الجنة: بان يرفع له منزلته ودرجته، فقد أخرج الإمام الترمذي بسنده عن أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «يجيء القرآن يوم القيامة فيقول: يا رب حَلَّهِ فيلبسُ تاج الكرامة، ثم يقول: يا رب زده، فيلبس حُلّه الكرامة، ثم يقول: يا رب ارض عنه، فيرضى عنه فيقال له: إقرا وارق وتزاد بكل آية حسنة» (٣).
وأخرج إبن حبان بسنده عن عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - عن النبي - ﷺ - انه قال: «يقال لصاحب القرآن اقرا وارق ورتل كما كنت ترتل في الدنيا فان منزلك عند اخر اية تقرؤها» (٤). فأين هذا الترقي والتدرج في الصعود؟ بالتأكيد في الجنة. نقل الإمام المنذري عن الخطأبي القول: «جاء في الأثر أن عدد آي القرآن على قدر درج الجنة فيقال للقاريء ارق في الدرج على قدر ما كنت تقرأ من أي القرآن فمن استوفى قراءة جميع القرآن استولى على اقصى درج الجنة في الآخرة، ومن قرأ جزءا منه كان رقيه في الدرج على قدر ذلك، فيكون منتهى الثواب عند منتهى القراءة» (٥).
٢ - الآثار الواردة في شفاعة سور من القرآن:
أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي امامة الباهلي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «اقرءوا القران فإنه ياتي يوم القيامة شفيعًا لاصحابه، اقرءوا الزهراويين: البقرة
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (١١٧).
(٢) سياتي لاحقًا.
(٣) انظر تخريجه برقم (١٢٢).
(٤) أخرجه إبن حبان (٧٦٦).
(٥) تهذيب الترغيب والترهيب، المنذري حديث برقم (١٣٨٦).
[ ١٣٩ ]
وسورة آل عمران فانهما يأتيان يوم القيامة كانهما غمامتان أو غيايتان أو كانهما فرقان من طير صواف، تحاجان عن اصحابها، اقرءوا سورة البقرة فان اخذها بركة وتركها حسرة ولا تستطيعها البطلة» (١). وجاء في حديث النواس بن سمعان - ﵁ - المرفوع: «يؤتى بالقرآن يوم القيامة واهله الذين يعملون به في الدنيا تقدمه سورة البقرة وآل عمران وضرب لها رسول الله - ﷺ - ثلاثة أمثال ما نسيتهنّ بعد. قال: كانهما غمامتان أو ظلتان سود وان بينهما شرق أو كانهما فرقان من طير صواف يحاجان عن صاحبهما» (٢).
وما ذلك الرجل الذي جعله النبي - ﷺ - اميرًا على سرية بسبب حفظه لسورة البقرة إلا مثال قريب على مكانة سورة البقرة ومنزلتها. فعن أبي هريرة - ﵁ - قال: «بعث رسول الله - ﷺ - بعثًا وهم ذو عدد فاستقراهم، فاستقرأ كل رجل منهم يعني ما معه من القرآن، فاتى على رجل من احدثهم سنًا فقال: ما معك يا فلان؟ قال معي كذا وكذا وسورة البقرة، فقال: «أمعك سورة البقرة؟ قال: نعم، قال: إذهب فأنت اميرهم .» (٣) الحديث.
فإذا كان صاحب سورة البقرة يقود الناس في الدنيا فكيف به يوم القيامة؟
وأخرج أبو داود بسنده عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «ان سورة من القرآن -ثلاثون اية- شفعت لرجل حتى غفر له:"تبارك الذي بيده الملك"» (٤).
فسورة الملك تشفع لصاحبها وتحاجج عنه يوم القيامة. وليس ذلك فحسب بل انها تشفع له ايضًا في قبره فقد أخرج النسائي بسنده عن عبد الله بن مسعود- موقوفًا قال: «من قرأ تبارك الذي بيده الملك كل ليلة مَنَعه الله من عذاب القبر وكنا في عهد رسول الله - ﷺ - نسميها المانعة. وانها في كتاب الله سورة من قرأ بها في كل ليلة فقد اكثر واطاب» (٥).
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (١١٧).
(٢) أخرجه مسلم، صلاة المسافرين) ٢٥٣)، وانظر المسند الجامع ١٥/ (١١٩٩٢).
(٣) أخرجه الترمذي في جامعة، فضائل القرآن (٢٨٧٦)، وانظر تخريجه في المسند الجامع ١٧/ (١٤٤٥٨).
(٤) انظر تخريجه برقم (١٢٧).
(٥) الحديث حسن أخرجه النسائي في عمل اليوم والليلة (٧١١) والحاكم في المستدرك٢/ ٤٩٨، وانظر المسند الجامع١٢/ (٩٣٠١).
[ ١٤٠ ]
وعن إبن عباس - ﵁ - قال: «ضرب بعض أصحاب النبي - ﷺ - خباءة على قبر -وهو لا يحسب انه قبر- فإذا فيه انسان يقرأ سورة "تبارك الذي بيده الملك" حتى ختمها فأتى النبي -ﷺ- فقال: يا رسول الله اني ضربت خبائي على قبر وانا لا احسب انه قبر فإذا فيه انسان يقرأ سورة الملك حتى ختمها فقال رسول الله - ﷺ - "هي المانعة هي المنجية، تنجيه من عذاب القبر"» (١).
فها هي سورة الملك تدافع عنك وتناضل حتى تحجب عنك العذاب -ان شاء الله تعالى- كما جاء في الحديث: «يؤتى الرجل في قبره فتؤتى رجلاه فتقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل كان يقرأ سورة الملك، ثم يؤتى من قبل رأسه فيقول: ليس لكم على ما قبلي سبيل كان يقرأ في سورة الملك » (٢).
وصح عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: «كان رجل من الأنصار يؤمهم في مسجد قباء وكان كلما افتتح سورة يقرأ بها لهم في الصلاة مما يقرأ به افتتح بـ"قل هو الله احد" حتى يفرغ منها، ثم يقرأ سورة اخرى معها وكان يصنع ذلك في كل ركعة فكلمة اصحابه فقالوا: انك تفتح بهذه السورة ثم لا ترى انها تجزئك حتى تقرأ باخرى فاما ان تقرأ بها واما ان تدعها وتقرأ باخرى فقال: ما أنا بتاركها، ان احببتم ان اؤمكم بذلك فعلت وان كرهتم تركتم، وكانوا يرون انه من افضلهم وكرهوا ان يؤمهم غيره فلما اتاهم النبي - ﷺ - اخبروه الخبر فقال: يا فلان ما يمنعك ان تفعل ما يامرك به اصحابك؟ ويحملك على لزوم هذه السورة في كل ركعة؟ فقال: اني احبها. فقال: حبك أياها أدخلك الجنة» (٣).
قال الحافظ إبن حجر:- «والحاصل على الفعل المحبة وحدها، ودلّ تبشيره له بالجنة على الرضا بفعله، وعبر بالفعل الماضي في قوله "ادخلك" وان كان دخول الجنة مستقبلًا تحقيقا لوقوع ذلك» (٤).
وليس المراد من محبة القرآن، أو تلاوته، أو حفظه،- كما مر معنا في الأحاديث -ليس المراد منها المحبة المجردة أو التلاوة المجردة أو الحفظ المجرد -قطعًا- لان هذا يتعارض
_________________
(١) انظر تخريجه لاحقًا برقم (١٢٨).
(٢) أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٩٨.
(٣) انظر تخريجه برقم (١٢٥).
(٤) فتح ااباري ٢/ ٣٢٩، وانظر تحفة الاحوذي، المباركفوري ٨/ ٢١٣.
[ ١٤١ ]
مع القرآن نفسه، إذ يقول ﷻ: «واوحى إليّ هذا القرآن لانذركم به ومن بلغ » (١)، ويقول: «أفلا يتدبرون القرآن ام على قلوب اقفالها» (٢)، ويقول: «فذكر بالقرآن من يخاف وعيد» (٣)، ويقول «ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكَر» (٤).
فالمراد من القرآن هو العمل به، قال تعالى: «وقال الرسول يا رب ان قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورًا» (٥).يقول إبن كثير في تفسيرها: «.. وترك الإيمان به وترك تصديقه من هجرانه، وترك تدبره وتفهمه من هجرانه وترك العمل به وامتثال اوامره واجتناب زواجره من هجرانه والعدول عنه إلى غيره من شعرٍ أو قولٍ أو غناءٍ أو لهوٍ أو كلامٍ أو طريقهٍ مأخوذة من غير من هجرانه » (٦).
والمأثور عن الصحابة انهم كانوا لا يتجاوزون عشر آيات حتى يحفظونها ثم يعملون بها حتى ياخذون غيرها.
أما من يسعى جاهدًا إلى تطبيق القرآن في حياته -الخاصة والعامة- فانه مشمول بشفاعة القران، سواء أكان يحب القرآن، ام يقرأ القرآن أم يحفظ القرآن، فالعمل به وتحكيمه هو اصل الإيمان.
قال تعالى: «فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدون في صدورهم حرجًا مما قضيت ويسلموا تسليمًا» (٧).
وهذا هو الذي يحرم جسده على النار يقول - ﷺ -: «لو كان القرآن في اهاب ما اكلته النار» (٨).
يقول العلامة المناوي: «فكيف بالمؤمن المواضب لقراءته ولتلاوته واللام في "النار" للجنس والاولى جعلها للعهد، والمراد بها نار جهنم أو النار التي تطلع على الافئدة أو النار التي وقودها الناس والحجارة. وقيل المعنى من علّمهُ الله القرآن، لم تحرقه نار الآخرة
_________________
(١) الانعام/ ١٩.
(٢) محمد/ ٢٤.
(٣) ق/٤٥.
(٤) القمر/ ١٧.
(٥) الفرقان /٣٠.
(٦) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٣٠٦.
(٧) النساء/ ٦٥.
(٨) انظر تخريجه برقم (١٢٩).
[ ١٤٢ ]
فجعل جسم حافظ القرآن كاهاب له» (١).