حكمة الشفاعة
عرفنا أنّ الشفاعة هي التوسط وطلب الرحمة والمغفرة من قبل العبد لربه على اختلاف عين ذلك العبد. فالعبد «الشافع» يقوم بين يدي مولاه -ﷻ- فيشفع لأهله أو لأمته فيقف أمام الملك -ﷻ- ويتذلل له، فيأذن ملك الملوك له، أو قد ينادي الجبار:- يا فلان: قم فاشفع. أي إن الشافع أيًّا كان- لا يملك من الامر شيئًا، فلا يستطيع أنْ يشفع لأي مخلوق إلا من بعد ان يأذن الله تعالى ويرضى، «يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولًا» (١).
يقول إبن تيمية:- «والله تعالى وتر لا يشفعه احد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فالامر كله إليه وحده، فلا شريك له بوجه ولهذا ذكر سبحانه نفي ذلك في أية الكرسي التي فيها تقرير التوحيد فقال «له ما في السماوات وما في الارض مَنْ ذا الذي يَشْفَعُ عِنْدَهُإلا بإذنه» (٢) وسيد الشفعاء - ﷺ - يوم القيامة إذا سجد وحمد ربه، يقال له «إرفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطى، واشفع تشفع، فيحد له حدًا فيدخلهم الجنة» (٣)، فامر كله لله كما قال تعالى: «قل إن الامر كله لله» (٤)، وقال لرسوله - ﷺ - «ليس لك من الامر شيء» (٥)، وقال «ألا له الخلق والامر» (٦». (٧)
وإذا كان «حقيقة الشفاعة المأذون فيها: انّ الله سبحانه هو الذي يتفضل على أهل الأخلاص والتوحيد فيغفر لهم بواسطة دعاء الشافعين، الذين أذنَ لهم في المشفوع له» (٨) وإذا كان الله -ﷻ- «هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع، وهو الخالق لأفعال العباد
_________________
(١) طه /١٠٩، وانظر أصول الدين الاسلامي، رشدي عليان، وقحطان الدوري ص ٣٨٣.
(٢) البقرة /٢٥٥.
(٣) طرف من حديث الشفاعة الطويل، انظر الحديث برقم (١١).
(٤) آل عمران /١٥٤.
(٥) آل عمران /١٢٨.
(٦) الأعراف /٥٤.
(٧) الحسنة والسيئة، إبن تيمية ص٩٩.
(٨) جلاء العينين في المحاكمة الأحمدين، إبن الآلوسي ص٤٤٤.
[ ٤١ ]
فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأنّ الله خالق كلِّ شيءٍ» (١)، فلماذا الشفاعة إذن؟! أقول:
أولًا: من المقرر أنّ الله تعالى يوفق الشافع للشفاعة على شكل إقرار الشفاعة والشافع هو الذي يختار المشفوع لهم- إذا كان من أهل العهد- ومثال ذلك: الشهيد يشفع لسبعين من اهله، فالله هو الذي أذن وقرر انّ الشهيد يشفع ولولا ذلك لما استطاع الشهيد أنْ يشفع، والذي يختار أولئك السبعين هو الشافع بشرط أنْ يكون ذلك المشفوع له من أهل التوحيد-والله اعلم-.
ثانيًا:- صحيح أن الشفاعة هي نوع من الرحمة والمغفرة الالهية، ولكن يتجلى معناه من عدة وجوه:-
الوجه الاول: إكرام الشافع (٢):- إنّ الله تعالى إذا أراد أنْ يأذن لفلان بالشفاعة ناداه على رؤوس الخلائق واذن له امام العالمين ان يشفع لمن يشاء، أليس هذا إكرام؟ بلى وأيُّ إكرامٍ أعظمُ من ذلك؟ وهذا الشافع ما هي منزلته في قلوب تلك الحشود؟! ما مقدار الافتخار الذي سيحل باهله واخوته ومن شفع لهم؟! فهو صاحب مكانة خاصة وعظيمة عند الله ﷻ.
ويستنبط من بعض النصوص أنْ هناك تفاوت في المنازل والدرجات في الدنيا كذلك هو في الحياة الأخرة، يقول تعالى:"يامريم إنّ الله يبشرك بكلمة منه أسمه المسيح عيسى إبن مريم وجيها في الدنيا والأخرة ومن المقربين " (٣). وكقوله:" . وللآخرة أكبر درجاتٍ وأكبر تفضيلًا " (٤)، وكقوله - ﷺ -:" الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة " (٥) وسيد الشهداء حمزة ." (٦)، وغيرها من
_________________
(١) شرح العقيدة الطحاوية، إبن أبي العز تحقيق شعيب الأرنؤوط ١/ ٣٠١ - ٣٠٢.
(٢) أنظر الحسنة والسيئة، إبن تيمية ص٩٠، وأصول الدين، البغدادي ص ٢٤٥، والعقائد الإسلامية، سيد سابق ص٢٩٧، وأصول الدين الإسلامي، رشدي عليان وقحطان الدوري ص ٣٨٣.
(٣) آل عمران /٤٥.
(٤) الاسراء /٢١.
(٥) حديث صحيح، انظر مظانه في المسند الجامع ٥/ (٣٣٦٠و٣٣٦١).
(٦) أخرجه "الهيثمي" -في المجمع- ٧/ ٢٧٢ و٩/ ٢٦٨. وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه ضعف.
[ ٤٢ ]
الاثار الأخرى.
فهذه النصوص تُفهم أنْ في الجنة منازل متفاوتة بتفاوت الدرجات وبتفاوت الحسنات وأنّ فيها أناسًا متميزين فهُم سادة ووجهاء. يقول إبن كثير في تفسير الاية " وجيها في الدنيا والآخرة " التي مرت أعلاه: "أي له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا بما يوحيه الله إليه من الشريعة وينزله عليه من الكتاب وغير ذلك مما منحه الله به وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فمن يأذن له فيه، فيقبل منه أسوة بأخوانه من أولي العزم " (١) وهذا لا يعني أنّ كل الشفاعة سادة، فقد يشفع الشفيع إكراما له وتقديرا، وليس بالضرورة أنْ يكون وجيها أو سيدا في ذلك المقام، ومن ذلك شفاعة المؤمنين لأخوانهم، فقد صح من حديث إبن عباس - ﵄ - مرفوعًا:" ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه" (٢). فليست هذه الشفاعة إكراما للمشفوع له، وليست لإبراز الوجهاء والسادة، وإنما إكراما لانتمائهم إلى الاسلام.
وقد يشفع الشافع لتطييب خاطرِهِ، وليست مغفرة للمشفوع له، كشفاعة النبي - ﷺ - لعمه أبي طالب، فقد اخرج البخاري وغيره من حديث العباس بن عبد المطلب - ﵁ - أنه قال للنبي - ﷺ -: «ما أغنيت عن عمك، فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال:"هو في ضِحضاحٍ من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الاسفل من النار» (٣). قال العلامة العيني: «هذا النفع من بركة رسول الله - ﷺ - وخصائصه» (٤).
الوجه الثاني:- حث المسلم على العمل الصالح في الحياة الدنيا:- إن الخالق العظيم أعلم بمخلوقاتهِ -حتى من أنفسهم- فهو يعلم ما يصلحهم وما يفسدهم، وما يدفعهم إلى العمل، وما يبطئهم، ولما كان هذا الانسان - المسلم - يعلم أنّ هناك ثوابا وعقابا في زمنٍ معلوم وفي مكانٍ معلومٍ، فإنه بالتاكيد سوف يندفع إلى العمل الصالح وينتهي عن المنكرات، فلما كان ذلك من عقيدة - المسلم- الثواب والعقاب- فإن الأنسان العاقل سيبادر إلى الطاعة والعمل الصالح ويتجنب المعاصي والآثام.
فالله - ﷻ- أخبرنا بطريق القران أو السنة أن هناك شفاعة لبعض الأعمال
_________________
(١) تفسير القرآن العظيم ١/ ٣٤٤.
(٢) انظر تخريجه برقم (٩١).
(٣) انظر تخريجه برقم (٥٦).
(٤) عُمدة القاري ١٧/ ١٧.
[ ٤٣ ]
وبعض الأمور الدنيوية، وهذا سيدفع المسلم إلى العمل الصالح، وسيجنبه الكثير من المعاصي، فكل صغيرة، وكبيرة عملت بها هنا ستجازى عليها يوم القيامة، قال تعالى: «فمن يعمل مثقال ذرةٍ خيرًا يره، ومنْ يعمل مثقال ذرةٍ شرا يره» (١).
لذا فإن الشفاعة تدفع المسلم إلى العمل الصالح، وفعل الطاعات، واليك الأمثلة على ذلك: الصبر على تربية الإناث، كانت البنت في المجتمع الجاهلي تقتل خشية المؤنة وخوفًا من العار والى ذلك أشار القرآن في زجرهم: «ولا تقتلوا أولادكم من إملاق » (٢)، فالبنت كانت محتقرة مهانة، فهي كلّ، وعار على ذويها ولكنْ لما جاء الاسلام دين العدل والمساواة، واعطى الأنثى حقها الكامل، كان من الطبيعي أنْ يجعل ثوابًا عظيمًا لمن تكفل عناء تربية الإناث، وخصوصة تميزه عن غيره، لذا فقد جاء في الحديث الصحيح: «من ابتلي بشيء من هذه البنات، فأحسن صحبتهنّ كنَّ له سترًا من النار» (٣).
وقلْ مثل ذلك في الشهيد: فالموت تكرهه النفس البشرية وقد جاء في الحديث القدسي: «إنّ الله ﷿ قال: من عادى لي وليًا فقد آذنته بالحرب وما ترددت عن شيءٍ أنا فاعله ترددي عن نفسِ عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته» (٤). وفي مقابل ذلك: نجد انّ الأسلام يحث على التضحية بالنفس والمال في سبيل الله، يقول سبحانه «إنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم واموالهم بأن لهم الجنة » (٥). فكيف يضحي المسلم بنفسه «الغالية»؟ لا بد له من مرغبات اخروية تدفعه إلى التضحية وطبيعة الانسان مجبولة على حب الخير لها، فتصور ذلك المقاتل وقد اشتد بالمعركة الوطيس وعمل السيف في صفوفهم، والشيطان يسول له ويمنيه: إن الله سيغفر لك باب التوبة مفتوح فرَّ من الزحف، وبعدها تب إلى الله المعركة خاسرة تذكرْ إبناءك واهلك انج بنفسك قبل فوات الاوان، كل تلك الوساوس ستأتي ذلك المسلم، ألا يحتاج إلى مثبتات؟ فياتيه مناد الحق «ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل احياء عند ربهم يرزقون» (٦). ويصدح فيه «للشهيد عند
_________________
(١) الزلزلة /٧ و٨.
(٢) الأنعام /١٥١.
(٣) انظر تخريجه برقم (١٤٥).
(٤) أخرجه البخاري عن أبي هريرة مرفوعًا برقم (٦٠٢٥)، وأخرج بنحوه البيهقي-الكبرى- ٣/ ٣٤٦.
(٥) التوبة /١١١.
(٦) آل عمران /١٦٩.
[ ٤٤ ]
الله ست خصال » (١) الحديث، وتلك الوالدة الثكلى والزوجة الأرمل، والإبناء الأيتام عزاؤهم الأكبر في تلك المصيبة «يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته» (٢). وهكذا تتجلى حكمة الشفاعة في حث المسلم على العمل الصالح.
(ثم لا يغيب عن التأمل: ذلك الود الذي يعقده القرآن بين المؤمنين وبين أولئك الصفوه إنه ودّ يقود إلى الحياء من مخالفتهم أو التنحي عن ركبهم، إن محمدًا - ﷺ- سينادي غدًا .. «يا رب أمتي» (٣)، ستحبه انت الان من أعماق قلبك وسيقودك هذا الحب إلى الاتباع حتمًا) (٤).
الوجه الثالث:- إفاضة الكرم الألهي والرحمة على المشفوع لهم. فلما كان الله -ﷻ- هو الرحمن الرحيم، الرؤف، الحنان، الكريم، العفو، الغفور فمن المؤكد أنه سيتفضل على عباده بواسع الرحمات والمكرمات، وهذه المكرمات تأخذ اشكالا مختلفة، فقسم من الناس رغم اعمالهم الصالحة وإكثارهم من الطاعات، إلا أن الله -ﷻ- يفيض عليهم من كرمهِ وفضلهِ برفع درجاتهم أو تحقيق رغباتهم في اخوانهم مثلًا، فيشفعون لهم - بفضل من الله- وغيرها من الاقسام الكثيرة المختلفة ومنها أنْ يشفع الشافع في المشفوع فيرحمهم جميعًا.
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (٧٦).
(٢) انظر تخريجه برقم (٨٧).
(٣) انظر تخريجه برقم (١٠).
(٤) العقيدة الاسلامية، محمد عياش ص٢٩٥.
[ ٤٥ ]