ونحن بصدد الحديث عن أمة محمد - ﷺ - يتعين علينا تعريف "أمة محمد". أيشمل أمة الدعوة كافة؟ ام الاجاب خاصة؟ وما هي صفات هذه الأمة؟ فنقول "ان المقصود من لفظ أمة - ﷺ - محمد أذا أطلقت هو أمة الاجابة أي الأمة التي اجابت النبي - ﷺ - فقط وليس المقصود منها كل افراد الأمة مؤمنهم وكافرهم "أمة الدعوة" (٣).
وهذه الأمة "أمة الاجابة" تشمل كل من آمن بالنبي - ﷺ - حال حياته أو بعد موته إلى يوم القيامة (٤).
والذي يبدو لي من خلال النصوص أن شروط الانتماء إلى أمة محمد - ﷺ -، الأمة الناجية من عذاب الله يوم القيامة على قسمين:-
أولًا:- شروط الفرقة التي لا تمسها النار كما جاء في قوله - ﷺ -: «إن هذه الأمة مرحومة عذابها بايديها. .» (٥)، فهذه الأمة هي الأمة المتقية ولا يكون افرادها إلا من أهل التقوى والعمل الصالح، الذين وصفهم الله تعالى: بقوله: «كنتم خير أمة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» (٦).
_________________
(١) البقرة /١٢٩.
(٢) البقرة/١٥١.
(٣) انظر تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٣٧٠.
(٤) انظر تفسير القرآن العظيم، سبق.
(٥) انظر تخريجه برقم (١١٥).
(٦) آل عمران/١١٠، وانظر مجموع الفناوي، ابن تيمية ٣/ ١٥٨.
[ ١٢٧ ]
وهم الذين وصفهم الله تعالى بانهم متقون فقال لهم «ألم. ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين» (١)، قال ابن عباس - ﵁ -: «هم المؤمنون الذين يتقون الشرك بي ويعلمون بطاعتي» (٢). وقال الحسن البصري: «الذين اتقوا ما حرم الله عليهم وادوا ما افترض عليهم» (٣) فشروط هذا القسم من الآمة- التي لا يمسها العذاب- هي:-
(١) الإيمان بالغيب: «أي يؤمنون بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر وجنته وناره ولقائه ويؤمنون بالحياة بعد الموت وبالبعث فهذا غيب كله» (٤).
فالإيمان بالغيب هو العتبة التي أن اجتازها الإنسان تخطى مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا المحسوسات (٥).
(٢) إقامة الصلاة: أي «المحافظة على مواقيتها ووضوئها وركوعها وسجودها» (٦).
(٣) الانفاق: يقول تعالى "ومما رزقناهم ينفقون": الانفاق المطلق من زكاة ومن صدقة فهم ينفقون من اموالهم ابتغاء وجه الله (٧)، «فهم يعترفون ابتداء بان المال الذي في ايديهم هو من رزق الله لهم لا من خلق انفسهم ومن هذا الاعتراف بنعمة الرزق ينبثق البر بضعاف الخلق والتضامن بين عيال الخلق والشعور بالاصرة الانسانية» (٨).
وقد قاتل أبو بكر - ﵁ - مانعي الزكاة، وعدهم مرتدين عن الإسلام وقال فيهم: «والله لا افرق بين الصلاة والزكاة، ولأقاتلن من فرق بينهما» (٩).
(٤) الأيمان بالكتب والرسل: يقول تعالى «والذين يؤمنون بما أنزل اليك ما أنزل من قبلك» أي «يصدقون بما جئت به من الله وما جاء به من قبلك من المرسلين لا يفرقون بينهم ولا يجدون ما جاءوهم به من ربهم» (١٠).
_________________
(١) البقرة/ ١ - ٢.
(٢) تفسير القرآن العظيم ١/ ٣٨ - ٣٩.
(٣) مصدر سابق.
(٤) مصدر سابق.
(٥) انظر في ظلال القرآن، سيد قطب ١/ ٣٩.
(٦) فسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٤١.
(٧) انظر جامع البيان، الطبري١/ ١٠٥ ..
(٨) في ظلال القرآن، سيد قطب١/ ٤٠.
(٩) أخرجه الشيخان من حديث ابي هريرة عن عمر -﵄-، وانظر تخريجه في المسند الجامع١٣/ (١٠٤٤٢).
(١٠) انظرالقرآن العظيم ١/ ٤١.
[ ١٢٨ ]
وأهمية هذه الصفة هي توطيد البناء الواحد «أن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون» (١). «فلابد من وحدة شعور، ووحدة دين، ووحدة رسل، ووحدة معبود» (٢).
(٥) الأيمان باليوم الآخر:- "وبالآخرة هم يوقنون": ويدخل تحته كل ما أخبر الله ورسوله به، كاحوال القبر من نعيم وعذاب، وما يكون يوم القيامة من نشر وحشر وصراط وميزان وجزاء وتطاير الصحف والحوض والجنة والنار والشفاعة والرؤية وتكليمهم الله وغيرهُ مما يثبت بالكتاب والسنة الصحيحة. (٣)
فالأيمان باليوم الآخر «هو حجر الزاوية في العقيدة الاسلامية، ذاك لأن الأنسان بطبعه لا يلزم نفسهُ بالطاعة، إلا أن تكون من ورائها دفع مفسدة، أو جلب مصلحة فالأيمان بالله وبرسالته لا يؤدي ثمرته إلاَ إذا كان هناك جزاء ينتظره الإنسان، ومن ثم كان الإيمان باليوم الآخر له دور كبير في إ'لزام الإنسان بمنهج الله» (٤)، ويعدد لنا الإمام إبن تيمية من صفات هذا القسم الناجي من أمرٍ بمعروف، أو نهى عن منكر، أو حج، أو جهاد، أو صبر أو شكر،، أو حسن جوار ثم يقول: «وهم أهل السنة والجماعة وفيهم الصديقون والشهداء والصالحون ومنهم أعلام الهدى ومصابيح الدجى أولو المناقب المأثورة والفضائل المذكورة وفيهم الأبدال: الأئمة الذين أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم. وهم الطائفة المنصورة الذين قال فيهم النبي - ﷺ -: "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يظرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة" (٥» (٦).
ثانيًا: شروط الفرقة الناجية من عذاب الله عاجلًا أو آجلًا:
يعني قد تنجو بعد أن يمسها العذاب أو قد تنجو قبله.
وشروطها هي أركان الإيمان فقط دون عمل، كصلاة، أو صيام، أو زكاة. أو بمعروف
أو نهي عن منكر، وإنما ينجيها إيمانها الصادق من عذاب الله.
_________________
(١) الأنبياء /٩٢.
(٢) أنظر في ظلال القرآن ١/ ٤١.
(٣) أنظر جامع البيان ١/ ١٠٥.
(٤) العقيدة الأسلامية، محمد عياش /٢٧٥.
(٥) حديث مخرج في الصحيحين، جاء عن عدة صحابة ﵃ أجمعين أنظر - مثلا- عن ثوابان في المسند الجامع ٣/ (٢٠٦٨)، وعن جابر ٤/ (٣٠٥٢)
(٦) مجموع الفتاوى ٣/ ١٥٩.
[ ١٢٩ ]
وهؤلاء الذين وصفو في الحديث "أخرجوا من النار من في قلبه مقدار شعيرة من أيمان " (١) فتارك الصلاة - مثلا - هو من أمة محمد - ﷺ - ويقوم ليعبر - مع بقية الأمة المحمدية - الصراط ولكن كلاليب جهنم تتناوشه وتأخذهُ إلى سقر، قال تعالى " ما سلككم في سقر؟ قالوا لم نك من المصلين " (٢). إلا من شاء الله أن يعفو عنه: " أن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن شاء " (٣).
فأركان الأيمان " الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره " هذه شروط المؤمن الذي يستحق أن نسميه مؤمنًا أما من أخل بواحدة منها متعمدا فأنهُ يصبح كافرًا.
المسألة الثانية:- المطرودون من أمة محمد - ﷺ -:
لقد أخبرنا النبي - ﷺ - عن جماعة يردون الحوض -حوض الكوثر- بعد ان لاقوا ما لاقوا من اهوال الموقف، وغيرها من أهوال يوم القيامة، وعليهم سمت أمة محمد - ﷺ - من اثار الوضوء -غرًا محجلين- يريدون ان ينهلوا من حيث نهل اخوانهم ولكن إذ بالملائكة تذودهم وتطردهم، فينادي شفيعهم محمد - ﷺ -:يا رب أمتي أمتي؟!!
يتعجب: هؤلاء من أمتي يارب؟! فيأتيه الجواب سريعًا: لاتدري ما أحدثوا بعدك، لا زالوا بعدك مرتدين، فيقول الشفيع الاعظم: سحقًا لهم سحقًا (٤). وما اعظم الخطب وجلل الموقف؟؟ إذ يقول شفيعك ونبيك: سحقًا لك سحقًا؟ إذن: الانسان المسلم الذي لا يخلص عمله لله فانه لا يقبل عمله وان صلى وصام قال تعالى: «وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين » (٥)
ويقول - ﷺ -:"من احدث في امرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (٦) ويقول:"من غش فليس منا (٧) " فمن غش المسلمين وخادعهم فهو خارج عن أمة محمد - ﷺ - وليس من اتباعه -ما لم يتب- (٨) ونعني بالمطرودين هم الذين نقضوا "لا اله إلا الله محمد رسول الله" وهو اساس الدين واصل الإيمان وهو العهد الذي يربط الانسان بربه ومن ثم بدينه.
_________________
(١) أنظر تخريجة برقم (١٠٠).
(٢) المدثر /٤٢ - ٤٣ وإنظر عمدة الفاري، العيني ٢٣/ ١٣٤.
(٣) النساء/٤٨.
(٤) انظر المسند الجامع ١٩/ (١٥٧٧٥)، و٢٠/ (١٧٠٨٥).
(٥) البينة /٥.
(٦) انظر تخريجه في المسند الجامع ٢٠/ (١٧١٠٤.)
(٧) انظر المسند الجامع ١٧/ (١٣٥٩٥.)
(٨) انظر مجموع الفتاوي، إبن تيمية ٧/ ٤١.
[ ١٣٠ ]