من تمام رحمة النبي - ﷺ - ورأفته وشفقته بأمته وأهتمامه بأحوالهم وشؤنهم أخّر - ﷺ - دعوته المستجابة إلى يوم القيامة شفاعة لهم. ذلك أنه لكل نبي دعوة مستجابة لامته أو عليهم، فقد جاء في حديث أنس بن مالك - ﵁ - مرفوعًا: «أن لكل نبي دعوة قد دعاها في امته فأستجيب له واني أختبأت دعوتي شفاعةلامتي يوم القيامة» (١).
وقد إستُشْكِلَ ظاهر الحديث بما وقع لكثير من الدعوات المجابة ولا سيما لنبينا - ﷺ - فهل يعني ذلك أن لكل نبي دعوة واحدة مستجابة فقط؟
ذكر الحافظ إبن حجر الاختلاف في ذلك فنقل مثلًا عن إبن التين (٢) في معنى لكل نبي دعوة القول "أي افضل دعواته، ولهم دعوات أخرى، وقيل لكل منهم دعوة عامة مستجابة في امته باهلاكهم واما بنجاتهم، واما الدعوات الخاصة فمنها ما يستجاب ومنها ما لا يستجاب، وقيل لكل منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه كقول نوح "لا تذر على الارض" (٣) وقول زكريا "فهب لي من لدنك وليًا يرثني" (٤) وقول سليمان " وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي" (٥).
والذي يبدو من خلال ظاهر النصوص: أن دعوة الانبياء بصورة عامة ليست كلها مستجابة لقوله - ﷺ - «سألت الله ثلاثًا فاعطاني اثنين ومنعني واحدة» (٦) فمنها ما يستجاب
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (٣).
(٢) انظر ترجمة في الاعلام.
(٣) نوح ا /٢٥.
(٤) مريم/ ٤ - ٥.
(٥) ص / ٣٥.
(٦) أخرجه مسلم عن سعد بن أبي وقاص ﵁ كتاب الفتن واشراط الساعة (٢٠) وانظر فتح الباري، سبق.
[ ٦١ ]
ومنها ما يرد، ولكن هناك دعوة واحدة يعطيها رب العزة -ﷻ- لنبييه اكرامًا له، ويحق له استخدامها انى شاء، واستجابتها حتمية.
فأن أرادها في الدنيا أو الاخرة يعطيها، ويعضد هذا ما جاء عن أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري مرفوعًا: «لكل نبي دعوة مستجابة » (١)، أي دعوة واحدة محققة الاجابة وما عداها فهو متروك للمشيئة الالهية، هذا ما ذهب اليه الامام النووي وإبن حجر، يقول النووي: «أن لكل نبي دعوة متيقنة الاجابة وهو على يقين من اجابتها اما باقي دعواته فهم على طمع من اجابتها وبعضها يجاب وبعضها لا يجاب» (٢).
والمراد بالامة هنا امة الاجابة لا امة الدعوة وسنبينه في موضوع المطرودين من امة محمد - ﷺ - (٣) وقد جاء في حيث عوف بن مالك - ﵁ - مرفوعًا «إنه أتاني من ربي آتٍ فخيرني بان يدخل نصف امتي الجنة وبين الشفاعة واني اخترت الشفاعة» (٤) وقد اختلف في هذا الآتي من هو؟
فذهب المباركفوري إلى انه ملك أخر غير جبريل (٥). وهذه دعوى تحتاج إلى دليل؟! بل على العكس فان الملك ما دام لم يعرف فان الأمر ينصرف إلى جبريل ﵇ لأنه أقرب الملائكة إلى النبي - ﷺ - وكذا فانه لم يرد نص صحيح يخبر بتلقي النبي - ﷺ - الوحي سوى من جبريل -﵇- والأمرهنا كذلك وحيُ.
ويشهد لهذا الرأي حديث أبي ذر - ﵁ - «أتاني جبريل فبشرني أنه من مات من أمتك » (٦) الحديث.
فإدخار النبي - ﷺ - دعوته لأمته لا على امته أدخر دعوته لأمته وكان بمقدوره أن يدعو لنفسه دعوة دنيوية أو آخروية. فيا للهِ ما هذه الرأفة وهذه الشفقة. (٧)
_________________
(١) اخرجه البخاري (٦٣٥) وانظر تخريجه برقم (٢).
(٢) شرح مسلم ٣/ ٧٥، وانظر فتح الباري إبن حجر ١١/ ١١٦.
(٣) انظر تحفة الاحوذي، المباركفوري ٧/ ١٣٢، وانظر ص١٠٤ من هذا البحث.
(٤) انظر تخريجه برقم (١٥).
(٥) انظر تحفة الاحوذي ٧/ ١٣٢.
(٦) انظر تخريجه برقم (١٠٦).
(٧) انظر شرح مسلم ٣/ ٧٥، وفتح الباري١١/ ١١٦ وتحفة الاحوذي ٧/ ١٣٢.
[ ٦٢ ]
ولقد اسلفنا القول أن شفاعات النبي - ﷺ - متنوعة (١) وهي على قسمين:-
قسم خاص به - ﷺ - لا يشركه فيه احد، وقسم ثانٍ يشاركه فيه غيره، فاما شفاعات القسم الأول فهي:-
شفاعته العظمى لجميع الخلائق، وشفاعتة في ادخال سبعين الفًا من امته بغير حساب، وشفاعته في التخفيف عن بعض اهل النار (٢).
وأما شفاعات القسم الثاني فهي:- شفاعته في زيادة الدرجات في الجنة، شفاعته في قوم من المؤمنين استوجبوا النار أن لا يدخلوها وشفاعته فيمن تساوت حسناته وسيئاته (٣).
وينبغي لنا قبل الشروع في شرح هذه الشفاعات أن نفصل القول في قضية ذات بالٍ وهي قضية المقام المحمود - فماذا يعني المقام المحمود؟!