لكل نسب شرف، وهذا الشرف يتفاوت بتفاوت أهمية ذلك النسب، ومن أنتسب إلى أمة من الأمم فكذلك لابد لهذه الآمة من شرف، و«ليس هناك من انتساب أعظم وأرفع وأشرف من الانتساب للأمة الأسلامية لأنه الانتساب إلى الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، ثم هو الانتساب لسيد الأنبياء والرسل محمد - ﷺ - وهو انتماء للأسلام وأهله واي انتماء أعظم من الانتماء لدين الله ﷿ (٤) " وقد جاءت الايات القرآنية تصرح بأفضلية هذه الأمة يقول تعالى"وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًا» (٥) و«كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» (٦).
وهذه الأمة شهيدة بنص هذه الآية، وبنص حديث ابي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (١٤).
(٢) انظر تخريجه برقم (١٠٠).
(٣) الاسراء/١٥.
(٤) الاساس في السنة، قسم العقائد، سعيد حوى١/ ١١٢٥.
(٥) البقرة/١٤٣.
(٦) آل عمران/١١٠.
[ ١٢٤ ]
- ﷺ - انه قال: «يجيء النبي ومعه الرجلان ويجيء النبي ومعه الثلاث واكثر من ذلك واقل فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول نعم فيدعي قومه فيقال: هل بلغكم؟ فيقولون لا، فيقال: من شهد لك؟ فيقول: محمد وأمته فتدعى أمة محمد فيقال: هل بلغ هذا؟ فيقولون نعم فيقول: وما علمكم بذلك، فيقولون أخبرنا نبينا بذلك أنّ الرسل قد بلغوا فصدقناه قال: فذلكم قوله تعالى "وكذلك جعلناكم أمة وسطًا " الآية» (١).
ويكفي الأمة المحمدية شرفًا:- «أن النبي - ﷺ - تلا قول الله ﷿ في ابراهيم" رب انهن اضللن كثيرًا من الناس فمن تبعني فأنه مني " (٢) الاية وفي عيسى ﵇ "أن تعذبهم فأنهم عبادك وأن تغفر لهم فأنك أنت العزيز الحكيم" (٣).فرفع يديه وقال: اللهم أمتي أمتي وبكى، فقال الله ﷿: يا جبريل أذهب إلى محمد وربك أعلم، فسله ما يبكيك فأتاه جبريل ﵊ فسأله، فأخبره رسول الله - ﷺ - بما قال، وهو أعلم، فقال الله يا جبريل أذهب إلى محمد فقل أنّا سنرضيك في أمتك ولا نسوؤك» (٤).
فهذه بشارة عظيمة لهذه الأمة زادها الله تعالى شرفًا فقد وعدها الله تعالى بانه سيرضي نبيه بها ولا يسوؤه، وهذا أرجى الأحاديث لهذه الآمة وأما قوله تعالى ولا نسوؤك: فهو «تأكيد للمعنى أي لا نحزنك لأن الارضاء قد يحصل في حق البعض بالعفو عنهم ويدخل الباقي في النار فقال تعالى "نرضيك ولا ندخل عليك حزنًا بل ننجي الجميع"» (٥).
يقول صاحب الظلال في وصف أمة محمد - ﷺ -:- «الأمة الوسط التي تشهد على الناس جميعًا فتقيم بينهم العدل والقسط وتضع لهم الموازين والقيم وتبدي فيهم رأيها فيكون هو الرأي المعتمد وتزن قيمهم وتصوراتهم وتقاليدهم وشعاراتهم فتفصل في أمرها وتقول:"هذا حق منها وهذا باطل » (٦).
وهذه الأمة أمة اختيارية لا جبرية بمعنى أنها لا تكره أحدًا على الانضمام اليها ..
_________________
(١) البخاري في صحيحة، الأنبياء (٣٣٣٩)، وانظر تخريجه في المسند الجامع٦/ (٤٦٣٨).
(٢) ابراهيم/٣٦.
(٣) المائدة/١١٨.
(٤) الحديث أخرجه مسلم، وانظر مضانه في المسند الجامع ١١/ (٨٧٠٧).
(٥) شرح مسلم٣/ ٧٨ - ٧٩ بتصرف يسير.
(٦) في ظلال القرآن، سيد قطب١/ ١٣٠ - ١٣١.
[ ١٢٥ ]
قال تعالى "لا إكراه في الدين " (١)، وهي تعطي لأبنائهما حرية الفكر والإبداع ولكن من بدل دينه وارتد على عقبيه أو من آمن بفكرة تناهض الأسلام، فلا يسمح له بالأزدواجية ولا يسمح له بالخروج، فأما أن يعود إلى أحضانها وحماها واما إنُ أصرّ على انحرافه فانه يقتل حدًا. يقول - ﷺ - «من بدل دينه فاقتلوه» (٢) ومن الطبيعي أن حد القتل يكون بعد المناقشة والمحاججة من قبل أفذاذ العلماء، وقد جاء من حديث حيدة بن معاوية عن ابيه قال: قال رسول الله - ﷺ - «أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها واكرمها على الله ﷿» (٣). وإنما حازت هذه الأمة هذا الفضل والسبق على بقية الامم اكرامًا لنبيها محمد - ﷺ -، وهل اعطي احد من الأنبياء وامة من الامم مثل ما اعطي هو وامته - ﷺ - (٤)؟.
وأتوج هذه التوطئة بكلمات لصاحب الظلال حيث يقول:-
«وهذا ما ينبغي ان تدركه الامة المسلمة لتعرف حقيقتها وقيمتها وتعرف انها اخرجت لتكون طليعة ولتكون لها القيادة بما انها خير امة. الله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الارض ومن ثم لا ينبغي لها ان تتلقى من غيرها من امم الجاهلية، انما ينبغي دائمًا ان تعطي هذه الامم مما لديها وان يكون لديها دائمًا ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح، والتصور الصحيح، والنظام الصحيح، والخلق الصحيح، والمعرفة الصحيحة، والعلم الصحيح. هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها، ويحتمه عليها غاية وجودها، واجبها ان تكون في الطليعة دائمًا وفي مركز القيادة دائمًا، ولهذا المركز تبعاته فهو لا يؤخذ أدعاء ولا يسلم لها به إلا ان تكون هي أهلًا له. . فهي خير امة اخرجت للناس لا عن مجاملة أو محاباة ولا عن مصادفة أو جزاف -تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا- وليس توزيع الاختصاصات والكرامات كما كان أهل الكتاب يقولون "نحن ابناء الله واحباؤه" (٥). كلا انما هو العمل الايجابي لحفظ البشرية من المنكر، واقامتها على المعروف مع الإيمان الذي يحدد المعروف والمنكر» (٦).
_________________
(١) سورة البقرة /٢٥٦.
(٢) صحيح، عن ابن عباس، انظر تحفة الاشراف ٥/ (٥٩٨٧)، والمسند الجامع ٩/ (٦٥٧٩).
(٣) اخرجه الترمذي في جامعة برقم (٣٠٠١)، وانظر تخريجه في المسند الجامع ١٥/ (١١٥٩٥).
(٤) انظر تفسير القرآن العظيم، ابن كثير ١/ ٣٦٩، وفتح الباري، ابن حجر ٨/ ٢٨٤.
(٥) المائدة /١٨.
(٦) في ظلال القرآن ١/ ٤٤٧.
[ ١٢٦ ]
وقد حضيت هذه الامة المحمدية بدعوة ابيها ابراهيم يوم ان قال: «ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم انك انت العزيز الحكيم» (١).
فاستجاب له الله ﷻ، وبعث فيهم محمدًا - ﷺ - رسولًا يتلو آيات ربه ليزكي هذه الامة: «كما ارسلنا فيكم رسولًا منكم يتلو عليكم آياتنا ويزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم مالم تكونوا تعلمون» (٢).
فقدم التزكية على التعليم لتبشيرهذه الأمة بأنها أشرف الأمم وهي مزكاة من قبل ربها ما دامت متمسكة بالعروة الوثقى.