أخرج البخاري بسنده عن جابر - ﵁ - مرفوعًا: «من قال حين يسمع النداء: اللهم
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (١١٨).
(٢) الحديث بطوله أخرجه البخاري في صحيحة، الصوم (١٨٩٤)، وانظر مظانه في المسند الجامع١٧/ (١٣٤٠٠)
(٣) انظر فتح الباري٤/ ١٣٠.
(٤) شرح مسلم٨/ ٣٠ - ٣١.
(٥) فتح الباري ٤/ ١٣٠.
(٦) البخاري، الصوم (١٨٩٦و٣٢٥٧)، انظر مظانه في المسند الجامع١٧/ (١٣٤٠٠و١٣٤٠١و١٣٤١٠و١٣٤١١و١٣٤١٢). (*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: الصواب أنه المطلب الرابع، وهذا خطأ مطبعي كما أفادنا بذلك المؤلف حفظه الله
[ ١٤٤ ]
رب هذه الدعوة التامة والصلاة القائمة آت محمدًا الوسيلة والفضيلة وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته، حلت له شفاعتي يوم القيامة» (١).
والمراد بالنداء: هو الإذان (٢)، فان من يدعو بدعاء الوسيلة هذا عقب الإذان فانه ستحل له شفاعة النبي محمد - ﷺ - وهذا الدعاء يكون "حين يسمع الإذان": وقد اختلف في وقت الدعاء، فقيل هو الدعاء اثناء الإذان، وقيل بعد تمام الإذان وهو الاظهر (٣).
ولما جاء في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵁ - عن النبي - ﷺ - انه قال: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ثم صلوا عليّ فان من صلّى عليَّ صلاة صلى الله عليه بها عشرًا ثم سلوا الله لي الوسيلة فانها منزلة في الجنة لا تنبغي الا لعبد من عباد الله وأرجو أن أكون أنا هو فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة» (٤). فإن الدعاء بالوسيلة جاء عقب إجابة المؤذن.
ومعنى "الدعوة التامة": هي دعوة التوحيد (٥)، قال تعالى "له دعوة الحق" (٦). وإنما سميت دعوة التوحيد "تامة" لان الشركة نقص، وقال إبن التين وصفت بالتامة لان فيها اتم القول وهو "لا اله الا الله". وقال الطيبي: من اوله الى قوله محمد رسول الله هي الدعوة التامة (٧).
وأما قوله "الصلاة القائمة": فان الطيبي قال" هي الحيعلة "حي على الصلاة، حي على الفلاح" (٨) والاظهر هو ان المراد بالصلاة القائمة: هي الصلاة المعهودة (٩). فكأن معنى الدعاء. اللهم رب دعوة التوحيد هذه، والصلاة التي تقام بعدها. فان الصلاة لا تقام الا بعد الإذان -والله اعلم-.
وأما الوسيلة: هي التوسل الى الشيء برغبة، وهي أخص من الفضيلة ولتضمنها معنى
_________________
(١) أنظر تخريجه برقم (٦٩).
(٢) انظر فتح الباري، إبن حجر ٢/ ١٢٠، وانظر بذل المجهود، السهارنفوري ٤/ ٩٤.
(٣) انظر شرح مسلم، النووي ٤/ ٨٧.
(٤) انظر تخريجه برقم (٧٠).
(٥) انظر فتح الباري ٢/ ١٢٠.
(٦) الرعد/١٤.
(٧) انظر فتح الباري ٢/ ١٢١،وانظر عون المعبود، العظيم ابادي ٢/ ٢٣٢.
(٨) مصدر سابق.
(٩) مصدر سابق.
[ ١٤٥ ]
الرغبة عديت بالى قال تعالى: "وابتغوا اليه الوسيلة" (١).
والمراد بها القربة، وهي منزلة عالية في الجنة (٢). لا تنبغي الا لعبد من عباد الله وأبو القاسم - ﷺ - صاحبها -إن شاء الله-.
والفضيلة: هي مرتبة زائدة على سائر الخلق وربما هي منزلة اخرى مضافة للوسيلة، او قد تكون تفسيرًا للوسيلة (٣).
وقوله "مقامًا محمودًا" -قد فصلت القول فيه في موضعه- وإنما نُكِّرَ لأنه أفخم واجزل فهو مقامًا محمودًا بكل لسان (٤).
وأما قوله "الذي وعدته" فهو وعد الله نبيه محمدًا - ﷺ - بقوله «عسى ان يبعثك ربك مقامًا محمودًا» (٥)، واطلق عليه الوعد لان عسى من الله واقع (٦). وقد زاد البيهقي في روايته «إنك لا تخلف الميعاد» (٧).
وهكذا نخلص ان من طلب هذه الدعوة من الله عقب كل إذان يسمعه فان شفاعة المصطفى - ﷺ - ستدركه وتحل له: اي استحقها او انزلت عليه (٨).
وهذه الشفاعة التي تدرك هذا المسلم عقب دعاءه قد تكون لرفع درجته او لتخفيف العذاب عنه او نوع اخر من الانواع الاخرى، فيعطى كل احد بما يناسبه (٩).
وإنما كان للآذان هذا المقام لان "الآذان كلمة جامعة لعقيدة الإيمان مشتملة على نوعيه من العقليات والسمعيات فأوله إثبات الذات وما يستحقه من الكمال والتنزيه عن اضدادها وذلك بقوله الله اكبر وهذه اللفظة مع اختصار لفظها دالة على ما ذكرناه ثم صرح باثبات الوحدانية ونفي صدها من الشركة المستحيلة في حقه ﷾ وهذه
_________________
(١) وانظر المفردات في غريب القرآن، الراغب الأصبهاني ٨٣١.
(٢) انظر نسيم الرياض، الخفاجي ٢/ ٣٦٦.
(٣) انظر فتح الباري، إبن حجر ٢/ ١٢١ وعون المعبود، العظيم ابادي ٢/ ٢٣٢.
(٤) انظر فتح الباري ٢/ ١٢١، وبذل المجهود، السهارنفوري ٤/ ٩٤.
(٥) الاسراء/٧٩.
(٦) انظر فتح الباري، ٢/ ١٢١.
(٧) انظر الحديث برقم (٦٩).
(٨) انظر شرح مسلم، النووي ٤/ ٨٦ - ٨٧.
(٩) انظر فتح الباري ٢/ ١٢٢.
[ ١٤٦ ]
عمدة الايمان والتوحيد المقدمة على كل وظائف الدين ثم صرح باثبات النبوة والشهادة بالرسالة لنبينا - ﷺ - وهي قاعدة عظيمة بعد الشهادة بالوحدانية وموضعها بعد التوحيد ثم دعا الى ما دعاهم اليه من العبادات فدعاهم الى الصلاة وعقبها بعد اثبات النبوة لان معرفة وجوبها من جهة النبي - ﷺ - لا من جهة العقل ثم دعا الى الفلاح وهو الفوز والبقاء في النعيم المقيم " (١).