وهي شفاعة ثابتة بالحديث الصحيح فقد جاء من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - " فما انتم بأشد لي مناشدة في الحق قد تبين لكم من المؤمن يومئذ للجبار فإذا رأوا انهم قد نجوا في إخوانهم يقولون: ربنا إخواننا الذين كانوا يصلّون معنا، ويصومون معنا، ويعملون معنا، فيقول الله تعالى: «اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال دينار من أيمان فأخرجوه ويحرم الله صورهم على النار فيأتونهم وبعضهم قد غاب في النار إلى قدمه والى انصاف ساقيه، فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: أذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال نصف دينار فأخرجوه فيخرجون من عرفوا، ثم يعودون فيقول: اذهبوا فمن وجدتم في قلبه مثقال ذرة من أيمان فأخرجوه، فيخرجون من عرفوا قال أبو سعيد: فإن لم تصدقوني فأقرؤوا "أن الله لا يظلم مثقال ذرة وان تك حسنة يضاعفها" (١) فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي » (٢) الحديث.
فالمؤمنون يشفعون لإخوانهم ممن سقط في جهنم فينا دون ربهم- سبحانه- ويطلبون شفاعةً في إخوانهم وأصحابهم فيشفعّهم الله تعالى فيهم.
وقوله لهم: أخرجوا من عرفتم المقصود منه الأذن في الإخراج وليس مباشرة الإخراج، لأن ذلك من وظيفة الملائكة، ويستفاد من القول هذا أن الشفاعة محددة، فالإخراج لمن عرفوا وليس لمن أرادوا، فقد تريد أن تخرج زيدًا من الناس ولكن الله قد شوه وجه بالنار -والعياذ بالله- فلا تستطيع أن تعرفه ومن أراد الله لهم النجاة والخروج أبق دارات وجوههم. حيث أخرج الإمام مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله - ﵁ - مرفوعًا «أن قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا دارات وجوههم حتى يدخلوا الجنة» (٣). والشافع هذا قد يشفع لواحد أو أكثر وقد يشفع للقبيلة فقد جاء في حديث ابن أبي الجدعاء «يدخل الجنة بشفاعة رجل من أمتي أكثر من بني تميم قيل" يا رسول الله سواك؟
_________________
(١) النساء/٤٠.
(٢) انظر تخريجه برقم (١٤).
(٣) اخرجه مسلم، الايمان، برقم (٣١٩).وانظر تخريجه كاملًا برقم (٦٠).
[ ١٠٧ ]
قال: سواي» (١).
ويشهد لهذا الحديث ما جاء عن أبي أمامة - ﵁ - أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول «ليدخلن الجنة بشفاعة رجل ليس بني مثل الحيين ربيعه ومضر إنما أقول ما أقول» (٢).
وهؤلاء الشفعاء قد يكونون من الصحابة أو من التابعين أو علماء المسلمين وصالحيها-والله اعلم-، لأن من له هذه المنزلة لابد أن يكون من تلك الطبقات رفيعة المقام.
يقول الإمام الرازي: «إنّ جمهور الصحابة، والتابعين، وسلف المؤمنين كلهم يكونون شفعاء في ذنوب المذنبين» (٣). ويقول العلامة المناوي: «والشفاعة درجات فكل صنف من الأنبياء والاولياء وأهل الدين كالعابدين، والورعين والزهاد والعلماء يأخذ حظه منها على حياله. لكن شفاعة محمد - ﷺ - لا تشبه شفاعة غيره » (٤).
وهذه الشفاعة أخروية من جهة الشافع والمشفوع له وهناك نوع آخر:-
فقد أخرج الإمام مسلم بسنده عن أم المؤمنين عائشة - ﵁ - عن النبي - ﵁ - أنه قال: «لا يموت أحد من المسلمين فيصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون أن يكونوا مائة فما فوقها فيشفعوا له ألا شفعوا فيه» (٥).
ومن حديث أبن عباس - ﵁ - مرفوعًا «ما من مسلم يموت فيقوم على جنازته اربعون رجلا لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه» (٦).
فهذه الشفاعة هي دنيوية من ناحية الشافع وأخروية من ناحية المشفوع لهم. ويشترط في الشفعاء أن يكونوا من أهل التوحيد.
وأما شرط عدد الشافعين في الأحاديث فقد جاء في رواية "مئة" وفي رواية"اربعون"
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (٨٥).
(٢) انظر تخريجه برقم (٨٤).
(٣) اسرار التنزيل وأنوار التأويل، الرازي ص١٠٦.وانظر بذل المجهود، السهارنفوري ١٤/ ١٣٧، والاساس السنة، سعيد الحوى٣/ ١٣٣٧.
(٤) فتح القدير٤/ ١٦٢، وانظر الحسنة والسيئة ابن تيمية١١٦، ولوامع الأنوار البهية، السفاريني ص٢١١.
(٥) انظر تخريجه برقم (٨٠).
(٦) انظر تخريجه برقم (٩١).
[ ١٠٨ ]
وفي رواية "ثلاثة صفوف" وفي رواية "أمّة". وقد سئل أبو المليح عن الأمة فقال: "اربعون" (١). ونقل النووي عن القاضي عياض-القول: «هذه الأحاديث خرجت أجوبة لسائلين سألوا عن ذلك. فأجاب كل واحد منهم عن سؤاله» (٢) وذكر الإمام النووي احتمالات فقال: «ويحتمل أن يكون قد أُخبر - ﷺ - بقبول شفاعة المئة ثم أُخبر عن الأربعين ثم عن ثلاثة صفوف وإن قلّ عددهم».
ويحتمل «أن يكون العدد غير معتبر على رأي جمهور الأصوليين فلا يلزم من الأخبار عن قبول شفاعة مئة منع قبول ما دون ذلك وكذا في الأربعين مع ثلاثة صفوف وحينئذٍ كلّ الأحاديث معمول بها ويحصل الشفاعة بأقل الأمرين من ثلاثة صفوف وأربعين» (٣).
ونقل المباركفوري- عن القاري أنّ «أقل الصفوف أثنان على الأصح» (٤)، والذي يبدو لي -والله أعلم- أنّ العبرة بالجمع من الناس لا بتحديد العدد. وأن يكون هؤلاء الجمع كلهم من أهل الأيمان ممن تقبل شفاعتهم، فهناك صنف من الناس لا تقبل شفاعتهم ولا شهادتهم عند الله كما ثبت ذلك بحديث أبي الدرداء - ﵁ - عن النبي - ﷺ - «لا يكون اللعانون شفعاء ولا شهداء يوم القيامة» (٥)، يقول الإمام النووي أي: «لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في إخوانهم الذين استوجبوا النار » (٦)، فلا تصح شفاعة هؤلاء اللاعنين لأولئك الميتين-والله أعلم-.