لقد جاءت بعض الألفاظ في الأحاديث النبوية تشعر بأن هناك شفاعة إلهية بل قد جاء لفظ صريح «.. فيشفع النبيون والملائكة والمؤمنون فيقول الجبار: بقيت شفاعتي فيقبض قبضة من النار فيخرج أقوامًا قد أمتحشوا فيلقون في نهر بأفواه الجنة » (٤).
وما أخرجه الأمام مسلم بسنده عن أنس بن مالك - ﵁ - مرفوعًا «يخرج من النار أربعة فيعرضون على الله فيلتفت أحدهم فيقول: أي رب إذ أخرجتني منها لا تعدني فيها فينجيه الله منها» (٥)، وما كان على هذا المنوال من الأحاديث
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (٩٦).
(٢) انظر التذكرة، القرطبي١٧٩ وتحفة الأحوذي، المباركفوري٤/ ١٨٨.
(٣) تحفة الأحوذي، المباركفوري٤/ ١٨٨،وانظر شرح مسند أبي حنيفة، ملا علي القاري ص٤٢٤.
(٤) انظر تخريجه برقم (١٤) واللفظ للبخاري (٧٤٣٩).
(٥) أخرجه مسلم في الايمان/ (٣٢١)، وأنظر مظانه في المسند الجامع ٣/ (١٦٦٥).
[ ١١٠ ]
الأخرى (١).
وكما هو معلوم من تعريف الشفاعة أنها: طلب الخير للغير، والتوسط بين أثنين فكيف نستطيع أن نخرج من هذا الإشكال؟.
أقول: الاختلاف في ألفاظ الحديث عند الرواة أمر وارد حتى بين الصحابة الكرام ﵃ فقد ينقل متن حديث يختلف عن غيره من وجه أو أكثر، و«قد يفوت بعضهم ما عند الآخر فإذا جمع ما عند الجميع وترك ما خالف فيه الثقة الثقات وما كان فيع علة تمنع الأخذ به استقام الأمر ويبقى القرآن هو الأصل والسنة شارحة له » (٢). لذا فما دام قد وردت ألفاظ أخرى للحديث وهي صحيحة كالرواية التي أخرجها الإمام مسلم « شفعت الملائكة وشفع النبيون، وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قومًا لم يعملوا خير قط » (٣)، فلفظة الرحمة هي أقرب إلى معنى العفو الإلهي.
وعلى فرض صحة تلك اللفظة فيمكن حملها على أنها من قبيل المجانسة أو من قبيل « .أعوذ بك منك .» (٤). فكأن المعنى يصبح: أن الله يتشفع برحمته من عذابه فان قيل: فما الفرق أذن بين الرحمة في المغفرة والرحمة في الشفاعة؟ قلنا الرحمة قبل الحساب مغفرة وبعد الحساب شفاعة-والله أعلم-.
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (٦٧).
(٢) الاساس في السنة، قسم العقائد، سعيد حوى٣/ ١٢٩٩.
(٣) انظر تخريجه برقم (١٤).
(٤) طرف من حديث عائشة ﵂، أخرجه مسلم، في الصلاة (٢٢٢).
[ ١١١ ]