أخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إذا كان يوم القيامة دفع الله ﷿ إلى كل مسلم يهوديًا أو نصرانيًا فيقول: هذا فكاكك من النار» (٢)، وفي رواية: «لا يموت رجل مسلم إلا ادخل الله مكانه النار يهوديًا أو نصرانيًا» (٣)، وفي رواية اخرى: «يجيء ناس من أمتي بذنوب أمثال الجبال فيغفرها الله لهم ويضعها على اليهود والنصارى» (٤).
فالحديث يخبرنا ان اليهودي أو النصراني، يكون فداء "للمسلم "المحمدي"الذي ينتمي إلى "أمة محمد".
يقول الإمام البيهقي: «ويحتمل ان يكون الفداء في قوم كانت ذنوبهم كفرت عنهم في حياتهم، وحديث الشفاعة في قوم لم تكفر ذنوبهم، ويحتمل ان يكون هذا القول لهم في الفداء بعد خروجهم من النار بالشفاعة » (٥).
وأما الإمام النووي فقال: أن معنى الحديث «بمعنى ما جاء في حديث أبي هريرة لكل احد منزل في الجنة ومنزل في النار، فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره، ومعنى فكاكك من النار: انك كنت معرضًا لدخول النار وهذا فكاكك، لان الله تعالى قدر لها عددًا يملؤها فإذا دخلها الكفار بكفرهم وذنوبهم صاروا في معنى الفكاك للمسلمين» (٦).
وقال الإمام النووي في رواية "ويضعها على اليهود والنصارى":- «فمعناه: ان الله تعالى يغفر تلك الذنوب للمسلمين ويسقطها عنهم ويضع على اليهود والنصارى مثلها بكفرهم، وذنوبهم فيدخلهم النار بأعمالهم لا بذنوب المسلمين، ولا بد من هذا التاويل لقوله تعالى "ولا تزر وزر اخرى" وقوله "ويضعها" مجاز، والمراد: يضع عليهم مثلها بذنوبهم كما ذكرناه، ولكن لمّا اسقط ﷾ عن المسلمين سيئاتهم وابقى على
_________________
(١) انظر الاسلام، ١/ ٧٩ - ٩١.
(٢) انظر تخريجه برقم (١١٣).
(٣) مصدر سابق.
(٤) مصدر سابق.
(٥) نقله عنه إبن حجر في فتح الباري١١/ ٤٨٥، ولم اقف على مكانه.
(٦) شرح مسلم ١٧/ ٨٥.
[ ١٣٣ ]
الكفار سيئاتهم صاروا في معنى من حمل أثم الفريقين لكونهم حملوا الاثم الباقي وهو أثمهم» (١).
ووجه الحافظ إبن حجر الحديث بقوله: «ويحتمل ان المراد آثامًا كانت الكفار سببًا فيها بان سنوها فلما غفرت سيئات المؤمنين بقيت سيئات الذي سن تلك السنة السيئة باقية لكون الكافر لا يغفر له فيكون الوضع كفاية عن ابقاء الذنب الذي لحق الكافر بما سنه من عمل السيء، ووضعه عن المؤمن الذي فعله بما منّ الله به عليه من العفو والشفاعة سواء كان ذلك قبل دخول النار أو بعد دخولها والخروج منها بالشفاعة، وهذا الثاني اقوى والله اعلم» (٢).
ومن خلال توجيه الحافظ العسقلاني للحديث لا نرى تعارضًا بين الحديث وبين قوله تعالى «ولا تزر وازرة وزر اخرى» (٣).
فالإنسان يوم القيامة قد يحمل آثامه وآثام غيره، يقول تعالى: «وليحملنّ اثقالهم واثقالًا مع اثقالهم » (٤)، ويقول: «ليحملوا اوزارهم كاملة يوم القيامة، ومن اوزر الذين يضلونهم بغير علم (٥) " يقول إبن كثير:"إنّ الدعاة عليهم إثم ضلاتهم في انفسهم وإثم آخر بسبب ما اضلوا مَنْ اضلوا من غير ان ينقص من اوزار اولئك ولا يحمل عنهم شيئًا وهذا من عدل الله ورحمته بعباده» (٦).
فلما كان اليهود والنصارى هم دعاة الضلالة ودعاة الفساد فانهم يحملون إثمين: إثم فسادهم، وإثم إفسادهم والأمة المحمدية أمة مرحومة فإنها أما قد غفر لها في الدنيا بالفتن والزلازل والقتل، وأما أن تدخل الجنة بالشفاعة.
نص آخر:-
جاء في حديث أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ -، انه قال:-
«أتاني جبريل فبشرني انه من مات من امتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة فقلت (٧): وان زنى وان سرق؟ فقال: وان زنى وان سرق» (٨).
_________________
(١) شرح مسلم ١٧/ ٨٥.
(٢) فتح الباري ١١/ ٤٨٥.
(٣) الأسراء / ١٥.
(٤) العنكبوت/١٣.
(٥) النحل /٢٥.
(٦) تفسير القرآن العظيم ٣/ ٢٨.
(٧) القائل هو أبو ذر.
(٨) انظر تخريجه برقم (١٠٦).
[ ١٣٤ ]
لقد مر معنا شرح الحديث في "شفاعة كلمة التوحيد" (١)، ولا فائدة في تكرار الكلام ولكني أردت أن أبين معنى "من امتك"، هذه خصوصية لامة محمد ﷺ عامة، ويشمل أمة الاجابة، وامة الدعوى، نص على ذلك الإمام إبن حجر والإمام العيني:
يقول إبن حجر: «ويعني أمة الاجابة ويحتمل ان يكون اعم من ذلك، أي أمة الدعوة وهو متوجه» (٢).
وأما الاقتصار على الزنا، والسرقة ففيه حكمة.
«وهي الاشارة إلى جنس حق الله تعالى وحق العباد. وقد يتخذه بعض الجهلة ومرضى القلوب مسوغًا إلى الاقدام إلى الموبقات، وليس هو على ظاهره فان القواعد استقرت على ان حقوق الآخرين لا تسقط بمجرد الموت على الإيمان ولكن لا يلزم من عدم سقوطهما ان لا يتكفل الله بها عمن يريد الله ان يدخله الجنة» (٣).
وكأنني بأبي ذَّر قد استحضر قوله - ﷺ -: «لا يزن الزاني حين يزني وهو مؤمن»؟! لأن ظاهر الحديث يعارض حديثنا هذا فكيف الجمع؟
يقول الحافظ إبن حجر:- «الجمع بينهما على قواعد أهل السنة بحمل هذا على الإيمان الكامل، ويحمل حديث الباب على عدم التخليد» (٤).
نص آخر:-
جاء في الحديث عن أبي موسى الاشعري - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن أمتي أمة مرحومة ليس عليها في الآخرة عذاب انما عذابها في الدنيا القتل والبلابل والزلازل» (٥).
إن هذه الأمة المحمدية اكرمها الله-تعالى- بان جعل ما تلاقيه من عذاب في الدنيا من نصب وحزن فانه يغفر لها من ذنوبها.
إنّ من كان من أمة محمد - ﷺ - فانه لا يزال بالمصائب الدنيوية تنزل عليه حتى تتركه ولا ذنب عليه بل ان الشوك ليشاك بها الرجل فتكفر عنه من سيئاته، والحدود الدنيوية من
_________________
(١) انظر ص٨٨ مما سبق.
(٢) فتح الباري ٣/ ١٤٣ بتصرف يسير، وانظر عمدة القاري، العيني٨/ ٤.
(٣) فتح الباري ٣/ ١٤٤، وانظر عمدة القاري ٨/ ٥.
(٤) فتح الباري، سبق وانظر شرح مسلم النووي ٢/ ٩٧.
(٥) انظر تخريجه برقم (١١٤)، وانظر شرح مسند أبي حنيفة، ملا علي القاري ص ٢٨٠.
[ ١٣٥ ]
رجم الزاني المحصن، وجلد شارب الخمر، وغيرها إذا كان صاحبها غير محلل لها وكان لا يزال مرتبطا بالامة المحمدية فانه تكفر عنه الذنوب والخطايا.
جاء في الحديث الذي أخرجه البخاري بسنده عن عباده بن الصامت - ﵁ - ان الرسول - ﷺ - قال: «بايعوني على ان لاتشركوا بالله شيئًا ولاتسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولاتأتوا ببهتان تفترونه بين أيدكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف فمن وفي منكم فاجره على الله، ومن اصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له، ومن اصاب من ذلك شيئًا ثم ستره الله فهو إلى الله: "إن شاء عفا عنه وان شاء عاقبه" فبايعناه على ذلك» (١).وقد تكون العقوبة في قوله "فعوقب عليه" اعم من ان تكون حدًا أو تعزيرًا. (٢)
ولعل قائل يقول: إن قتل القاتل إنما هو رادع لغيره واما في الآخرة فالطلب للمقتول قائم لانه لم يأخذ حقه؟. (٣)
فاقول: بل وصل الحق اليه، فان المقتول ظلمًا تكفر عنه ذنوبه بالقتل كما ورد في الخبر الذي صححه إبن حبان وغيره "ان السيف محاء للخطايا" (٤).
واما الاثار في البلايا والثواب عليها فهي كثيرة:-
فعن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال «ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله -تعالى- وما عليه خطيئه» (٥)، وعنه أيضًا مرفوعًا «من يرد الله به خيرًا يصب منه» (٦)، و«قاربوا وسددوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة والشوكة يشاكها» (٧). وغيرها من الأحاديث وقد يكون المراد من "الزلازل" الزلازل الحقيقية «وهو اهتزاز الارض ومعنى آخر اعم هو الشدائد» (٨).
_________________
(١) أخرجه البخاري، الإيمان، (١٨)، وانظر المسند الجامع ٨/ (٥٦٠٠.)
(٢) انظر فتح الباري، إبن حجر ١/ ٩٢.
(٣) انظر فتح الباري ١/ ٩٣.
(٤) الحديث. أخرجه إبن حبان (٤٦٦٣) وانظر فتح الباري، سبق، وكفارات الخطايا وموجبات المغفرة، تاليف حامد ابراهيم ومجمد العقبي٣٦.
(٥) أخرجه أحمد وغيره انظر المسند الجامع ١٨/ (١٤٩٧١)، وانظر كفارات الخطايا/٣٥.
(٦) أخرجه البخاري وغيره، انظر المسند الجامع ١٨/ (١٤٩٦٨).
(٧) مسلم، البر والصلة (٥٢). وانظر المسند الجامع ٣/ (١٦٤٧).
(٨) انظر مختار الصحاح، الرازي ٢٧٤.
[ ١٣٦ ]
فالشدائد التي حلت بالامة المحمدية منذ عهد النبوة وحتى اليوم كفيلة بان تفهم معنى الحديث فمعركة احد، وحنين، والفتن العظمى كمقتل عمر أو عثمان أو علي -﵃ اجمعين- أو فتنة الجمل أو فتنة صفين أو وقعة الحرة أو كربلاء، أو سقوط الخلافة الاسلامية أو سقوط بيت المقدس بيد الصليبين ثم الصهاينة، وما تلاقيه الأمة الاسلامية في كل انحاء الارض حتى ما بقي في جسد الأمة الاسلامية موضوع إلا وهو ينزف من طعنة غادرة أو مؤامرة دنيئة -كلها- امثلة على الفتن والقتل والزلازل.
وعن علي - ﵁ - قال: «ألا أخبركم بافضل (١) اية في كتاب الله ﷿ وحدثنا به رسول الله - ﷺ - قال:"ما اصابكم من مصيبة فبما كسبت ايديكم ويعفو عن كثير" (٢) وسافسرها لك يا علي: ما اصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبما كسبت أيديكم -والله تعالى- احلم من ان يثني عليه العقوبة في الآخرة وما عفا الله عنه في الدنيا فالله تعالى اكرم من ان يعود بعد عفوه» (٣)
وأخرج إبن كثير في تفسيره من طرق عدة عن أبي بكر الصديق - ﵁ - انه قال: «كيف الفلاح بعد هذه الآية:"ليس بامانيكم ولا اماني أهل الكتاب من يعمل سوءًا يجزيه" (٤) فكل سوء عملناه جزينا به فقال النبي - ﷺ - «غفر الله لك يا ابا بكر الست تمرض، الست تنصب، الست تحزن الست تصيبك اللاواء؟ قال بلى. قال فهو مما تجزون به» (٥).
وعنه - ﵁ - مرفوعًا «من يعمل سوءًا يجز به في الدنيا» (٦).وعن أم المؤمنين عائشة﵂- عن النبي - ﷺ - قال: «إذا كثرت ذنوب العبد ولم يكن له ما يكفرها ابتلاه الله تعالى بالحزن ليكفرها» (٧).
_________________
(١) هذه اللفظة من تصرف الراوي-والله اعلم-.
(٢) الشورى / ٣٠.
(٣) الحديث له طرق بعضها مرفوعة وعلتها على مدارها"أبي سخيلة":مجهول انظر التقريب ٨١١٥ والخلاصة، الخزرجي ص٤٥٠ وأخرجه أحمد في المسند ١/ ٨٥ والموقوف اصح -والله اعلم-. وانظر تفسير القرآن العظيم، إبن كثير٤/ ١١٨.
(٤) النساء/١٢٣.
(٥) طرق الحديث كلها ضعيفة، قد يقوي بعضها البعض، أخرجه أحمد في المسند. انظر المسند الجامع٩/ (٧١٣٨) وانظر تفسير القرأن العظيم ١/ ٥٢٨.
(٦) صحيح أخرجه أحمد في المسند ١/ ٦، والبزار٢١ والطبري في تفسيره٥/ ٢٩٤.
(٧) أخرجه أحمد في المسند٦/ ١٥٧، وانظر التفسير القرأن العظيم ٤/ ١١٨.
[ ١٣٧ ]