جاء في الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ -: «من صبر على لأواء المدينة وشدتها كنت له شهيدًا أو شفيعًا يوم القيامة» (٨).
وقصة هذا الحديث: لما هاجر الصحابة الكرام إلى المدينة وتركوا الديار والاهل والوطن والاموال كل ذلك كان من الشدة بمكان، فقد نزلوا غرباء في بلدة جديدة، جديدة بكل المعاني وان كان الانصار وقفوا معهم موقفًا عظيمًا يفتخر التاريخ به مدى الزمان ولكن:
هم غرباء غرباء عن أرض -يثرب- بل غرباء حتى مناخها .. فمناخها يختلف عن مناخ مكة أيما اختلاف .. ولكي يكتمل الابتلاء والتمحيص: وافق إبان هجرتهم وباء
_________________
(١) انظر مختصر منهاج القاصرين، المقدسي ص٢٥٨.
(٢) العنكبوت/ ١ - ٢.
(٣) أخرج أحمد ١/ ١٧٢و١٧٤ وغيره عن سعد بن أبي وقاص، وانظر تخريجه في المسند الجامع٦/ (٤١٦٠).
(٤) انظر مختصر منهاج القاصدين ص٢٥٦.
(٥) السجدة/ ٤٨.
(٦) النحل/٩٦.
(٧) الزمر/١٠.
(٨) انظر تخريجه برقم (١٣٦)، وانظر نسيم الرياض، الخفاجي٢/ ٢٠٧.
[ ١٥٤ ]
نزل بالمدينة (حُمى) الملاريا فلم تمض ايام حتى مرض بها بعض الصحابة، كأبي بكر وبلال فأستوخم الصحابة -﵃- جو المهجر الذي آواهم. ثم أخذت تستيقظ غرائز الحنين إلى الوطن المفقود حتى قال سيدنا بلال - ﵁ -:-
الا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل؟
وهل اردنْ يومًا مياه مجنه وهل يبدْوَنْ لى شامة وطفيل؟ (١)
فكان النبي - ﷺ - يصبرهم على احتمال الشدائد ويطالبهم بالمزيد من الجهد والتضحية لنصرة الإسلام فقال: «لا يصبر على لاواء المدينة وشدتها احد من امتي إلا كنت شفيعًا يوم القيامة، ولا يدعها احد رغبة عنها إلا ابدل الله من هو خير منه» (٢).
يقول الشيخ محمد الغزالي: «وهذا ضرب من جمع القلوب على المهجر الجديد حتى تطيب به وتنفر عن مغادرته» (٣) وهذا لا يعني ان الدعاء لمن صبر على جهد المدينة مقصور على تلك الفترة الزمنية لا بل هو مستمر إلى يوم القيامة فقد جاءت مولاة لعبد الله بن عمر - ﵁ - تستإذنه بالخروج من المدينة لشدة الحال في المدينة فقال لها عبد الله: «اقعدي لكاع (٤)، فاني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: لايصبر على لاوائها وشدتها احد إلا كنت له شفيعًا أو شهيدًا يوم القيامة» (٥) وقد جاء أبو سعيد المهري (٦) يستإذن على أبي سعيد الخدري - ﵁ - ايام الحرة (٧) واستباحة المدينة وشكا اليه اسعارها، وكثرة عياله واخبره انه لا طاقة له على جهدها، فقال أبو سعيد: «ويحك لا امرك بذلك فاني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول «لايصبر احد على جهد المدينة ولاوائها إلا كنت له شفيعًا أو
_________________
(١) طرف من حديث أخرجه البخاري في صحيحه (١٨٨٩) وله اطرف انظرها هناك وانظر فقه السيرة، محمد الغزالي ص١٨٤.
(٢) انظر تخريجه برقم (١٣٨). واللفظ هنا لأحمد.
(٣) فقه السيرة ص١٨٤.
(٤) تطلق على اللئيم وعلى الغبي وعلى العبد الذي لا يهتدي لكلام غيره وعلى الصغير، أنظر شرح مسلم، النووي٩/ ١٥١.
(٥) انظر تخريجه برقم (١٣٥).
(٦) قال إبن حجر في التقريب ٨١٣٣:"مقبول"، وجاء في التحرير٤/ ٢٠٤ "بل ثقة".
(٧) وهي الايام التي استباح فيها يزيد بن معاوية المدينة عام ٦٣هـ.
[ ١٥٥ ]
شهيدًا يوم القيامة إذا كان مسلمًا» (١).
وهكذا نجد حرص الصحابة الكرام على المكوث في المدينة وعلى الصبر على لأوائها وشدتها وقد اوصى النبي - ﷺ - امته انه من استطاع منهم ان يمت بالمدينة فليمت بها. يقول - ﷺ - «من استطاع منكم ان يمت بالمدينة فليمت فاني اشفع لمن يموت بها» (٢).
وقد نتسائل ونقول: لمإذا يولي النبي - ﷺ - المدينة هذه المنزلة العظيمة:؟ قد نصيب إذا قلنا انه -﵊- اراد ان يرغب المهاجرين في سكناها وهناك بعض الوجوه لهذا:
الوجه الأول: هو محبة النبي - ﷺ - للمدينة وحنينه اليها لذا فانه عاد اليها بعد فتح مكة ومات بها ودفن بها -صلوات الله وسلامة عليه-.
الوجه الثاني: محبة النبي - ﷺ - لاهلها "الانصار" حيث يقول: «لولا الهجرة لكنت امرءً من الانصار» (٣) ويقول: «لو سلك الناس واديًا أو شعبًا وسلكت الانصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الانصار وشعبهم» (٤).
الوجه الثالث: هذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالين في القيمة وعلى شهادته على جميع الامم وقد قال - ﷺ - في شهداء احد: «انا شهيد على هؤلاء فيكون لتخصيصهم بهذا كله مزيدًا أو زيادة منزلة وحظوة» (٥).
وقول النبي - ﷺ - أو هل هي للتقسيم ام للشك؟ فإذا قلنا انها للشك -جدلًا- فمن الذي شك؟ النبي - ﷺ - أم الرواة؟ أما القول أنه من النبي - ﷺ - باطل إتفاقًا لأنه «وما ينطق عن الهوى» (٦).
وأما القول أنه من الراوي فهو باطل أيضًا لانه -اللفظ- جاء من عدة طرق عن عدة
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (١٣٧).
(٢) انظر تخريجه برقم (١٤٠).
(٣) الحديث صحيح، جاء عن عدة صحابة، انظر مثلًا-المسند الجامع٢/ (١٥٠٧).
(٤) متفق عليه، انظر مظانة في المسند الجامع١/ (٦٣٦و٦٣٧و٦٣٨و٦٣٩و٦٤٠) كلها عن انس بن مالك ﵁.
(٥) شرح مسلم، النووي ٩/ ١٣٧ وانظر تحفة الاحوذي، المباركفوري ١٠/ ٤١٨.
(٦) النجم/٣.
[ ١٥٦ ]
صحابة فينتفي وجه الشك (١) -والله اعلم-.
ثم أن نقلة الحديث أمناء -في الأعم الاغلب- في نقل الحديث ولو كان شكًا منهم أو من احدهم لصرحوا بذلك.
فإذا كانت أو للتقسيم فيكون معنى الحديث: أكون شهيدًا لبعضهم، وشفيعًا لبقيتهم أو شفيعًا للمذنبين العاصين فيكون اخراجٌ من النار أو شهيدًا للمطيعين برفع الدرجات وغيرها (٢).
وإن كانت بمعنى (الواو) فيصبح المعنى: أكون شهيدًا وشفيعًا لهم يوم القيامة، ويؤيده ما جاء في لفظة اخرى «إلا كنت له شهيدًا أو له شفيعًا» (٣). وعلى كل حال فإننا نخلص إن هذه الشفاعة أخرى غير الشفاعة العامة لأمته وهي اخراجهم من النار ومعافاة بعضهم وتكون هذه الشفاعة لاهل المدينة المنورة خاصة «بزيادة الدرجات أو تخفيف الحساب او بما شاء الله من ذلك أو باكرامهم يوم القيامة بانواع الكرامة كايوائهم إلى ظل العرش أو كونهم في روح وعلى منابر أو الاسراع بهم إلى الجنة أو غير ذلك من خصوص الكرامات الواردة لبعضهم دون بعض» (٤).وقد ذكر إبن حجر العسقلاني: احتمال ان يكون لأهل المدينة شفاعة خاصة وهي أن يدخل الجنة منهم سبعون ألفًا بغير حساب، اعتمادًا على حديث أم قيس بنت محصن وقد ذكرناه سلفًا (٥).