صح من حديث غير واحد من الصحابة كالعباس وإبن عباس وأبي سعيد، - ﵁ - عن النبي - ﷺ - في شفاعته لعمه أبي طالب.
فعن العباس بن عبد المطلب - ﵁ - أنه قال: «يا رسول الله هل نفعت أبا طالب بشيء فانه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال: نعم هو في ضحضاح من نار، ولولا انا لكان في الدرك الاسفل من النار» (٥).
وعن إبن عباس - ﵁ - مرفوعًا «اهون أهل النار عذابا أبو طالب وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه» (٦).
فهذه الأحاديث تجزم بشفاعة النبي - ﷺ - لعمه يوم القيامة ولكن لي هنا وقفات:-
الوقفة الأولى:- أمات أبو طالب مشركًا أم مسلمًا؟؟ ان اجماع أهل السنة منعقد على كفره -حسب علمي- ولم ار نصًا لعالمٍ معتدٍ به يخالف ذاك سوى بعض الروافض
_________________
(١) فتح الباري١١/ ٥٢٣، وانظر شرح مسلم، النووي ٣/ ٣٦،ولم يصرح به النووي في هذا الموضع.
(٢) سبق.
(٣) انظر ص٥٥ مما سبق.
(٤) انظر تخرجه في المسند الجامع ٣/ (١٦٢٦)، وانظر شرح سنن أبي داود، إبن قيم الجوزية الذي هو بهامش عون المعبود ١٣/ ٧٨.
(٥) انظر تخريجه برقم (٥٦). وانظر شرح سنن أبي داود، إبن قيم الجوزية، بهامش عون المعبود١٣/ ٧٧
(٦) انظر تخريجه برقم (٥٤).
[ ١٠٠ ]
الذين استدلوا باحاديث (١) بين إبن حجر بطلانها وفسادها، لمخالفتها النصوص الصحيحة الصريحة بكفره.
وقد ثبت في الصحيحين ان قوله تعالى «انك لا تهدي من احببت » نزل في أبي طالب، فعن إبن المسيب عن أبيه - ﵁ -: «ان ابا طالب لما حضرته الوفاة دخل النبي - ﷺ - وعنده أبو جهل فقال: أي عم قل: لا اله إلا الله كلمة احاج لك بها عند الله فقال أبو جهل وعبد الله بن امية: يا ابا طالب ترغب عن ملة عبد المطلب؟ فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به: على ملة عبد المطلب. فقال النبي - ﷺ -: "لاستغفرن لك ما لم أنْهَ عنه. فنزلت "ما كان للنبي والذين آمنوا ان يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم انهم أصحاب الجحيم" (٢). ونزلت: "انك لا تهدي من احببت" (٣» (٤).
قال الحافظ بن حجر:- «وقفت على جزء جمعه بعض أهل الرفض اكثروا فيه من الاحاديث الواهية الدالة على اسلام أبي طالب ولا يثبت من ذلك شيء» (٥).
ورب معترض بحديث إبن اسحق الذي أخرجه بسنده عن إبن عباس - ﵁ -: «أن ابا طالب لما تقارب منه الموت بعد ان عرض عليه النبي - ﷺ - ان يقول لا اله إلا الله فابى قال فنظر العباس اليه وهو يحرك شفتيه فاصغى اليه فقال: يا إبن اخي والله لقد قال أخي الكلمة التي امرته ان يقولها» (٦).
فأقول: إن في سنده لم يسم، ولو صح الحديث سندًا لعأرضه حديث المسيب هذا وهو اصح منه فضلًا عن ضعفه. (٧)
ثم ان العباس - ﵁ - كان وقتها مشركًا، وشهادة المشرك مردودة، وأسأل وأقول: مثل
_________________
(١) سياتي ذكرها لاحقا.
(٢) التوبة /١١٣.
(٣) القصص/٥٦.
(٤) اخرجه الشيخان، انظر مضانه في المسند الجامع ١٥/ (١١٤٣٢)،وانظر تفسير القرآن العظيم، إبن كثير٣/ ٣٨٠.
(٥) فتح الباري٧/ ٢٤٧ وانظر الاصابة في تمييز الصحابة، إبن حجر ٧/ ١١٣ - ١١٦وفيه مناقشة الروافض وبيان بطلان رأيهم بتوسع.
(٦) وانظر شرح مسلم، النووي١/ ٢١٤.
(٧) انظر شرح مسلم، النووي ١/ ٢١٤.
[ ١٠١ ]
أبي طالب من المنزلة والمكانة في قريش لا يشيع اسلامه آنذاك، حتى لا يثبت ذلك؟!!.
اضف إلى ما مر فانه قد ثبت في الحديث الصحيح عن علي - ﵁ -:- «لما توفي أبو طالب اتيت النبي - ﷺ - فقلت: ان عمك الشيخ (الضال) قد مات » (١).
فهو دليل قوي على أنه مات على كفره وإلا فكيف يصفه (الضال)؟!.
الوقفة الثانية:- مع قوله "لما حضرته الوفاة" هل يعني ذلك في اثناء الغرغرة؟ ذهب اكثر أهل العلم (٢) إلى ان المراد: قربت وفاته وحضرت دلائلها وذلك قبل المعاينة والنزع ولو كان في حال المعاينة -معاينة الموت- لما نفعه الايمان لقوله تعالى: «وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر احدهم الموت قال: اني تبت الان ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابًا أليما» " (٣).
ومما يدل على أنه قبل الغرغرة محاورة أبي طالب للنبي - ﷺ - وللمشركين من حوله (٤). وقد تكون تلك من خصوصيات النبي - ﷺ - «ويؤيد الخصوصية انه بعد ان امتنع من الاقرار بالتوحيد وقال: على ملة عبد المطلب ومات على ذلك: ان النبي - ﷺ - لم يترك الشفاعة له بل شفع له حتى خفف عنه العذاب بالنسبة لغيره وكان ذلك من الخصائص في حقه» (٥).
وكما هو ثابت فانه لو قالها قبل الغرغرة لثبت إيمانه، كما ثبت ذلك في حديث الغلام اليهودي، فانه لما قالها قبل الغرغرة وجبت له الجنة، فقد جاء عن أنس بن مالك - ﵁ - قال:- «كان غلام يهودي يخدم النبي - ﷺ - فمرض فآتاه النبي - ﷺ - يعوده فقعد عند رأسه، فقال له: اسلم فنظر إلى أبيه وهو عنده فقال له: اطع ابا القاسم - ﷺ - فأسلم، فخرج النبي - ﷺ - وهو يقول: الحمد لله الذي انقذه من النار» (٦).
وأما في أثناء الغرغرة فلا ينفع نفسٌ ايمانها كما نصت عليه الآية «وليست التوبة » (٧).
_________________
(١) اخرجه أحمد١/ ١٢٩ و١٣٠، وانظر المسند الجامع ١٣/ (١٠٠٧٧)، واحكام الجنائز، الالباني ص١٣٤
(٢) انظر شرح مسلم ١/ ٢١٤ وفتح الباري، إبن حجر ٨/ ٦٥٠
(٣) النساء/١٨.
(٤) انظر شرح مسلم ١/ ٢١٤، ٧/ ٢٤٧وعمدة القاري، العيني٨/ ١٨٠
(٥) فتح الباري٨/ ٦٥٠وانظر عمدة القاريء، العيني٨/ ١٨٢.
(٦) انظر تخريجه برقم (١٠٩).
(٧) النساء /١٨.
[ ١٠٢ ]
وللحديث «إن الله تعالى يقبل توبة العبد ما لم يغرغر» (١).
وأما ما حصل لأبي طالب فإنها خصوصية ورجا النبي - ﷺ - أنه إذا اقر الشهادتين ولو كان في تلك الحالة انه ينفعه بخصوصه وتسوغ شفاعته له لمكانة أبي طالب عنده ولهذا قال «أجادل لك بها واشفع لك» (٢).
الوقفة الثالثة:- قد يعترض بامتناع نفع الشفاعة لمن مات كافرًا بقوله تعالى: «فما تنفعهم شفاعة الشافعين» (٣)، فما وجه النفع بقوله "لعله تنفعه شفاعتي"؟ أجاب الإمام القرطبي: «إن شفاعته - ﷺ - لعمه لا تنفع في الخروج من النار كعصاة الموحدين الذين يخرجون منها ويدخلون الجنة» (٤).
أي أن الآية تعني المنفعة المراد منها الاخراج من النار، بمعنى: فما تنفعهم شفاعة الشافعين في ان يخرجوا من جهنم. واما الحديث فمضمونه يختلف، فانه يعني شفاعة التخفيف لا الاخراج. (٥)
وأجاب إبن حجر: «بانه خص ولذلك عدوه من خصائص النبي - ﷺ -» (٦)، وقول الحافظ هذا هو الأولى -والله اعلم-.