ثبت بالمتواتر من الحديث عن النبي - ﷺ - شفاعته لأهل الموقف (٢). فقد جاءت عن اثني عشر صحابيًا بألفاظ متقاربة، وان إجماع أهل الحق معقود على شفاعة رسول الله - ﷺ - (٣).
وان أصرح الاحاديث الصحيحة التي تقرر شفاعته - ﷺ - بفصل القضاء هو ما اخرجه البخاري بسنده عن عبد الله إبن عمر - ﵁ -: «أن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الاذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضي بين الخلق فيمشي حتى يأخذ بحلقة الباب فيومئذٍ يبعثه الله مقامًا محمودًا يحمده أهل الجمع كلهم» (٤).
فهذا الحديث يثبت شفاعة الفصل بين العباد كغيره من الاحاديث الاخرى (٥) وهذه الشفاعة تكون بعد سجود النبي - ﷺ - لربه ليفصل في القضاء ولم أجد -في حدود اطلاعي- حديثًا واحدًا صحيحًا في أن النبي - ﷺ - بعد أن يخر ساجدًا ويقول يا رب امتي .. امتي .. أو ربي شفعني في امتي أو وعدك الذي وعدت "مثلًا" ولم اجد حديثًا: فيقول له الله جل
_________________
(١) الاساس في السنة، قسم العقائد ٣/ ١٣٠١.
(٢) أنظر لقط الآلي الزبيدي ٧٥/ ٧٨، ونظم المتناثر الكتاني ٢٤٥، وعون المعبود، العظيم ابادي ١٣/ ٧٢.
(٣) انظر شرح الفقة الاكبر لأبي حنيفة، بشرح السمرقندي ٩٠، والارشاد، الجويني ٣٩٣ - ٣٩٤، والحسنة السيئة، إبن تيمية ص١١٠، وفتح الباري، إبن حجر ١/ ٥٧٧، وجلاء العينين، إبن الآلوسي ص ٤٤٤.
(٤) انظر تخريجه برقم (٢١).
(٥) انظر الاحاديث برقم (١٠ - ١٢).
[ ٧٥ ]
جلاله سأفصل بين العباد أو سآتي لأقضي بينهم أو غيرها من الألفاظ بل على العكس فان جمهرة الأحاديث فيها أنه بعد سجوده لله ليفصل بين العباد يقال له: «قلْ يسمع لك، واشفعْ تشّفعْ. فارفع رأسي فأحمد ربي بتحميدٍ يعلمني ثم اشفع فيحد لي حدًا ثم اخرجهم من النار وأدخلهم الجنة » (١)، أو ما جاء في حديث أبي هريرة - ﵁ - مرفوعًا: «أتي رسول الله - ﷺ - بلحم فدفع إليه منها الذراع والحديث طويل وفيه «يا محمد ارفع راسك سل تعطه، اشفعْ تشفَعْ فاقول يا رب امتي .. امتي فيقال: ادخل من امتك من لا حساب عليه من الباب الايمن من أبوب الجنة » (٢) الحديث وغيرها من الأحاديث الأخرى.
فلم يرد حديث صحيح يبين أن النبي - ﷺ - بعد السجود يشفع لفصل القضاء، في حين أن اصل سجوده هو ليشفع للناس، بعد أن طافوا على الانبياء وهذا اشكال قوي فكيف الخروج منه؟ بل لقد اعترض الحافظ إبن كثير في كتابه- النهاية في الفتن والملاحم- بقوله: «والعجب كل العجب من ايراد الائمة بهذا الحديث من اكثر طرقه لا يذكرون امر الشفاعة الأولى في أن يأتي الرب لفصل القضاء، كما ورد هذا في حديث الصور كما تقدم وهو المقصود، ومقتضى سياق الحديث أن الناس انما يستغيثون إلى آدم طمعًا في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم ذلك كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه » (٣). وهذا الحديث -حديث الصور- حديث ضعيف (٤) وان كان لبعض الفاظه شواهد صحيحة (٥).
ونقل الحافظ إبن حجر عن الداودي (٦) القول: «كأن راوي هذا الحديث ركب شيئًا
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (١١).
(٢) انظر تخريجه برقم (١٠).
(٣) النهاية في الفتن ١/ ٢٠٤ وانظر شرح الطحاوية، إبن أبي العز، بتحقيق الارنؤوط ١/ ٢٨٥ والاساس في السنة، قسم العقائد، سعيد حوى ٣/ ١٢٦١.
(٤) اخرجه الطبراني -في الكبير - ٢٥/"٢٣٧"، والطبري في تفسيره ٢/ ٣٣٠ - ٣٣١ و٣٠/ ١٨٦ - ١٨٨ وإبن كثير في تفسيره ٢/ ١٤١ - ١٤٢ وانظر تخريج احاديث الطحاوية للشيخ الالباني برقم (٢٣٢)
(٥) انظر تفسير القرآن العظيم إبن كثير ٢/ ١٤١
(٦) انظر ترجمته في ملحق الاعلام
[ ٧٦ ]
على غير اصله» (١). ووافق الإمام النووي القاضي عياضًا في قوله: «وقد جاء في حديث حذيفة بعد هذا الحديث نفسه قال» فياتون محمدًا - ﷺ - فيقوم ويؤذن له وترسل الامانة والرحم فيقومان جنبتي الصراط يمينًا وشمالًا فيمر أولهم كالبرق، وساق الحديث. وبهذا يتصل الحديث، لان هذه هي الشفاعة التي لجأ الناس اليه فيها، وهي الاراحة من الموقف والفصل بين العباد، ثم بعد ذلك حلت الشفاعة في امته - ﷺ - وفي المذنبين، وحلت الشفاعة للانبياء والملائكة وغيرهم صلوات الله وسلامه عليهم كما جاء في الاحاديث الاخرى.
وجاء في الأحاديث المتقدمة في الرؤيا وحشر الناس اتباع كل امة ما كانت تعبد ثم تمييز المؤمنين من المنافقين ثم حلول الشفاعة ووضع الصراط.
فيحتمل أن الأمر باتباع الامم ما كأنت تعبد هو أول الفصل والإراحة من هول الموقف، وهو أول المقام المحمود وان الشفاعة التي ذكر حلولها هي الشفاعة في المذنبين على الصراط وهو ظاهر الأحاديث ومنها لنبينا محمد - ﷺ - ولغيره كما نص عليه في الأحاديث ثم ذكر بعدها الشفاعة في من دخل النار وبهذا تجتمع متون الحديث. (٢)
وقد علل الإمام القرطبي ذلك بقوله: «يدل على انه شفع في ما طلب من تعجل حساب أهل الموقف فانه لما امر بادخال من لا حساب اليه من امته فقد شرع في حساب من عليه حساب من امته وغيرهم» (٣).
وقال إبن كثير تعليقًا على هذا الاشكال: «وكأن مقصود السلف في الاقتصار على هذا
المقدار من الحديث هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة، الذين أنكروا خروج احدٍ من النار بعد دخولها» (٤).
والراجح في هذه المسألة ما قاله إبن حجر: «كأن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الاخر» (٥)، وعلى أية حال فان اصل شفاعة الموقف متفق عليه كما قدمنا.
وقد أخرج البخاري وغيره من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: «أتي رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) فتح الباري ١١/ ٥٣٤.
(٢) شرح مسلم ٣/ ٥٧ - ٥٨ وانظر فتح الباري ١١/ ٥٣٥ وعمدة القاري، العيني ٢٣/ ١٢٧
(٣) التذكرة ٢٨١، وانظر فتح الباري ١١/ ٥٣٦
(٤) النهاية في الفتن ١/ ٢٠٤ وانظر شرح الطحاوية، إبن أبي العز تحقيق، الارنؤوط ١/ ٢٨٦
(٥) فتح الباري ١١/ ٥٣٥.
[ ٧٧ ]
بلحم فرفع اليه الذراع -وكانت تعجبه- فنهس منها نهسة ثم قال أنا سيد الناس يوم القيامة وهل تدرون مما ذلك؟ يجمع الناس -الأولين والاخرين- في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون فيقول الناس الا ترون ما بلغكم؟ إلا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض عليكم بآدم فياتون ادم فيقولون له: أنت أبو البشر خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ إلا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم أن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وأنه نهاني عن الشجرة فعصيته، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى نوح، فياتون نوحًا فيقولون يا نوح انك أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وقد سماك الله عبدًا شكورا اشفع لنا إلى ربك الا ترى إلى ما نحن فيه؟.
فيقول: أن ربي ﷿ قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله وانه كانت لي دعوة دعوتها على قومي نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى إبراهيم فياتون إبراهيم فيقولون: يا إبراهيم أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: أن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله واني قد كذبتُ ثلاث كذبات - فذكرهن أبو حيان في الحديث-، نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى موسى فيأتون موسى فيقولون: يا موسى أنت رسول الله فضلك الله برسالته وبكلامه على الناس، اشفع لنا إلى ربك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ فيقول: أن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله واني قد قتلت نفسًا لم أومر بقتلها، نفسي، نفسي، نفسي اذهبوا إلى غيري أذهبوا إلى عيسى فيأتون عيسى، فيقولون يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وكلمت الناس في المهد صبيًا، اشفع لنا إلا ترى إلى ما نحن فيه فيقول عيسى أن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله ولن يغضب بعده مثله ولم يذكر ذنبًا- نفسي، نفسي، نفسي، اذهبوا إلى غيري اذهبوا إلى محمد - ﷺ - فيأتون محمدًا - ﷺ - فيقولون يا محمد أنت رسول الله وخاتم الأنبياء وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر اشفع لنا إلى ربك إلا ترى ما نحن فيه؟ فانطلق فأتى تحت العرش فاقع ساجدًا لربي ﷿ ثم يفتح الله عليّ من محامده وحسن الثناء عليه شيئًا لم يفتحه على أحد
[ ٧٨ ]
قبلي ثم يقال: يا محمد أرفع رأسك سل تعطه، واشفع تشفع، فأرفع رأسي فاقول: أمتي يا رب أمتي يا رب، أمتي يا رب. فيقال يا محمد أدخل من امتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب ثم قال: «والذي نفسي بيده أن ما بين المصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وحمير أو كما بين مكة وبصرى» (١). وبعد أن ينشر الناس ويحشروا في صعيد واحد «وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدًا» (٢).
وتدنوا الشمس من رؤوس الخلائق فيغشى العرق الناس على قدر أعمالهم فمنهم من يبلغ العرق رجليه ومنهم كعبيه ومنهم ركبتيه ومنهم من يلجمه العرق ويطول المقام ويأخذ الناس هول الموقف «وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع الا همسا» (٣) ويتلفت الناس يبحثون عن ممثل عنهم -إن صح التعبير - يبحثون عن وسيط بينهم وبين الجبار، فمن هو هذا الشفيع؟.
لا يخطر ببال أحد آنذاك سوى الأنبياء فهم صفوة الله من خلقه، فيسارعون إلى أبي البشر، أول الانبياء آدم ﵇ الذي خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وامر الملائكة أن تسجد له. فيفاجون بقوله "نفسي، نفسي، نفسي"، لست لها، اذهبوا إلى غيري ويذكر خطيئته وهي عصيانه لامر ربه واكله من الشجرة.
يقول القاضي عياض في اعتذار آدم ﵇: «كناية عن أن منزلته دون المنزلة المطلوبة قالها تواضعًا واكبارًا لما يسألونه، وقد يكون فيه اشارة إلى أن هذا المقام ليس لي بل لغيري» (٤) وقد ايده الحافظ إبن حجر (٥).
ثم يقول لهم اذهبوا إلى نوح فيأتونه فيقولون له: يا نوح أنت أول الرسل إلى أهل الأرض وسماك الله عبدًا شكورا، فيعتذر نوح ﵊ ويقول نفسي، نفسي، نفسي.
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (١٠)، وكذلك انظر الاحاديث (١١ - ١٤).
(٢) سورة الكهف /٤٧.
(٣) طه /١٠٨.
(٤) فتح الباري١١/ ٥٢٩ بتصرف يسير وانظر شرح مسلم، النووي ٣/ ٥٦ وعمدة القاري، العيني ٢٣/ ١٢٦، ونسيم الرياض، الخفاجي ٢/ ٣٥٣.
(٥) انظر مصدر سابق.
[ ٧٩ ]
وهنا يعترضنا إشكال: هو هل كان نوح ﵇ أول الرسل؟ وهل كان آدم وإدريس ﵉ رسولين؟. فأما كون نوح ﵇ أول رسول بالنسبة لآدم وإدريس فلا إشكال فيه، لأنهما قد يكونان نبيين، وان كان الإمام العيني جزم بأنهما رسولان (١). وإنما وجه الإشكال في كونه أول رسول بالنسبة للرسول محمد - ﷺ - فهو معارض بقوله - ﷺ -: «أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة». (٢)
هذا الإشكال أجاب عنه الحافظ إبن حجر بعد عرضه لاحتمالات التأويل فقال: «ولا يعترض بأن نوحًا -﵇- كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان لأنه لم يبق إلا من كان مؤمنًا معه وقد كان مرسلًا إليهم، لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته وإنما اتفق بالحادث الذي وقع وهو انحصار الخلق من الموجودين بعد هلاك سائر الناس وأما نبينا - ﷺ - فعموم رسالته من أصل البعثة، فثبت اختصاصه بذلك.
وأما قول أهل الموقف لنوح كما صح في حديث الشفاعة: «أنت أول رسول إلى أهل الأرض» فليس المراد به عموم بعثته بل إثبات أولية ارساله وعلى تقدير أن يكون مرادًا فهو مخصوص بتنصيصه ﷾ في عدة ايات على أن ارسال نوح كان إلى قومه ولم يذكر انه ارسل إلى غيرهم (٣) قال تعالى: «إنّا أرسلنا نوحًا إلى قومه أن أنذِرْ قومَكْ » (٤) ويحتمل انه لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا قومه (٥) ورجح هذا القول الأخير الشيخ عبد العزيز بن باز في تحقيقه للفتح (٦). وهو ما نراه -والله اعلم-.
وأما اعتذار سيدنا نوح وأنه كانت لي دعوى قد دعوت بها على قومي وقد جاء في الرواية الاخرى «ويذكر سؤال ربه ما ليس له به علم» (٧)، فهذان اعتذاران أحدهما «نهى الله تعالى له أن يسأل ما ليس له به علم فخشي أن تكون شفاعته لأهل الموقف من
_________________
(١) انظر عمدة القاري ٢٣/ ١٢٧.
(٢) انظر تخريجه برقم (٣٣).
(٣) فتح الباري ١/ ٥٧٥، وانظر نسيم الرياض، الخفاجي٢/ ٣٥٤.
(٤) نوح /١.
(٥) نقله إبن حجر عن إبن عطية صاحب التفسير، انظر فتح الباري ١/ ٥٧٦.
(٦) انظر هامش فتح الباري١/ ٥٧٦.
(٧) انظر فتح الباري ١١/ ٥٣٠
[ ٨٠ ]
ذلك، وثانيها أن له دعوة واحدة محققة الإجابة وقد استوفاها بدعاءه على أهل الأرض فخشي أن يطلب فلا يجاب» (١).
وذكر أبو حامد الغزالي -﵀- أن بين اتيان أهل الموقف ادم واتيانهم نوحًا الف سنة وكذا بين كل نبي ونبي اخر إلى أن يصل الناس إلى النبي محمد - ﷺ - (٢)، وقد اقره عليه القرطبي في التذكرة (٣)، وانكره إبن حجر فقال: «ولم اقف لذلك على اصل ولقد كثر في هذا الكتاب من ايراد احاديث لا اصول لها فلا يغتر بشيء منها» (٤). وقد رد الإمام العيني على الحافظ إبن حجر بقوله: «جلالة قدر الغزالي ينافي ما ذكره وعدم وقوفه لذلك على اصل لا يستلزم نفي وقوف غيره على اصل، ولم يحط علم هذا القائل بكل ما ورد وبكل ما نقل حتى يدعي هذه الدعوى». (٥)
ولم يذكر لنا الإمام العيني دليلًا على صحة قولة الإمام الغزالي وانما اكتفى بالتنكيل بالحافظ إبن حجر -فحسب-، وقول الحافظ إبن حجر وإن كان اصوب فانه لا ينقص من جلالة قدر الإمام الغزالي.
ويقول نوح ﵇ اذهبوا إلى إبراهيم وحينئذٍ يتوجه الناس إلى نبي الله إبراهيم فيعتذر لهم ويقول: اني قد كذبت ثلاثة كذبات نفسي، نفسي، نفسي وجاء في رواية اخرى «قوله اني سقيم وقوله فعله كبيرهم هذا وقوله لامراته اخبيره اني اخوك» (٦)، وفي رواية اخرى: «قال رسول الله - ﷺ - ما منها كذبة الا ما حل بها عن دين الله». (٧)
قال البيضاوي: «الحق أن الكلمات الثلاث انما كانت معاريض الكلام لكن لما كان صورتها صورة الكذب اشفق منها استصغار لنفسه عن الشفاعة مع وقوعها، لان من كان اعرف بالله واقرب اليه منزلة كان أعظم خوفا». (٨) ثم يأتون موسى كليم الله فيعتذر
_________________
(١) مصدر سابق.
(٢) انظر كشف علوم الآخرة ص٢٣.
(٣) التذكرة ١/ ٢٨١.
(٤) فتح الباري ١١/ ٥٣٠ وانظر عمدة القاري، العيني ٢٣/ ١٢٧ونسيم الرياض٢/ ٣٦٠.
(٥) عمدة القاري٢٣/ ١٢٧.
(٦) انظر فتح الباري ١١/ ٥٣١ ونسيم الرياض الخفاجي ٢/ ٣٥٥.
(٧) انظر ما سبق.
(٨) تفسير البيضاوي ص٤٣٣ بتصرف.
[ ٨١ ]
ويقول نفسي، نفسي، اعمدوا إلى عيسى كلمة الله وروحه، ثم يعمدون إلى عيسى -﵇- فيعتذر- رغم أنه لم يذكر ذنبًا - ثم يدلهم على صاحبها .. "ائتوا محمدا" فقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر
فَذِكْرُ الأنبياء أخطائهم وقول عيسى هذا مع أنه لم يخطئ يدل على أن صاحب هذا المقام لا بد أن يكون مغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر (١) قال تعالى: «إنا فتحنا لك فتحًا مبينا ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر» (٢).
وحينئذ يصلون إلى النبي محمد - ﷺ - صاحب الشفاعة العظمى يقول - ﷺ -: «أُعْطِيتُ خمسًا لم يعطهن أحد قبلي وأعطيت الشفاعة » (٣).
قال الإمام النووي: «هي الشفاعة العامة التي تكون في المحشر بفزع الخلائق إليه - ﷺ -» (٤). ويصل الأمر إلى صاحب الشفاعة العظمى فيقول: " انا لها، انا لها" فينطلق ويخر تحت العرش ساجدا فيلهمه الله ﷻ تحاميد لم يكن يعرفها من قبل، وجاء في حديث حذيفة - ﵁ - «يجمع الله الناس في صعيد واحد فيقال: يا محمد فاقول: لبيك وسعديك والخير في يديك والمهدي من هديت وعبدك بين يديك وبك واليك تباركت وتعاليت سبحانك لا ملجا ولا منجا منك إلا اليك» (٥)، ويقال للنبي - ﷺ -:-يا محمد إرفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع فيقول: يا رب أمتي .. أمتي.
وهنا يعترضنا سؤال هو: هل شفاعة النبي - ﷺ - لامته خاصة أو للناس عامة؟ وقد حررنا القول فيه في موضوع المقام المحمود (٦) فيشفع - ﷺ - لأهل الموقف جميعا بِرَّهُمْ وفاجِرَهُم، إنسَهُم وجِنَّهُم، فيحمده أهل الجمع كلهم على هذا المقام الذي لم يقدر على الإقدام عليه غيره صلوات الله عليهم اجمعين (٧).
_________________
(١) انظر فتح الباري ١١/ ٥٣٣.
(٢) الفتح/١.
(٣) انظر تخريجه لاحقا برقم (٣٣).
(٤) شرح مسلم ٦/ ٤ وانظر فتح الباري١١/ ٥٧٥.
(٥) انظر تخريجه لاحقا برقم (٣٩).
(٦) انظر ص ٥٣ من كتابنا هذا.
(٧) انظر شرح مسلم ٣/ ٥٧، ومجموع الفتاوي، إبن تيمية ٣/ ١٤٧.
[ ٨٢ ]