إن من مات من أمة محمد - ﷺ - ولم يرتكب كبيرة في حياته أو ارتكب فتاب توبة نصوحا. أولئك يدخلون الجنة من أول الامر دون عذاب -برحمه الله- إلا من شاء الله- واما الذين يسقطون في جهنم فانهم أولئك الذين ماتوا مصرين على كبائرهم ومعاصيهم وهؤلاء ثبتت شفاعة النبي - ﷺ - لهم وهو المراد بها هنا، فقد صح من حديث انس بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «شفاعتي لأهل الكبائر من امتي» (٣).
وهذه الشفاعة لا تكون إلا لمن كان من أمة محمد - ﷺ - أي كان من أهل العهد (٤). فلا يشفع النبي - ﷺ - لأهل الكبائر إلا ان يكتون من امته، على ما هو عليه ظاهر الحديث. وهذا من عظيم رحمته - ﷺ -، وشفقته على امته، وتكريم الله تعالى لهذه الامة، فمهما عمل المؤمن من أعمال دون الشرك فهو في المشيئة الالهية -ان شاء عفا عنه- ابتداء وان شاء عذبه، يقول تعالى «إن الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» (٥).
وقد نص على ذلك جمهور أهل العلم من المسلمين، يقول أبو حنيفة -﵀- «وشفاعة نبينا محمد - ﷺ - حق لكل من هو من أهل الجنة وان كان صاحب كبيرة» (٦)، ونقل الباقلاني:- اجماع أهل السنة والجماعة على صحة شفاعته - ﷺ - لأهل الكبائر فقال "اعلم ان أهل السنة والجماعة اجمعوا على صحة الشفاعة منه - ﷺ - لأهل الكبائر من هذه
_________________
(١) انظر ص٨٠ من كتابنا هذا.
(٢) سبق ذلك مفصلًا في ص٤٢.
(٣) انظر تخريجه برقم (٥٨). وله شواهد برقم (٥٩ - ٦٦).
(٤) سبق ذلك ص٣٧.
(٥) النساء /٤٨.
(٦) الفقه الاكبر، شرح السمرقندي ص٩٠.
[ ٩١ ]
الأمة" (١)، ونقل الأيجي الإجماع أيضا فقال: أجمع الأمة على اصل الشفاعة وهي عندنا لأهل الكبائر من الأمة لقوله ﵇ «شفاعتي لأهل الكبائر من امتي» (٢) (٣).
وقال الجويني: «والاخبار الماثورة شاهدة بتعلق الشفاعة باصحاب الكبائر » (٤)، وقد أنكرتها بعض الفرق الكلامية كالمعتزلة، والخوارج (٥).
وقد أقر هذا القسم من الشفاعة كل مفسري أهل السنة ولم اجد من يخالف، فهذا الطبري ينص على ان الله قد صفح لعباده المؤمنين بشفاعة النبي - ﷺ - عن كثير من عقوبة اجرامهم بينه وبينهم (٦) ويستدل بقوله - ﷺ -: «شفاعتي لأهل الكبائر من امتي».
ونقل الرازي الاجماع في شفاعة النبي - ﷺ - لأهل الكبائر. فقال: «أجمعت الامة على ان لمحمد - ﷺ - شفاعة في الآخرة وحمل على ذلك قوله تعالى: «عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (٧» (٨)، وقد عد تلك الشفاعة من شفاعته - ﷺ - كثير من أهل العلم، كالقرطبي وإبن كثير وغيرهم. (٩)
يقول الإمام النووي «إن كل من مات غير مشرك بالله تعالى لم يخلد في النار وإن كان مصرا على الكبائر» (١٠).
ويقول إبن تيمية: «إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي - ﷺ -، وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بأحسان وائمة المسلمين، وانما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة وغيرهم. (١١)
وأثبت ذلك إبن حجر العسقلاني في اكثر من موضع من الفتح فقال: «إن جماعة من مذنبي هذه الامة يعذبون بالنار ثم يخرجون بالشفاعة والرحمة» (١٢).
_________________
(١) الانصاف١٦٨وانظر التبصير في الدين، الاسفرئيني ص١٧٤.
(٢) انظر تخريجه برقم (٥٨).
(٣) المواقف٣٨٠، وانظر العقائد العضدية، بشرح الدواني٢/ ٢٧٠.
(٤) الارشاد ص ٢٩٤، وانظر الفصل، إبن حزم ٤/ ٦٤.
(٥) سبق بيانه ص٢٣.
(٦) انظر جامع البيان ١/ ٢٦٨.
(٧) التفسير الكبير ٣/ ٥٥.
(٨) الاسراء /٧٩.
(٩) سبق ذكره ص٤٢.
(١٠) شرح مسلم٣/ ٧٥، وانظر فتح القدير، المناوي ٤/ ١٦٢، وتحفة الاحوذي، المباركفوري ٧/ ١٢١.
(١١) مجموع الفتاوي٤/ ٣٠٩، وانظر العقيدة الاسلامية، محمد عياش ص٣٠٦.
(١٢) فتح الباري١١/ ٥٦٥، وانظر ١١/ ٥٢٢و٥٣٢،وعون المعبود، العظيم أبادي ١٣/ ٧٢ وبذل المجهود، السهارنفوري ١٨/ ٢٧٩
[ ٩٢ ]
والنصوص في اخراج الموحدين من النار ودخولهم الجنة كثيرة فمنها: ما رواه البخاري عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يخرج من النار قوم بالشفاعة كانهم الثعارير» قلنا وما الثعارير؟ قال: "الضغابيس" (١)، واخرج الإمام مسلم بسنده عن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - انه قال:
«أتاني جبريل فبشرني انه من مات من امتك لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت وان زنى وان سرق؟ قال وان زنى وان سرق» (٢).
وهذه الشفاعة هي التي اختارها - ﷺ - حين خُير بما جاء في حديث أبي موسى الاشعري - ﵁ - مرفوعًا: «خُيرت بين الشفاعة وبين أن يدخل نصف أمتي الجنة فاخترت الشفاعة، لانها اعم واكفى اترونها للمتقين؟ لا ولكنها للمذنبين، الخاطئين، المتلوثين» (٣). فهذه الشفاعة مقصورة على المتلوثين الخطائين -شفاعة أهل الكبائر- أما المتقين فهم ليسوا من أهلها، بل قد تشملهم شفاعات اخرى كشفاعة المقام المحمود أو السبعين الفًا أو غيرها من الشفاعات.
وجاء من حديث عوف بن مالك - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «أتاني آت من عند ربي فخيرني بين ان يدخل نصف أمتي الجنة وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة فهي نائلة من مات لا يشرك بالله شيئًا» (٤). وأخرج الإمام مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - انه قال: «لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته واني احتبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة فهي نائلة -ان شاء الله- من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا» (٥).
قال الإمام النووي: «وفي هذا الحديث بيان كمال شفقة النبي - ﷺ - على أمته، ورأفته بهم، واعتنائه بالنظر في مصالحهم المهمة فأخر - ﷺ - دعوته لأمته إلى أهم أوقات حاجاتهم» (٦).
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (٦٠).
(٢) انظر تخريجه برقم (١٠٦).
(٣) انظر تخريجه برقم (٦٢).
(٤) انظر تخريجه برقم (١٥).
(٥) انظر تخريجه برقم (٢).
(٦) شرح مسلم٣/ ٧٥ وانظر فتح الباري، إبن حجر١١/ ١١٧،وشرح مسند أبي حنيفة، ملا علي القاري ص٥٠١.
[ ٩٣ ]
وهذه الدعوة خاصة بنبينا - ﷺ - والتي قد ميز بها عن بقية الأنبياء، وعن بقية الشفعاء بأن يشفع لكل أفراد أمته، فمن قال لا اله إلا الله يدخل الجنة ولو لم يعمل خيرًا قط. وقد صح من حديث أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ -: «أعطيت خمسًا لم يعطهن احد قبلي .. وقيل لي: سل تعطه واختبأت دعوتي شفاعة لامتي في القيامة وهي نائلة -ان شاء الله- من لم يشرك بالله شيئًا» (١).
وأما إخراجهم من النار فإنه يكون حسب الأعمال وبشكل محدد فيبين الله تعالى لنبيه - ﷺ - في كل طور من أطوار الشفاعة حدا يقف عنده ولا يتعداه، مثل ان يقول شفّعتك فيمن أخل بالجماعة، ثم فيمن أخل بالصلاة، ثم فيمن شرب الخمر، ثم فيمن زنى وهكذا.
وهذا يدل على تفضل مراتب المخرجين (٢). وقد صحّ من حديث انس - ﵁ - مرفوعًا: «يخرج من النار من قال لا اله إلا الله وفي قلبه وزن شعيرة من خير ويخرج من النار من قال لا اله إلا الله وفي قلبه وزن برة ويخرج من النار من قال لا اله إلا الله وفي قلبه وزن ذرة من خير» (٣).
وفي كل طور من أطوار الشفاعة في الإخراج يأتي - ﷺ - ويخّر تحت عرش الرحمن فيقال له: اشفع وهكذا .
جاء من حديث أنس بن مالك - ﵁ - «فيقال: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من ايمان فاخرجه منها» فانطلق فافعل، ثم أرجع إلى ربي فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدًا فيقال لي: يا محمد: إرفع رأسك وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: أمتي أمتي فيقال لي: انطلق فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان فأخرجه منها. فأنطلق فافعل. ثم اعود إلى ربي فأحمده بتلك المحامد ثم اخر له ساجدًا فيقال لي: يا محمد ارفع راسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفع. فاقول: يا رب أمتي أمتي: فيقال لي: «انطلق فمن كان في قلبه ادنى ادنى ادنى من مثقال حبة خردل من إيمان فاخرجه من النار فانطلق فافعل» (٤). ثم يقول - ﷺ -: «يا رب ائذن لي فيمن قال
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (٣٤).
(٢) انظر فتح الباري ١١/ ٥٣٤.
(٣) انظر تخريجه برقم (١١).
(٤) أنظر مصدر سابق.
[ ٩٤ ]
"لا اله إلا الله" قال: ليس ذاك لك ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي لأخرجن من قال: "لا اله إلا الله"» (١).
ففي الإخراجات السابقة يأذن للنبي - ﷺ - فيها ولكن هذه لا يسمح ولا ياذن لشافع وإنما هي لله تعالى فحسب.
وجاء في رواية قتادة عن أنس «ثم أعود فاقع ساجدا مثله في الثالثة أو الرابعة حتى ما يبقى إلا من حبسه القرآن» وكان قتادة يقول عند هذا: "أي وجب عليه الخلود" (٢)، فهذه الرواية ناقصة قد أكملها البخاري في كتاب التوحيد (٣) فاثبت فيها المراجعة الرابعة، حتى يقول له الجبار ليست لك ويخرج الجبار من قال لا اله إلا الله ولم يعمل خيرًا قط.
وهذا لا يعني ان تفسير قتادة انهم المخلدون في النار تفسير خاطيء بل على العكس فهو صحيح ومعناه: من اخبر القرآن بتخليده في النار فانه لا تدركه الشفاعة ولا يخرج من النار بقوله تعالى: «إن الله لا يغفر ان يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء» (٤)، فلا مغفرة مع الشرك، والشفاعة مغفرة (٥) وقد فسر الحافظ إبن حجر قول قتادة فقال:- «يتأول: الكفار وبعض العصاة ممن ورد في القرآن في حقه التخليد ثم يخرج العصاة في القبضة وتبقى الكفار ويكون المراد بالتخليد في حق العصاة المذكورين البقاء في النار بعد اخراج من تقدمهم» (٦).
وأرى أن هذا التاويل للحافظ بعيد جدًا فالرواية التي جاءت عن قتادة ناقصة وأتمها البخاري في كتاب التوحيد كما اسلفنا، فلا حاجة لهذا التاويل البعيد. فالخلود هو لأهل الكفر والشرك والالحاد خلودًا ابديًا، واما المؤمنون الموحدون فانهم خارجون ابتدءًا أو ختامًا فهذا ليس خلودًا -والله اعلم- جاء في الحديث الصحيح عن أبي هريرة - ﵁ - الذي فيه اثبات رؤية الله يوم القيامة: « حتى إذا فرغ الله من القضاء بين العباد واراد ان يخرج برحمته من أراد من أهل النار امر الملائكة ان يخرجوا من النار من كان لا يشرك بالله شيئًا فمن أراد الله -تعالى- ان يرحمه ممن يقول لا اله إلا الله فيعرفونهم في النار
_________________
(١) مصدر سابق.
(٢) مصدر سابق.
(٣) برقم (٧٥١٠).وانظر تخريجه برقم (١١). من طريق معبد بن هلال عن انس.
(٤) النساء /٤٨.
(٥) انظر شرح مسلم، النووي ٣/ ٥٨.
(٦) فتح الباري١١/ ٥٣٧.
[ ٩٥ ]
يعرفونهم باثر السجود تاكل النار من إبن آدم إلا اثر السجود حرم الله على النار أن تأكل أثر السجود، فيخرجون من النار وقد امتحشوا، فيصب عليهم ماء الحياة فينبتون منه كما تنبت الحبة في حمل السيل ثم يفرغ الله -تعالى- من القضاء بين العباد ويبقى رجل مقبل بوجه على النار » (١) الحديث.
ففي الحديث ان الملائكة هي التي تخرج الناس من النار بامر الله تعالى وفي حديث انس السابق ان النبي - ﷺ - هو الذي يخرج فكيف الجمع؟ نقول: الذي باشر الإخراج هم الملائكة ولكن يؤمرون بذلك على السنة الرسل (٢).
وحصل خلاف بين شراح الحديث في قوله: «فإن الله حرم على النار ان تأكل من إبن آدم اثر السجود». والخلاف هو: هل أن المراد من "أثر السجود" عضو السجود نفسه أم مَن سجد؟.
نقل إبن حجر عن القاضي عياض القول: «أن عذاب المؤمنين المذنبين مخالف لعذاب الكفار وانها لا تاتي على جميع اعضائه أما اكراما لموضع السجود، وعضم مكانهم من الخضوع لله تعالى أو اكرام تلك الصورة التي خلق ادم والبشر عليها وفضلوا بها على سائر الخلق» (٣).
وعملًا بهذا القول فان الكافر يدخل جزما فيهم فلا تحرق النار اماكن السجود منه؟!! وعليه فهو قول مردود (٤).
ورجح الإمام النووي أن: «النار لاتاكل جميع أعضاء السجود السبعة التي يسجد الانسان عليها وهي الجبهة واليدان والركبتان والقدمان» (٥). وهو رأي كثير من أهل العلم.
واعترض القاضي عياض بحديث «ان قومًا يخرجون من النار يحترقون فيها إلا
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (٩).
(٢) انظر فتح الباري١١/ ٥٥٦.
(٣) فتح الباري١١/ ٥٥٧ - ٥٥٨ بتصرف.
(٤) انظر فتح الباري١١/ ٥٥٨.
(٥) شرح مسلم، النووي ٣/ ٢٢ بتصرف يسير.
[ ٩٦ ]
دارات الوجوه» (١). فالمراد من أعضاء السجود الوجه فقط. واجاب على ذلك الإمام النووي بقوله: إن هذا الحديث خاص بقوم ممن يخرج وليس كل من يخرج. اما غيرهم فان اعضاء السجود كلها تسلم فيكون حديث مسلم خاصًا وغيره عامًا فيحمل الحديث على عمومه إلا ما خص منه (٢).
وزاد إبن حجر على النووي أعضاء اخرى فقال: «وما تعقبه -أي النووي- بانها خاصة بهذه الامة فيضاف اليها التحجيل وهو جميع اليدين والرجلين لا تخصيص الكفين والقدمين ولكن ينقص منه الركبتان» ثم اردف «وما استدل به القاضي من بقية الحديث لا يمنع سلامة هذه الأعضاء مع الانغمار لان تلك الاحوال الآخروية خارجة على قياس احوال أهل الدنيا دون التنصيص على دارات الوجوه.
ان الوجه كله لا تؤثر فيه النار إكرامًا لمحل السجود ويحمل الاقتصار عليها على التنويه بها لشرفها» (٣)، والذي نراه هو ان المراد من النار لا تاكل اثر السجود إكراما له أولًا، ولكي تعرفهم الملائكة وتميزهم عن غيرهم ثانيًا. ولا ارى مناسبة لكثرة التاويل بالاعضاء ام بالتحجيل، المهم انهم لا تحترق دارات الوجوه منهم فتعرفهم الملائكة ويعرفهم الشفعاء «اذهبوا فاخرجوا من عرفتم» (٤)، فكيف يعرف الشافعُ المشفوعَ له إذا احترق وجهه؟ -والله اعلم-،ولله در القائل:
يا رب أعضاء السجود عتقها من عبدك الجافي وأنت الواقي
والعتق يسري بالغنى يا ذا الغنى فا ممن على الفاني بعتق الباقي (٥)
وأختلف أيضا في قوله "قد امتحشوا" أي "احترقوا" (٦)، فمن هؤلاء الممتحشون؟ فالظاهر في هذا الحديث انهم أصحاب اثار السجود وفي حديث أبي سعيد انهم أهل القبضة فكيف التوفيق؟.
_________________
(١) الحديث بتمامه مخرج برقم (٦٠).وهذه اللفظة هي من طريق يزيد الفقير -عند مسلم-.
(٢) انظر شرح مسلم ٣/ ٢٢، وفتح الباري١١/ ٥٥٨.
(٣) فتح الباري ١١/ ٥٥٨، بتصرف يسير.
(٤) طرف من حديث مخرج برقم (١٤).
(٥) الامالي الحلبية، إبن حجر ٥٣،نسبها إلى والده وانظر فتح الباري ١١/ ٥٥٩.
(٦) انظر النهاية في غريب الحديث، إبن الاثير ٤/ ٣٠٢.
[ ٩٧ ]
نقل إبن حجر قول القاضي عياض «ولا يبعد ان الامتحاش يختص بأهل القبضة والتحريم على النار أن تأكل صورة الخارجين أولًا قبلهم ممن عمل الخير على التفضيل السابق والعلم عند الله» (١).
أقول: الذي يبدو لي هو ان أهل النار من العصاة كلهم يحترقون -يمتحشون- ولكن من اراد الله له الخروج بشفاعة الشافعين وكان من أهل السجود في الدنيا فانه يبقى وجهه وصورته لا تحترق كيما يعرفه أهله واصحابه "الشفعاء".
وأما إن لم يكن من أهل تلك الشفاعات فانه قد يخرج بالقبضة الالهية (٢) -والله اعلم-.
وجاء في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - مرفوعًا- «أما أهل النار الذين هم أهلها فانهم لا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن ناس اصابتهم النار بذنوبهم اوخطاياهم فآماتهم إماتة حتى كانوا فحمًا اذن بالشفاعة فجيء بهم ضبائر ضبائر فبثوا على أنهار الجنة ثم قيل يا أهل الجنة افيضوا عليهم فينبتون نبات الحبة تكون في حميل السيل» (٣).
وقد أول بعض أهل العلم الاماتة هنا انها ليس المراد ان يحصل لهم حقيقة وانما هو كناية عن غيبة احساسهم وذلك للرفق بهم اوكنى عن النوم بالموت وقد سمى الله النوم وفاة ووقع في حديث أبي هريرة انهم إذا دخلوا النار ماتوا فاذا اراد الله اخراجهم امسهم الم العذاب تلك الساعة. (٤)
وقوله "انهار الجنة" جاء في رواية أبي سعيد الماضية "يقال له نهر الحياة" (٥) ويبدو ان تسميته بنهر الحياة اشارة إلى الخلود بعدها ابدًا (٦) -والله اعلم-.
وشبّه انباتهم بنبات الحبة في حميل السيل لانها في السيل اسرع نباتا من غيره، لما يتجمع فيه من الطين الرخو الحادث مع الماء مع ما خالطه من حرارة الزبد المجذوب معه
_________________
(١) فتح الباري١١/ ٥٥٩ ..
(٢) انظر فتح الباري ١١/ ٥٦٥.
(٣) اخرجه مسلم، الايمان (٣٠٦) وانظر تخريجه تاما برقم (١٤).
(٤) انظر الحسنة والسيئة، إبن تيمية ١٢٠، وفتح الباري ١١/ ٥٦٥.
(٥) انظر تخريجه برقم (١٤).
(٦) انظر فتح الباري١١/ ٥٥٩، وشرح مسند أبي حنيفة، ملا علي القاري ص٥٠٥ وتحفة الاحوذي، المباركفوري ٧/ ٣٢٤.
[ ٩٨ ]
وشبه به لسرعته وحسن طراوته (١).
ويخرج هؤلاء «كاللؤلؤ في رقابهم الخواتم يعرفهم أهل الجنة هؤلاء عتقاء الله الذين ادخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه ثم يقول ادخلوا الجنة فما رأيتموه فهو لكم » (٢).
ولعل «المراد بالخواتم هنا اشياء من ذهب أو غير ذلك تعلق في اعناقهم علامة يعرفون بها قال: معناه تشبيه صفائهم وتلالئهم باللؤلؤ» (٣).
وهؤلاء هم الذين يسمون الجهنميين فقد صح ذلك في أحاديث كثيرة منها: ما اخرجه البخاري وغيره من حديث عمران بن حصين - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: «يخرج قوم من النار بشفاعة محمد فيدخلون الجنة ويسمون الجهنميين» (٤).
وليست التسمية بها نقيصًا لهم بل استذكارًا ليزدادوا فرحا على فرحهم لكونهم عتقاء الله تعالى (٥).
النوع السابع: شفاعة النبي - ﷺ - في رفع الدرجات لأهل الجنة:-
لقد ذكر هذا النوع من الشفاعة -وأقره- معظم ان لم اقل كل من ذكر انواع الشفاعة ولكن لم اجد من ذكر مستندها، إلا القليل منهم ممن استشهد بقوله - ﷺ - «انا أول شفيع في الجنة» (٦)، كمستند لها.
وأنكر الحافظ إبن حجر ان يكون مستندها فقال: «كذا قاله بعض من لقيناهم، وقال: وجه الدلالة منه انه جعل الجنة ظرفا لشفاعته. قلت: وفيه نظر، لاني سأبين انها ظرف في شفاعته الأولى المختصة به، والذي يطلب هنا ان يشفع لمن لن يبلغ عمله درجة عالية ان يبلغها بشفاعته. واشار النووي في "الروضة" (٧) إلى ان هذه الشفاعة من خصائصه
_________________
(١) انظر شرح مسلم، النووي ٣/ ٢٣وفتح الباري ١١/ ٥٥٩ وعمدة القاري العيني٢٣/ ١٣٥.
(٢) اخرجه مسلم الإيمان (٣٠٢) وانظر تخريجه برقم (١٤).
(٣) شرح مسلم ٣/ ٣٣،وانظر عمدة القاري ٢٥/ ١٣٠.
(٤) انظر تخريجه برقم (٥٧).
(٥) انظر عون المعبود العظيم ابادي ١٣/ ٧٣ - ٧٤.
(٦) انظر تخريجه برقم (٢٤).
(٧) إن قصد "روضة الطالبين" فاني لم اقف على موضعه فيه.
[ ٩٩ ]
مع انه لم يذكر مستندها» (١).
قلت: ولم يذكر إبن حجر مستندها ايضا!!
وهكذا يبدو جليًا ان هذا النوع من الشفاعة لم يُذْكَر مستندها وما ذكر منها فهو ليس في محله، لان حديث «أنا أول شفيع في الجنة» (٢)، يتعلق بالمقام المحمود كما بينته (٣)، وقد يشهد لهذا النوع من الشفاعة ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أنس - ﵁ - «ان رجلًا من أهل البادية اتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله متى الساعة قائمة؟ قال: ويلك وما اعددت لها؟ قال: ما اعددت لها إلا اني احب الله ورسوله قال: انك مع من احببت. فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: نعم، ففرحنا يومئذ فرحا شديدا » (٤).