مرض الصرع من الأمراض المزمنة التي عجز الاطباء عن ايجاد دواء لها سوى بعض المسكنات، وآلام هذا المرض لا يعلمها إلا الله بحيث سمي "الصرع" لانه يصرع صحابه ارضًا حتى يفقد الإنسان السيطرة على أعضائه.
يقوا إبن حجر: «وسببه ريح غليظ تنحبس في منافذ الدماغ أو بخار رديء يرتفع اليه من بعض الاعضاء وقد يتبعه تشنج في الاعضاء فلا يبقى الشخص معه منتصبا بل يسقط ويقذف بالزبد لغلظ الرطوبة وقد يكون الصرع من الجن ولا يقع إلا مع النفوس الخبيثة منهم أما لاستحسان بعض الصور الانسية واما لايقاع الإذى به والاول هو الذي يثبته جميع الاطباء وينكرون علاجه والثاني يحجده كثير منهم وبعضهم يثبت ولا يعرف له علاجا إلا بمقاومة الارواح الخيرة العلوية لتندفع آثار الارواح الشريرة السفلية وتبطل افعالها» (٣).
ولما كان الصرع من الأمراض المزمنة فإنه قد يستمر مع صاحبه طوال عمره ومع المرض يعاني صاحبه ألوان العذاب الجسدي والنفسي فهو لا يدري متى تأتيه الصرعة في بيته.؟ ام في الطريق ..؟ أم في مركبته ..؟ لا يدري ولكن للصبر والاحتساب عليه عند الله اجر عظيم بل قل يشفع لصاحبه فقد أخرج الشيخان عن عطاء بن أبي رباح قال: «قال لي إبن عباس الا أريك أمراةً من أهل الجنة؟ قلت بلى. قال: هذه المرأة السوداء أتت
_________________
(١) انظر تخريجه برقم (١٧٣).
(٢) مسلم، البروالصلة (٥٣) وانظر المسند الجامع ٤/ (٢٧٥٩.).
(٣) فتح الباري ١٠/ ١٤١.
[ ١٧٣ ]
النبي - ﷺ - فقالت: اني اصرع واني أكتشف فأدع الله لي. قال: إن شئت صبرت ولك الجنة وان شئت دعوت الله ان يعافيك فقالت: أصبر. فقالت: إني اتكشف فأدع الله ان لا اتكشف فدعا لها» (١).
فالحديث هذا فيه تصريح أن الصرع يدخا الجنة ولا يحاسب صاحبه يوم القيامة وهذا من معاني الشفاعة الآخروية، وفي الحديث «دليل على ان الصرع يثاب عليه اكمل الثواب» (٢).
والذي يظهر من خلال الأحاديث ان ما كان بتلك المرأة "أم زفر" صرع من المس (٣).، ومن اصيب بهذا المرض - نسأل الله العافية - فعليه أحد أمرين:-
أما أن يصبر ويحتسب إن كان من أهل الصبر، وكان به طاقة ولم يضعف، فيكون الصرع شافعا له من العذاب -إن شاء الله-.
وأما من شك في صبره واحتسابه فعليه ان يأخذ بالرخصة ومن ثم يلجأ إلى الله وحده في كشف ضره وليأخذ بالاسباب من طب وعقاقير.
وأن «علاج الأمراض كلها بالدعاء والالتجاء إلى الله انجح وانفع من العلاج بالعقاقير وان تأثير ذلك اغفال البدن عنه اعظم من تأثير الادوية البدنية ولكن انما ينجح احدهما: من جهة العليل وهو صدق القصد، والآخر من جهة المداوي وهو قوة توجهه وقدرة قلبه بالتقوى والتوكل (٤).
وأخيرًا أقول:- ليس كل ما يشفع من الأمراض قد ذكرته هنا ولكن ما وصل إليه جهد الباحث واجتهاده وقد وردت احاديث في فضل أمراض اخرى كالطاعون، والصداع وغيرها ذكرها صاحب كتاب مكفرات الخطايا وموجبات المغفرة ولكني لم أجدها من شفاعات يوم القيامة فليس كل مكفر هو شافع كما بيناه آنفًا.
_________________
(١) انظر تخريجة برقم (١٧٥).
(٢) شرح مسلم، النوي ١٦/ ١٣١.
(٣) انظر فتح الباري١٠/ ١٤٣.
(٤) مصدر سابق.
[ ١٧٤ ]