وتبرز أهمية البيعة اولا حينما نزل القرآن يبشرهم «إن الذين يبايعونك انما يبايعون الله يد الله فوق ايديهم فمن نكث فانما ينكث على نفسه ومن اوفى بما عاهد عليه الله فسيؤتيه اجرًا عظيمًا» (٢)، ثم انزل بعدها «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم واثابهم فتحًا قريبًا » (٣)
وإنما كانت البيعة: لما أعلن النبي - ﷺ - توجهه إلى مكة معتمرًا، تبعه جمع كبير من المهاجرين والانصار بلغ عددهم "الفًا واربعمائة" تقريبًا، واعلن -كذلك- المنافقون وكثير من الاعراب تخلفهم عن هذه العمرة لانهم "عرفوا ان أهل مكة سوف يقاتلون محمدًا - ﷺ - امرَّ القتال وانه إذا ابى إلا زيارة البيت كما اعلن فلن تدعه قريش حتى تهلكه أو تهلك هي دون ابلاغه مأربه فهي عمرة محفوفة بالاخطار في نظرهم والفرار منها اجدى!! ولو فُرض ان الرسول ﵊نجح في مقصده هذا فالاعتذار اليه بعد عودته سهل: «سيقول المخلفون من الاعراب شغلتنا اموالنا واهلونا فاستغفر لنا » (٤).
_________________
(١) في ظلال القرآن٣/ ١٥٢١ - ١٥٢٢بتصرف يسير جدا، وانظر فقه السيرة، محمد سعيد رمضان الأبوطي١٧٥، والمنهج الحركي للسيرة النبوية، محمد منير الغضبان ١/ ٢٤٠.
(٢) الفتح/١٠.
(٣) الفتح/١٨.
(٤) الفتح١١.
[ ١٤٨ ]
فهذه أولى خطوات التمييز والغربلة فالله تعالى أراد لاهل هذه البيعة رضوانًا ومغفرة فلحق من كان اهلًا له وقعد من لا خير فيه من أهل النفاق.
ومن ثم أعلنت قريش طوارءها واستنفارها للحرب بكل ما اوتيت من قوة ومن بأس فأرسل النبي - ﷺ - عثمان بن عفان - ﵁ - ممثلًا عنه- يوضح الصورة بأنهم إنما خرجوا معتمرين فقط! لا محاربين!!.
فلما وصل عثمان - ﵁ - حبسته قريش، واشيع انه قتل، فلما بلغ الخبر النبي - ﷺ - قال: لا نبرح حتى نناجز القوم فدعا إلى بيعه على الموت تحت الشجرة.
وهنا يتجلى امتحان اخر وهو: ان المعركة غير متكافئة فالاسلحة التي مع النبي - ﷺ - وجنده لا تتجاوز السيوف والخناجر فقط.، ولكن ما ان سمع اولئك التلاميذ الابرار هذه الدعوة من استإذهم وقائدهم لبوا نداء الموت .. لبوا وقلوبهم ترفوا إلى الجنة وكاني بها تنادي:
يا حبذا الجنة واقترابها طيبةً وباردًا شرابها (١).
فكان النبي - ﷺ - ياخذ بيد اصحابه الواحد تلو الاخر واخيرًا اخذ يده الشريفة وبايع عثمان - ﵁ - وقال هذه عن عثمان.-فهنيئًا لعثمان-وكان يفتخر بها ايما افتخار، وحق له ذلك.
ولما تمت البيعة وصل الامر أنّ عثمان - ﵁ - حيٌّ وان خبر قتله باطلٌ (٢).
فيالله ما أعجب هذه الثلة العظيمة من الأصحاب .. خرجوا معتمرين، وألحوا عليه أن ياخذوا اسلحتهم فابى - ﷺ - وها هو يدعوهم إلى الموت فيلبوا بل يتزاحمون إلى بيعة -حتى سميت بيعة الرضوان-بيعة على الموت.
ولا ننسى ان الصف قد طهر من المنافقين اصلًا، والآن يمر بامتحان عسير وينجح به ايما نجاح!! فكافأهم الله تعالى الذي يراهم ويراقب الامور «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة فعلم ما في قلوبهم فانزل السكينة عليهم واثابهم فتحًا قريبًا» (٣).
قلوبهم مطمئنة ان الله معهم، ان الله ناصرهم، ان الله يبايع معهم «يد الله فوق ايديهم».
«واني اليوم ومن وراء هذه القرون الطويلة احاول ان استشرف تلك اللحظة
_________________
(١) هذا البيت لسيدنا جعفر بن أبي طالب ﵁ أنظر فقه السيرة، الغزالي ص٣٤٩.
(٢) انظر فقه السيرة، الغزالي ص٣٤٩، وفقه السيرة، البوطي ص٢٤٨.
(٣) الفتح/ ١٨.
[ ١٤٩ ]
القدسية العظيمة التي عاشها اولئك الرجال وهم يبلغون: ان الله قد رضي عليهم، ان احدنا ليفرح بل يكاد يطير فرحًا ان يسمع النداء "الله ولي الذين امنوا " (١) ظنًا منا اننا مشمولون بهذا الخطاب فكيف بهم وهم يسمعون الهاتف الرباني وهو يناديهم في ابان تلك البيعة "لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة " (٢) الاية» (٣).
النصوص ومناقشتها:
صح من حديث ام مبشر -﵂- انها سمعت النبي - ﷺ - يقول في بيت حفصة: «لا يدخل النار رجل شهد بدرًا والحديبية فقالت حفصة: يا رسول الله اليس قد قال الله «وأن منكم الا واردها»؟ فقال رسول الله - ﷺ -: فمه"ثم ننجي الذين اتقوا" (٤» (٥). وصح من حديث جابر - ﵁ - مرفوعا: «لايدخل النار احد شهد بدرًا والحديبية» فهذا الحديث واضح المعنى بأن من شهد بدرًا مع النبي - ﷺ - مؤمنًا به مقاتلًا معه فأنه مزكّى انه من المتقين وانه لا يدخل النار البتة، وكذا من بايع بيعة الرضوان.
قال الإمام النووي «قال العلماء: معناه لا يدخلها احد منهم قطعًا كما صرح به في الحديث الذي قبله -حديث حاطب -واما قول حفصة بلى. وأنتهار النبي - ﷺ - لها فقالت "ان منكم إلا واردها" فقال النبي - ﷺ - وقد قال "ثم نننجي الذين اتقوا" منه دليل للمناظرة والاعتراض والجواب على وجه الاسترشاد وهو مقصود حفصة لا انها ارادت رد مقالته » (٦).
وجاء عن الإمام علي - ﵁ - قال: «بعثنا رسول الله - ﷺ - أنا والزبير والمقداد فقال: أئتوا روضة خاخٍ (٧) فأن بها ضعينة معها كتاب فخذوه منها. فانطلقنا تعادى بنا خيلنا فإذا نحن بالمرأة فقلنا: أخرجي الكتاب فقالت مامعي كتاب. فقلنا لتخرجن الكتاب أو لتلقين
_________________
(١) البقرة/٢٥٧.
(٢) الفتح /
(٣) في ظلال القرآن، سيد قطب ٦/ ٣٣٢٥.
(٤) مريم/٧٢.
(٥) انظر تخريجه برقم (١٣٠).
(٦) شرح مسلم١٦/ ٥٨ بتصرف يسير.
(٧) موضع بين الحرمين، انظر معجم البلدان ياقوت الحموي ٣/ ٣٣٥.
[ ١٥٠ ]
الثياب: فأخرجته من عقاصها (١) فأتينا به رسول الله - ﷺ - فإذا فيه: من حاطب بن بلعته- إلى ناس من المشركين من أهل مكة - يخبرهم ببعض امر رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -:ياحاطب! ماهذا؟ قال لا تعجل عليّ يارسول الله اني كنت امرءًا ملصقًا في قريش «قال سفيان: كان حليفًا لهم ولم يكن من أنفسها» وكان ممن كان معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها اهليهم فاحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم ان اتخذ فيهم يدًا يحمون بها قرابتي، ولم افعله كفرًا ولاارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر بعد الإسلام فقال النبي - ﷺ -:"صدق " فقال عمردعني: يا رسول الله اضرب عنق هذا المنافق فقال: «انه قد شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على أهل بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» (٢).
فالمراد من الغفران هنا: الغفران الاخروي لا الدنيوي والا فمعنى ذلك ان من ارتكب حدًا من اصحاب بدر والشجرة لا يقام عليهم الحد وهذا باطل فقد صرح القاضي عياض بالاجماع على اقامة الحد عليهم واستدل باقامة عمر بن الخطاب - ﵁ - الحد على بعضهم، قال: وضرب النبي - ﷺ - مسطحًا وكان بدريًا (٣).
وجاء في لفظة اخرى للحديث "يا رسول الله ليدخلنّ حاطب النار فقال: رسول الله - ﷺ - كذبت لا يدخلها فانه شهد بدرًا والحديبية" وهذا الحديث صريح بان تلك الواقعتين تشفعان فقوله «كذبت لا يدخلها هي الاخبار عن الشيء على ما خلاف ما هو عمدًا كان أو سهوًا سواء كان الاخبار عن ماضٍ أم مستقبل وخصته المعتزلة بالعمد، وهذا يُرّد عليهم، وقال بعض أهل اللغة لا يستعمل الكذب إلا في الاخبار عن الماضي بخلاف ما هو مستقبل وهذا الحديث يرد عليهم -والله اعلم-». (٤)
وأما قوله - ﷺ - لعل الله "أو "ان شاء الله " فهو على سبيل القطع والترك وليس على سبيل الشك (٥).
_________________
(١) أي ضفيرتها، انظر مختار الصحاح، الرازي ص٦٦٤.
(٢) أخرجه مسلم، فضائل الصحابة (١٦١). وأنظر مظانه في المسند الجامع ١٣/ (١٠٢٨٣).
(٣) انظر شرح مسلم١٦/ ٥٦ - ٥٧، وفتح الباري، إبن حجر ٧/ ٣٨٨.
(٤) شرح مسلم، النووي١٦/ ٥٧ بتصرف يسير.
(٥) انظر شرح مسلم ١٦/ ٥٨، وانظر فتح الباري، إبن حجر ٧/ ٣٨٨.
[ ١٥١ ]
وجاء في بعض الروايات الجزم: "ان الله اطلع " (١). واما قوله "اعملوا ما شئتم". فالبعض من أهل العلم قال: هي للتشريف، وبعضهم قال هي للبشارة بعدم الذنوب في المستقبل، وبعضهم قال: هي بشارة بغفران الذنوب بعد وقوعها، وهذا الاخير هو الذي رجحه الحافظ إبن حجر بعد ان عرض الاقوال الاخرى، وهو اقربها إلى معنى الحادثة. (٢).
وقوله - ﷺ - «فاني قد غفرت لكم» فقد ذكر الحافظ إبن حجر اقوالًا عدة منها: «انها في الذنوب الماضية واستدلوا كون الفعل بصيغة الماضي "غفرت" ولو اراد المستقبل لقال: سأغفرها» (٣).
وتعقب هذا القول «بأن الحديث لو كان للماضي لما حسن الاستدلال به في قصة حاطب لانه - ﷺ - خاطب به عمرًا منكرًا عليه ما قال في امر حاطب وهذه القصة كانت بعد بدر بست سنين فدل على ان المراد ما سياتي واورده في لفظ الماضي مبالغة في تحقيقه» (٤).
وأخرج البخاري بسنده عن جابر بن عبد الله - ﵁ - قال: «قال لنا رسول الله - ﷺ - يوم الحديبية: أنتم خير أهل الارض وكنا الفًا واربعمائة ولو كنت ابصر اليوم لاريتكم مكان الشجرة» (٥).
قال إبن حجر: «فهذا يدل على انه كان يضبط مكانها بعينه وإذا كان في اخر عمره بعد الزمان الطويل يضبط موضعها ففيه دلالة على انه كان يعرفها بعينها لان الظاهر انها حين مقالته تلك كانت هلكت أما بجفاف أو بغيره واستمر هو يعرف موضعها بعينه» (٦).
وقد ثبت بالسند الصحيح ان عمر بن الخطاب - ﵁ - لما بلغه ان قومًا ياتون الشجرة ويصلون عندها، امر بقطعها فقطعت (٧).
فهنيئًا لهذا الجيل الامثل الذين باعوا انفسهم لبارئها فانزل الله سكينته على قلوبهم فامتلات نورًا فكانت نورًا على نور، وحري باحدهم ان يفتخر بانه كان مع اولئك الذين
_________________
(١) انظر فتح الباري ٧/ ٣٨٨.
(٢) فتح الباري، ٧/ ٣٨٨ ..
(٣) مصدر سابق.
(٤) مصدر سابق.
(٥) صحيح البخاري، المغازي (٤١٥٤)،وانظر المسند الجامع ٤/ (٢٩١٥).
(٦) فتح الباري٧/ ٥٦٨ - ٥٦٩.
(٧) انظر فتح الباري، إبن حجر ٧/ ٥٦٨ - ٥٦٩.
[ ١٥٢ ]
خوطبوا: «لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة » (١).
وحق لمن وضع الله يده فوق ايديهم (٢) قال تعالى: «يد الله فوق ايديهم» (٣) ألا يبايعوا بعدها احدًا فقد أخرج البخاري بسنده عن عبادة بن تميم قال: «لما كان يوم الحرة والناس يبايعون لعبد الله بن حنظلة فقال إبن زيد (٤): على ما يبايع إبن حنظلة الناسُ؟ قيل له: على الموت. قال: لا ابايع على ذلك احدًا بعد رسول الله - ﷺ - وكان شهد معه الحديبية» (٥).
وفي هذه الاثار ردٌ على كل ضال يسب اصحاب رسول الله - ﷺ - خاصة من شهد بدرًا والحديبية.
أما مذهب أهل الحق: «يحبون اصحاب رسول الله - ﷺ - ولا يفرطون في حب أحد منهم ولا يتبرؤون من احد منهم، ويبغضون من يبغضهم وبغير خير بذكرهم، ولا يذكرونهم إلا بخير وحبهم دين وايمان واحسان، وبغضهم كفر ونفاق وطغيان» (٦).