إن الحمى نوع من أنواع الإبتلاءات الدنيوية، وهي ارتفاع في درجة حرارة الجسم ارتفاعًا غير طبيعي بسبب أو باخر، ولقد مرض النبي ﷺ بها في آخر ايامه حتى انه دعا بسبع قرب من ابار مختلفة فصبت على جسده الطاهر -فداه نفسي- ولما كانت أمة محمد - ﷺ - مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة بل عذابها بايديها -كما مر معنا- (١) فانها لابد لها من معاناة -من هم ونصب ومرض- حتى تلقى الله غدًا وليس عليها ذنب -أن شاء الله-.
ولا يعني هذا ان النبي - ﷺ - عنده ذنوب قد غفرت له بسبب الحمى، لا بل لينال ما سيناله من الدرجة العالية الرفيعة التي وعده الله اياها قال تعالى: «عسى ان يبعثك ربك مقامًا محمودًا» (٢).
ومن خلال النصوص الاتية ستلاحظ معنى الشفاعة في فحوى الأحاديث ولكن بشرط الإيمان بالله وعد التضجر.
جاء عن أبي هريرة - ﵁ - انه عاد مريضًا مع النبي - ﷺ - من وعك كان به فقال - ﷺ -: «أبشر فان الله يقول: هي ناري اسلطها على عبدي المؤمن في الدنيا لتكون حظه من النار في الآخرة» (٣).
وجاء عن أبي امامه - ﵁ - مرفوعا: «الحمى من كير جهنم فما اصاب المؤمن كان حظه من النار» (٤).
وظاهر النصوص يوحي كأن لكل انسان نصيب من النار فمن اصيب في دنياه من الحمى أو الفتن أو الزلازل فهي حظه من عذاب النار ويشهد لهذا قول الإمام النووي «لكل احد منزل في الجنة ومنزل في النار فالمؤمن إذا دخل الجنة خلفه الكافر في النار لاستحقاقه ذلك بكفره » (٥).
وظاهر الحديث يشعر ان من اصيب من المسلمين بالحمى فانه لا تمسه النار وهذه بشارة للمذنبين، بل بشارة لكل مؤمن .. فقد صح من حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - عن
_________________
(١) انظر ص١٠٦ مما سبق.
(٢) الاسراء /٧٩.
(٣) انظر تخريجه برقم (١٧٢).
(٤) انظر تخريجه برقم (١٧٤).
(٥) شرح مسلم، النووي ١٧/ ٨٥.
[ ١٧٢ ]
النبي - ﷺ -: «أتت الحمى النبي - ﷺ - فاستإذنت عليه فقال: من أنت؟ فقالت: أنا أم ملدم. قال انهدي إلى قباء فاتيهم، قال: فاتتهم فحموا ولقوا منها شدة فقالوا: يا رسول الله ما ترى ما لقينا من الحمى قال: ان شئتم دعوت الله فكشفها عنكم، وان شئتم كانت طهورًا؟ قالوا: بل تكون طهورًا» (١).
ولاجل شفاعة الحمى -والله اعلم- نهى رسول الله - ﷺ - عن سب الحمى فقد أخرج الإمام مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله - ﵁ - «ان رسول الله - ﷺ - دخل على ام السائب فقال: مالك يا ام السائب تزفرين؟ قالت: الحمى لا بارك الله بها. فقال: لا تسبي الحمى فانها تذهب خطايا إبن ادم كما يذهب الكير خبث الحديد» (٢).