إنَّ امتداد العمر ينذر بفواجع الدّهر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ [يس]، وقال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ
[ ٤٠ ]
قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً (٥٤)﴾ [الرّوم]، وقال تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ (٧٠)﴾ [النّحل]. وعَنْ أَنَس - ﵁ -: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ يَدْعُو: "أَعُوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ وَالكَسَلِ، وَأَرْذَلِ العُمُرِ" (١)، فما الرّغبة في أرْذَل العمر؟ !
هذا وَمَنْ عُمِّر وارى الأحبَّة كُلَّهم في التّراب، وأُسْلِم لهموم طارقات وغموم سابغات، فَمَنْ لم يذق الموت ذاق ما هو أوجع! قَالَ الإمام الْبُخَارِيُّ:
إنْ عِشْتَ تُفجع بالأحِبّةِ كلِّهم وفناءُ نَفْسِك لا أبالَكَ أفْجعُ
ومَنْ عُمِّر وأُخِّر فهو كزَرْع آنَ حَصَادُهُ، ولا عذر له، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ (٣٧)﴾ [فاطر]، وقال النَّبيُّ - ﷺ -: "أَعْذَرَ اللهُ إِلَى امْرِئٍ أَخَّرَ أَجَلَهُ، حَتَّى بَلَّغَهُ سِتِّينَ سَنَةً" (٢).
ومع هذا فمن النَّاس مَنْ يكبر وتكبر معه الرَّغبة في طول العمر، قال النَّبيُّ - ﷺ -: "يَكْبَرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبَرُ مَعَهُ اثْنَانِ: حُبُّ المَالِ، وَطُولُ العُمُرِ" (٣).
إنّ الاسْتِعدادَ لِلْمَوْتِ، وتَوْطِينَ النَّفْس عَلَيْهِ، والتَّجافي عن هذه الدّار، علامةُ خير، فما في الحياة بقاء لأحد ولا خلود، فكم من مصبح ينتظر المساء لم يبْلُغْه، وكم من مُسْتَقْبِلٍ ليلة لم يَسْتَكْمِلْها، وكم من رجل مدَّ يده إلى طعام متلذّذًا لم
_________________
(١) البخاريّ "صحيح البخاري" (ج ٦/ص ٨٢/رقم ٤٧٠٧) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.
(٢) البخاريّ "صحيح البخاري" (ج ٨/ص ٨٩/رقم ٦٤١٩) كِتَابُ الرِّقَاقِ.
(٣) المرجع السّابق.
[ ٤١ ]
يرفعها! وكمْ من طامع غير قانع نَافَسَ النّاس في شَيْءٍ واحتال ثُمَّ تركه وراء ظهره وَخَلَّاهُ، وكم مِنْ سَاعٍ وراء شهواته فَجَأَهُ الموْتُ وأَصَابَهُ قَدَرُهُ، فانطوى صدْرُه على
حسراته، فَوَيْحَكَ حتّى متّى تُفَرِّق عمرك بين الهزل واللّعب؟ !
حَتّى مَتى أنْتَ في لَهْوٍ وفي لَعِبٍ والمَوْتُ نَحْوَكَ يَهْوي فاغِرًا فَاهُ
تَلْهو وَلِلْمَوْتِ مُمْسَانا وَمُصْبَحُنا مَنْ لَمْ يُصبِّحْهُ وَجْهُ المَوْت مَسَّاهُ
حقيق على كلِّ ذي قَلْبٍ مُنِيبٍ أن يأخذ من دار مماته لدار معاده، وأن يعلم أنَّ الله تعالى أخفى ساعة الموت، فليس له عمر معلوم؛ لنكون على حَذَرٍ فنحن بلا ريب بالأثر.
وَلَوْ أَنَّ العبد أدرك أنَّ له نفسًا تراوده وتطغيه، وشيطانًا يغويه ويعاديه، وقال لنفسه إذا أمرته بالسُّوء: "تَحَمَّدِي يا نَفْسُ لا حَامِدَ لَكِ"، فقد تكون هذه خاتمة عملك ونهاية أجلك، ما تجرّأ على معصية، ولله القائل:
يَا نَفْسُ تُوبِي فَإنَّ المَوْتَ قَدْ حَانَا وَاعْصِي الْهَوى فالْهَوى مَا زَالَ فَتَّانَا
عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - ﷺ - عَاشِرَ عَشْرَةٍ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ: يَا نَبِيَّ الله، مَنْ أَكْيَسُ النَّاسِ، وَأَحْزَمُ النَّاسِ؟ قَالَ: "أَكْثَرُهُمْ ذِكْرًا لِلْمَوْتِ، وَأَكْثَرُهُمُ اسْتِعْدَادًا لِلْمَوْتِ، قَبْلَ نُزُولِ المَوْتِ أُولَئِكَ هُمُ الْأَكْيَاسُ، ذَهَبُوا بِشَرَفِ الدُّنْيَا، وَكَرَامَةِ الْآخِرَةِ" (١).
_________________
(١) الطّبراني "المعجم الصّغير" (ج ٢/ص ١٨٩/رقم ١٠٠٨) وقال الهيثمي في "مجمع الزّوائد" (ج ١٠/ص ٣٠٩/رقم ١٨٢١٤): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ. وقال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (ص ١٨٢٨): إسناد جيّد.
[ ٤٢ ]
وكَانَ ابْنُ عُمَرَ - ﵄ -، يَقُولُ: "إِذَا أَمْسَيْتَ فَلا تَنْتَظِرِ الصَّبَاحَ، وَإِذَا أَصْبَحْتَ فَلا تَنْتَظِرِ المَسَاءَ، وَخُذْ مِنْ صِحَّتِكَ لِمَرَضِكَ، وَمِنْ حَيَاتِكَ لِمَوْتِكَ" (١). فإذا تنبَّهت إلى الموت، فهذا ممَّا أراده الله تعالى لك من الخير.