جِيءَ بوالد جابر (عَبْد الله بن عَمْرِو بْن حَرَام الأنصاريّ) - ﵁ - يَوْمَ أُحُدٍ قَدْ مُثِّلَ بِهِ، حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ الله - ﷺ - وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فجعل ابنه جابر يكشف الثّوب عن وجه أبيه ويبكي، فلمَّا رآه النَّبيُّ - ﷺ - مُنْكَسِرًا، بشَّره بأنّ الله تعالى أَحْيَا أَبَاه فكَلَّمَهُ كِفَاحًا مُوَاجَهَةً لَيْسَ بَيْنَهُمَا حجابٌ وَلَا رَسُولٌ، وهذه فَضِيلَة لم تُسْمَعْ لغيره من الشُّهَدَاءِ.
عن جابر - ﵁ -، قال: "لَقِيَنِي النَّبِيُّ - ﷺ -، فَقَالَ لِي: يَا جَابِرُ، مَا لِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله، اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا، فَقَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ الله بِهِ أَبَاكَ؟ قلت: بلى يا رسول الله، قَالَ: مَا كَلَّمَ الله أَحَدًا قَطُّ إلا من وراء
_________________
(١) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٢/ ٦٥١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.
[ ١١٩ ]
حجاب، وإنّ الله أحيا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا، فَقَالَ: يَا عَبْدِي، تَمَنَّ أُعْطِكَ، قَالَ: تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ قِتْلَةً ثَانِيَةً، قَالَ الله: إِنِّي قَضَيْتُ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ، وَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران] " (١).
فإن قيل: كيف يكلمه الله تعالى مواجهة، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ (٥١)﴾ [الشّورى].
فَالْجَوَاب أنَّ الْآيَة مَخْصُوصَة مُقَيَّدة بدار الدُّنْيَا، فالله تعالى لا يكلِّم فيها بشرًا مواجهة، والمراد أنَّ الله تعالى كلَّمه مواجهة بعدما أحياه حياة الشُّهداء، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ [البقرة]، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ [آل عمران].
فإن قيل كيف استحقّ هذه المنزلة عند الله تعالى، وقد تَرَكَ دَيْنًا وحقوقًا، والشّهادة لا تكَفِّرُ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ؟ ! والجواب، أنّه ترك دينًا وترك وراءه وفاءً له كما بيَّنته أحاديث أخرى، وكان بنيّته الوفاء بدينه، فقد أوصى ابنه جابرًا - ﵁ - أن يقضي عنه دينه، قال: "فَإِنَّ عَلَيَّ دَيْنًا فَاقْضِ، وَاسْتَوْصِ بِأَخَوَاتِكَ خَيْرًا" (٢).
_________________
(١) ابن حبّان "صحيح ابن حبّان" (ج ١٥/ص ٤٩٠/رقم ٧٠٢٢) إسناده جيّد.
(٢) البخاريّ "صحيح البخاري" (ج ٢/ص ٩٣/رقم ١٣٥١) كِتَابُ الجَنَائِزِ.
[ ١٢٠ ]