إذا كانت وصيّة الميّت بالواجب، وجب المبادرة إلى إنفاذها قبل أن يدفن، وبالتّطوع يسنّ، والإِسراع مطلوب سواء كانت واجبة أو مستحبّة عند أهل العلم، فإذا كان عليه دين وَجَبَ الإسراعُ في قضائِه عنه، لأنّ الميّت ينتفع بذلك، ويرفع
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاريّ" (ج ٩/ص ٦٤/رقم ٧٢٥٢) كِتَابُ الأَحْكَامِ.
[ ٧٢ ]
عنه العذاب.
وإنك تجد في هذا الزَّمان مَنْ يؤخّر الوفاء بدين ميِّته، وربّما يكون الميّت قد ترك وراءَه مالًا، ومع هذا لا يقضي وارثه عنه دينه إلى حين الانتفاع من هذا المال وكسب ما يقضي به دينه، وهذا ظلم بيِّن، وعقوق ظاهر، وجحود لحقٍّ واجب للميّت، ولا يجوز تأخير الواجب عن وقته طمعًا في تحصيل منفعة مستحبّة، وصدق رسول الله - ﷺ -: "وَلا يَمْلَأُ عَيْنَ ابْنِ آدَمَ إِلَّا التُّرَابُ" (١).
والإجماع منعقد على أن دين الميّت يُقضى من ماله قبل أن ينتقل مالُه إلى الورثة، فالميّت أحقّ مَنْ ينتفع بماله.
ومِنَ النّاس مَنْ يبخل بماله في حياته لما يخوّفه الشّيطان من الفقر، قال تعالى: ﴿الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ (٢٦٨)﴾ [البقرة]، فتجده يجمع ويمنع، فإذا بلغت نفسه إلى حلقه، وانقطع أمله في الحياة، ولم يعد للمال مكانة في قلبه، فزع إلى الصَّدقة وبالغ بها وأضرّ بالورثة، فيكون قد عصى الله تعالى في حياته بإمساكه وتفريطه، وعصاه حال موته بإسرافه وتبذيره وتضييعه ورثته، وتركهم عَالَة يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، فلربّما خاب من الانتفاع به في يوم العوز والحاجة إليه.
قَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: "يَا رَسُولَ الله، أَيُّ الصَّدَقَةِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ حَرِيصٌ، تَأْمُلُ الغِنَى، وَتَخْشَى الفَقْرَ، وَلا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ، قُلْتَ لِفُلانٍ كَذَا، وَلِفُلانٍ كَذَا، وَقَدْ كَانَ لِفُلانٍ" (٢). فالصّدقة عند الموت
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاريّ" (ج ٨/ص ٩٢/رقم ٦٤٣٧) كِتَابُ الرِّقَاقِ.
(٢) البخاري "صحيح البخاريّ" (ج ٤/ص ٤/رقم ٢٧٤٨) كِتَابُ الوَصَايَا.
[ ٧٣ ]
جائزة بضوابطها، ولكنَّها فِي حَالِ الصِّحَّةِ أَفْضَل.
ولمّا سمع الصّحابة - ﵃ - قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً (٢٤٥)﴾ [البقرة]، بَادَرُوا بأموالهم، جاء رجل إلى النَّبِيِّ - ﷺ - يشكو له أنَّه يريد أن يقيم حائطه، ولجاره نخلة لا يصلح حائطه إلّا بها، فعَرَضَ النَّبِيُّ - ﷺ - عَلَى صَاحِبِ النَّخْلَةِ نَخْلَةً فِي الْجَنَّةِ، فَأَبَى، فَاشْتَرَاهَا أَبُو الدَّحْدَاحِ - ﵁ - بِبُسْتَانٍ لَهُ، وأقرضها لله تعالى.
عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ رَجُلًا قَالَ: "يَا رَسُولَ الله، إِنَّ لِفُلَانٍ نَخْلَةً، وَأَنَا أُقِيمُ حَائِطِي بِهَا، فَأْمُرْهُ أَنْ يُعْطِيَنِي حَتَّى أُقِيمَ حَائِطِي بِهَا، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ - ﷺ -: أَعْطِهَا إِيَّاهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ، فَأَبَى، فَأَتَاهُ أَبُو الدَّحْدَاحِ فَقَالَ: بِعْنِي نَخْلَتَكَ بِحَائِطِي (بُسْتَانِي). فَفَعَلَ، فَأَتَى النَّبِيَّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنِّي قَدِ ابْتَعْتُ النَّخْلَةَ بِحَائِطِي. قَالَ: فَاجْعَلْهَا لَهُ، فَقَدْ أَعْطَيْتُكَهَا. فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: كَمْ مِنْ عَذْقٍ (نخلة) رَدَاحٍ (مثقلة حملًا) لِأَبِي الدَّحْدَاحِ فِي الْجَنَّةِ. قَالَهَا مِرَارًا. قَالَ: فَأَتَى امْرَأَتَهُ فَقَالَ: يَا أُمَّ الدَّحْدَاحِ اخْرُجِي مِنَ الْحَائِطِ، فَإِنِّي قَدْ بِعْتُهُ بِنَخْلَةٍ فِي الْجَنَّةِ. فَقَالَتْ: رَبِحَ الْبَيْعُ. أَوْ كَلِمَةً تُشْبِهُهَا" (١).
ولمّا مات أَبُو الدَّحْدَاحِ - ﵁ - صَلَّى النَّبِيُّ - ﷺ - عليه وتبع جنازته، ثمّ أُتِيَ بِفَرَسٍ لا سَرْج عليه، فَرَكِبَهُ، فسمعه رَجُلٌ يعيد تلك العبارة.
عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ - ﵁ -، قَالَ: "صَلَّى رَسُولُ الله - ﷺ - عَلَى ابْنِ الدَّحْدَاحِ،
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ١٩/ص ٤٦٥/رقم ١٢٤٨٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٧٤ ]
ثُمَّ أُتِيَ بِفَرَسٍ عُرْيٍ (١) فَعَقَلَهُ رَجُلٌ فَرَكِبَهُ، فَجَعَلَ يَتَوَقَّصُ (٢) بِهِ، وَنَحْنُ نَتَّبِعُهُ، نَسْعَى خَلْفَهُ، قَالَ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ: إِنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -، قَالَ: كَمْ مِنْ عِذْقٍ مُعَلَّقٍ - أَوْ مُدَلًّى - فِي الْجَنَّةِ لِابْنِ الدَّحْدَاحِ" (٣). أَوْ قَالَ شُعْبَةُ لِأَبِي الدَّحْدَاحِ.
فَيَا لأنْفُسٍ صَفَتْ لا كَدَرَ فِيها وَلا عَكَرَ، ولقلوب رُغِّبَتْ في الآجلة فزهدت في العاجلة! ولصدور سُلَّت سخائمها، وظهور حطّت عنها أثقالها ووضعت عنها أوزارها! ومُهَج سلمت بصائرها، وطابت سَرَائِرُها!