لتأخير التّوبة آفات وشرور، فلو أَدْرَكَ العبدَ المَوْتُ وهو في غفلة، لتمنَّى لو أنَّ بينه وبين الموت بُعْدًا بَعِيدًا وأَمَدًا مَدِيدًا؛ ليدرك ما فوَّته، ويكَفِّرَ عَنْهُ كلَّ ذنب أَزْلَفَه وأَسْلَفَه.
فَحَرِيّ بمن ركب ذنبًا أو قَارَفَ مَعْصِيَةً بجهالة أن يبادر إلى المغفرة بالتَّوبة الْخَلْصاءِ قبل الفوت والنَّدم، فالله تعالى يتفضّل على عبده التّائب بقبول توبته ومغفرة ذنبه؛ فقد أوجب الله تعالى مغفرته للتَّائبين، فقال تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ
[ ٣٨ ]
تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ [طه]. وعلى العبد أن يحمد الله تعالى أن أمدَّ في عمره أمدًا يتوب فيه وينيب إليه، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ (١٧)﴾ [النّساء]، وكُلُّ تَوْبَةٍ قَبْلَ معاينة المَوْتِ فَهُوَ مِنْ قَرِيبٍ.
أمَّا التَّوْبَة عِنْدَ المعَايَنَةِ والغرغرة فلَا تَنْفَعُ، قال تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ [النّساء]، وقال النَّبيُّ - ﷺ -: "إِنَّ اللهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ" (١).
فإيّاك والأمانيّ فقد غرَّت أقوامًا وأَرْدَت آخرين، فكم من النَّاس ابتلوا بتسويف أنفسهم، وفارقوا الدُّنيا ولم يحدثوا توبة: ﴿وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ (٥٤)﴾ [سبأ].
وكم من رَجُل افْتُلِتَتْ نَفْسُه، وقد قَرَفَ عَلَى نَفْسِهِ مِنَ الذُّنُوبِ والآثام، وحيل بينه وبين التّوبة، قال تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)﴾ [الأنفال].
فَخَلِّ سَبِيلَ الْعَيْنِ بعدك للبكا فليس لأيَّام الصَّفاء رجوعُ
وقد رأينا كيف يختطف الموتُ مِنْ بين أيدينا مَنْ في القلوب مقامهم،
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ٥/ص ٥٥٨/رقم ٦٤٠٨) وإسناده حسن.
[ ٣٩ ]
أصفياء لا يَصْفُو عَيْشٌ بَعْدَ بعادهم، ومن العجب أن فارقونا ونقوى على العيش بعد فراقهم! ولم نستطع أن ندفع عنهم، أو نحول بينهم، فاخْتُلِجُوا مِنْ بيننا، وخرجوا من الدُّنيا وقد تَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ، وصارت كلّ نفس رهينة عملها، وحبيسة كسبها: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ (٥١)﴾ [إبراهيم].
فيا أَصَمَّ الأُذْنِ، يا من شغلتْه الشّواغِل، وحالت دون توبته الحوائل، الإنابةَ قبل أن يمدَّ لك الموت يدًا ويسدّ باب الإجابة، إيّاك أن تموت مصرًّا على مَعْصِيَة أَو قانطًا من رَحمة، فتقيم عَلَى مَا لَا قِبَلَ لَكَ بِهِ. إنّ في تأخير التّوبة من الضَّرر ما لا يخطر لك على بال، ولا يدور لك بخيال، فابعد عن المعاصي بعدًا لا بُعْد بَعْده، فَوَاحَسْرَتَاهُ حتّى متى اللَّهْو والسَّهو، ﴿فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ (٥)﴾ [العنكبوت]، وكلّ آت قريب.
كم ودِّع بعد طيب حياة إِلْف حبيب، وتفطَّرت عليه من وَجْد أكباد، وتقطَّعت قلوب، بعد أن رحل إلى محلّةِ الأمْواتِ، وكِفاتِ الرُّفاتِ، أصبح بعد الحياة مواتًا، وبعد غضارة العيش رفاتًا.
فاحرص على عمل يُغْفَر به ذنبُك، ويرفع به ذكرك قبل أن تخرج نفسُك، فكم إنسان غاب عنّا في التُّرْب عَيْنًا، وبقي مَعْنىً، وكم من حاضر مَعَنا غائب مَعْنىً، فاستقبِل الموت بتوبة وعمل به ترضى.