عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: "مَرُّوا بِجَنَازَةٍ، فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا خَيْرًا، فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: وَجَبَتْ، ثُمَّ مَرُّوا بِأُخْرَى فَأَثْنَوْا عَلَيْهَا شَرًّا، فَقَالَ: وَجَبَتْ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ - ﵁ -: مَا وَجَبَتْ؟ قَالَ: هَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ خَيْرًا، فَوَجَبَتْ لَهُ الجَنَّةُ، وَهَذَا أَثْنَيْتُمْ عَلَيْهِ شَرًّا، فَوَجَبَتْ لَهُ النَّارُ، أَنْتُمْ شُهَدَاءُ الله فِي الأَرْضِ" (١).
والثّناء المراد به من أثنى عليه أهل الفضل، فيكون ثَنَاؤُهُمْ عليه موافقًا لِفعاله؛ لأنّ الّذين أثنوا على الجنازة جماعة من الصّحابة.
ومن العلماء من يرى أنَّ الثَّناء على عمومه وإطلاقه، قال النّووي: "كُلّ مُسْلِمٍ مَاتَ فَأَلْهَمَ الله تَعَالَى النَّاسَ أَوْ مُعْظَمَهُمُ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِي ذَلِكَ أَمْ لَا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَفْعَالُهُ تَقْتَضِيهِ فَلَا تُحَتَّمُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ بَلْ هُوَ فِي خَطَرِ المَشِيئَةِ، فَإِذَا أَلْهَمَ الله - ﷿ - النَّاسَ الثَّنَاءَ عَلَيْهِ اسْتَدْلَلْنَا بِذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ ﷾ قَدْ شَاءَ المَغْفِرَةَ لَهُ، وَبِهَذَا تَظْهَرُ فَائِدَةُ الثَّنَاءِ" (٢).
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٢/ص ٩٧/رقم ١٣٦٧) كِتَابُ الجَنَائِزِ.
(٢) النّووي "صحيح مسلم بشرح النّووي" (م ٤/ص ١٩) كِتَابُ الجَنَائِزِ.
[ ١٠٣ ]
وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ ابن حبّان وغيره عنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ فَيَشْهَدُ لَهُ أَرْبَعَةُ أَهْلِ أَبْيَاتٍ مِنْ جِيرَتِهِ الْأَدْنَيْنَ أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ إِلَّا خَيْرًا إِلَّا قَالَ الله جَلَّ وَعَلَا قَدْ قَبِلْتُ عِلْمَكُمْ فِيهِ وَغَفَرْتُ لَهُ ما لا تعلمون" (١).
وأَقَلّ مَا يُكْتَفَى بِهِ شهادة اثنين، قَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: "أَيُّمَا مُسْلِمٍ، شَهِدَ لَهُ أَرْبَعَةٌ بِخَيْرٍ، أَدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ، فَقُلْنَا: وَثَلاثَةٌ، قَالَ: وَثَلاثَةٌ، فَقُلْنَا: وَاثْنَانِ، قَالَ: وَاثْنَانِ. ثُمَّ لَمْ نَسْأَلْهُ عَنِ الوَاحِدِ" (٢).
ويفهم ممّا سبق جَوَاز الثّناء على الميّت بِمَا فِيهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ عند مرور الجنازة، وهذا ليس من الغيبة الَّتي جاء فيها النَّهي عن سبِّ الأموات.
_________________
(١) ابن حبّان "صحيح ابن حبّان" (ج ٧/ص ٢٩٥/رقم ٣٠٢٦) صحيح بشواهده.
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٢/ص ٩٧/رقم ١٣٦٨) كِتَابُ الجَنَائِزِ.
[ ١٠٤ ]