الوصيَّة عطيّة مَنْ أَتَاهُ المَوْتُ، جعلها الله تعالى له لتعود عليه عند الموت بالخير والأجر، والميراث عطيَّة الله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ (١١)﴾ [النّساء].
والوصيّة إمَّا واجبة أو مستحبّة أو محرّمة، فهي واجبة إذا كان على الإنسان
_________________
(١) هناك خلاف شهير بين الفقهاء على الأولى والأحقّ بالصّلاة على الميّت فاسْتَبِنْ مِنْ مَظَانِّهِ.
(٢) الطّبراني "المعجم الكبير" (ج ١٨/ص ١٧)، وقال الهيثمي في "مجمع الزّوائد" (ج ٣/ص ٣٢/رقم ٤١٥١): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ.
[ ٧٠ ]
حقّ لله تعالى أو للعباد. وحقّ الله تعالى كأن يكون عليه فدية، أو كفَّارة، أو زكاة، أو صيام واجب من قضاء أو نَذْر، أو نحو ذلك.
فَمَنْ مات مثلًا وعليه صيام مبيّن في وصيّته لزم وليَّه الصِّيام عنه، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - ﵄ -، قَالَ: "جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ - ﷺ -، فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَقْضِيهِ عَنْهَا؟ فَقَالَ: لَوْ كَانَ عَلَى أُمِّكَ دَيْنٌ، أَكُنْتَ قَاضِيَهُ عَنْهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَدَيْنُ الله أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى" (١)، وقَالَ الحَسَنُ: "إِنْ صَامَ عَنْهُ ثَلاثُونَ رَجُلًا يَوْمًا وَاحِدًا جَازَ" (٢).
وحقّ العباد كالدّيون والأمانات والأجور والودائع والقروض ونحوها، فيلزمه أن يخبر بما له لاقتضائه، وما عليه لقضائه، لتردّ الحقوق إلى أهلها، فإن كان عليه دين لازم، أو حقّ واجب، وجب عليه أن يوصي بقضائه بعد موته.
وهي ليست واجبة على كلّ أحد، فمن لم يكن عليه حقّ لله أو لعباده، فهي مستحبَّة لمن ترك خيرًا، لقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ (١٨٠)﴾ [البقرة]، على أن تكون بثلث المال أو دونه لقول النَّبيِّ - ﷺ -: "الثُّلُثُ، وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ" (٣) وذلك بأن يوصي به لقريب غير وارث، أو لعمل من أعمال البرّ، أو وجه من وجوه الخير، أو معونة أهل الحاجة وقد جعلها
_________________
(١) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٢/ص ٨٠٤) كِتَابُ الصِّيَامِ.
(٢) البخاري "صحيح البخاريّ" (ج ٣/ص ٣٥) كِتَابُ الصَّوْمِ، وهذا الأثر ذكره البخاريّ تعليقًا، وقال الحافظ في "الفتح" (ج ٤/ص ١٩٣): وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي كِتَابِ الذَّبْحِ.
(٣) البخاري "صحيح البخاريّ" (ج ٤/ص ٣/رقم ٢٧٤٣) كِتَابُ الوَصَايَا.
[ ٧١ ]
الله تعالى زيادة له في أعماله، فهي له صدقة وصلة وطُهْرَة وَزَكَاة وقربة لله - ﷻ -.
والوصيّة محرّمة إذا كان المراد منها الإضرار بالورثة، كأن يوصي بحرمان بعض الورثة، أو يفضّل بعضهم على بعض، قال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ (١٢)﴾ [النّساء]، ولقوله - ﷺ -: "وَمَنْ يُشَاقِقْ يَشْقُقِ الله عَلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ " (١). والمسألة لا تخلو من أخذ وردّ واستدراك وتفصيل وتأصيل واستقراء بين الفقهاء.