يَحْرُمُ عَلَى الْحَائِضِ أو النّفساء ما يحرم على الجنب من: الصّلاة، واللُّبْثِ فِي المَسْجِدِ، والطّواف في البيت الحرام، ومَسِّ المُصْحَفِ مِنْ حَيْثُ الْجُمْلَة، وقراءة القرآن. وتزيد الحائض والنّفساء عن الجنب في أمور: منها الصّيام، والوطء، ولا
_________________
(١) الصّنعاني "مصنّف عبد الرّزاق" (ج ٣/ص ٣٩١/رقم ٦٠٥٩) وهذا سند غاية في الصّحّة.
(٢) الألباني "أحكام الجنائز" (ص ٢٤٣).
[ ٨٧ ]
تُمنع من شيء إلا بدليل.
وقد استحبَّ بعضُ أهل العلم ألّا يدخل على من حضرته الوفاة حائض ولا جنب ولا نفساء، وكذلك بعد الوفاة، لأحاديث فيها نَفْي دُخُولِ المَلَائِكَةِ الدَّار الَّتِي فِيهَا أحد من هؤلاء، وهي أحاديث مُعَلَّةٌ وإن كان ظاهرها الصِّحَّة، منها ما رواه أَحْمَد مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ - ﵁ - أَنَّ جِبْرِيل - ﵇ - قَال لِلنَّبِيِّ - ﷺ -: "إِنَّهَا ثَلاثٌ لَنْ يَلِجَ مَلَكٌ مَا دَامَ فِيهَا أَبَدًا وَاحِدٌ مِنْهَا: كَلْبٌ، أَوْ جَنَابَةٌ، أَوْ صُورَةُ رُوحٍ" (١) وفي إسناده عَبْدُ الله بْنُ نُجَيّ مختلف فيه، وأبوه نُجَيّ الْحَضْرَمِيّ لَمْ يَرْوِ عنه غير ابنه، ولم يوثّقه غير ابن حبان، وَقَال: "لا يعجبني الاحتجاج بخبره إذا انفرد" (٢).
ومنها ما رواه أحمد عَنِ ابْنِ نُجَيٍّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قال: "لَا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ جُنُبٌ، وَلا صُورَةٌ، وَلا كَلْبٌ" (٣).
وما رواه أحمد عنْ جَابِرٍ، عن عَبْد الله بْن نُجَيّ، عَنْ عَلِيٍّ - ﵁ -، قال: قال رسول الله - ﷺ -: "لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ صُورَةٌ وَلَا كَلْبٌ وَلَا جُنُبٌ" (٤)، وإسناده ضعيف لضعف جابر الجعفي وانقطاعه بين عبد الله بن نجيّ وبين عليّ.
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ٢/ص ٧٧/رقم ٦٤٧) إسناده ضعيف.
(٢) ابن حبّان "الثّقات" (ج ٥/ص ٤٨٠).
(٣) أحمد "المسند" (ج ٢/ص ٦٥/رقم ٦٣٢) حسن لغيره دون ذكر الجنب.
(٤) أحمد "المسند" (ج ٢/ص ٤٢٥/رقم ١٢٩٠) وإسناده ضعيف. وأخرجه أبو داود في "سنن أبي داود" (ج ١/ص ١٦٢/رقم ٢٢٧)، والنّسائي في "سنن النّسائي" (ص ٤٩/رقم ٢٦١) وحكم عليه الألبانيّ بالضّعف.
[ ٨٨ ]
وأصل الحديث في "الصَّحيحين" دون ذكر الجنب من حديث أبي طلحة، "لا تَدْخُلُ المَلائِكَةُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلا صُورَةٌ" (١). ويشهد لقوله "ولا جنب" ما روى أبو داود عَنِ الْحَسَنِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرَبُهُمُ المَلَائِكَةُ: جِيفَةُ الْكَافِرِ، وَالمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ (٢)، وَالْجُنُبُ، إِلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ" (٣) والحسن بن أبي الحسن (البصري) لم يسمع من عمّار.
وما أخرجه البزّار بإسناد صحيح عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ -، قَالَ: "ثَلَاثَةٌ لَا تَقْرَبُهُمُ المَلَائِكَةُ: الْجُنُبُ وَالسَّكْرَانُ وَالمُتَضَمِّخُ بِالْخَلُوقِ" (٤).
ولعلّ المراد بالجنب الّذي يتهاون في رفع الجنابة عادة، فيترك الاغتسال ويقضي أغلب وقته جنبًا، وإلّا فقد صَحَّ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - كان ينام وهو جنب، عنْ عَائِشَةَ - ﵂ -: "أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ، وَهُوَ جُنُبٌ، تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ، قَبْلَ أَنْ يَنَامَ" (٥). ولذلك يجوز نَوْم الْجُنُبِ، ويستحبّ لَهُ الْوُضُوء
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٤/ص ١٣٠/رقم ٣٣٢٢) كِتَابُ بَدْءِ الخَلْقِ.
(٢) أي المُتَلَطِّخ بِالْخَلُوقِ، وَهُوَ طِيبٌ لَهُ صِبْغٌ يُتَّخَذُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ، وقد ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ النَّهْيُ عَنِ التَّزَعْفُرِ لِلرِّجَالِ وَكَذَا نَهْيُ الرِّجَالِ عَنِ الْخَلُوق؛ لِأَنَّهُ شِعَارُ النِّسَاءِ.
(٣) أبو داود "سنن أبي داود" (ج ٦/ص ٢٥٢/رقم ٤١٨٠) إسناده ضعيف لانقطاعه.
(٤) البزّار "كشف الأستار" (ج ٣/ص ٣٥٥/رقم ٢٩٣٠)، وقال الهيثميّ في "مجمع الزّوائد" (ج ٥/ص ٧٢/رقم ٨١٩٨): رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ خَلَا الْعَبَّاسِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ ثِقَةٌ، وصحّحه المنذري في "التّرغيب" (ج ١/ص ٤١/رقم ١٧٤)، والألباني في "الصّحيحة" (ج ٤/ص ٤١٧/رقم ١٨٠٤).
(٥) مسلم "صحيح مسلم" (ج ١/ص ٢٤٨) كِتَابُ الْحَيْضِ.
[ ٨٩ ]
قبل أن يَرْقُد.
ولعلَّ المراد بالملائكة الَّذين ينزلون بالخير والرّحمة والبركة دون الملائكة الحفظة، فإنَّهم لا يفارقون الجنب وغير الجنب، ودون ملك الموت ورسله فكم من جنب وحائض ونفساء دخل عليها ملك الموت.
ونحن نعلم أنَّ حَنْظَلَةَ بْن أَبِي عَامِرٍ الْأَنْصَارِيّ غَسِيل المَلَائِكَةِ اسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَهُوَ جُنُبٌ فَغَسَّلَتْهُ المَلَائِكَةُ، قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِنَّ صَاحِبَكُمْ حَنْظَلَةَ تُغَسِّلُهُ المَلَائِكَةُ، فَسَلُوا صَاحِبَتَهُ، فَقَالَتْ: خَرَجَ وَهُوَ جُنُبٌ لمَّا سَمِعَ الْهَائِعَةَ، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: فَذَاكَ قَدْ غَسَّلَتْهُ المَلَائِكَةُ" (١).
قال ابن قدامة في المغني: قال أحمد: "يُكْرَهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ تَغْمِيضُهُ، وَأَنْ تَقْرَبَاهُ" (٢)، وفي مصنف ابن أبي شيبة، عَنْ مُغِيرَةَ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، قَالَ: "كَانُوا إِذَا حَضَرُوا الرَّجُلَ يَمُوتُ أَخْرَجُوا الْحُيَّضَ" (٣).
وقَالَ مَالِكٌ فِي المُخْتَصَرِ: "لَا بَأْسَ أَنْ تُغْمِضَهُ الْحَائِضُ وَالْجُنُبُ" (٤). والخلاصة لَا يحرم حُضُورُ الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ والنّفساء وَقْتَ الِاحْتِضَارِ، وليس هناك ما يمنع دخولهم، وقد عَدَّ الألبانيّ إخراج الحائض والنّفساء والجنب من عند
_________________
(١) ابن حبّان "صحيح ابن حبّان" (ج ١٥/ص ٤٩٥/رقم ٧٠٢٥) حديث صحيح، رجاله ثقات.
(٢) ابن قدامة "المغني" (ج ٢/ص ٣٣٦).
(٣) ابن أبي شيبة "مصنّف ابن أبي شيبة" (ج ٢/ص ٤٤٥/رقم ١٠٨٥٤).
(٤) أبو الوليد الباجي "المنتقى شرح الموطّأ" (ج ٢/ص ٢٦).
[ ٩٠ ]
الميّت من بدع الجنائز (١).