عزَّ في هذا الزَّمان مَنْ يَعْرِفُ أَحْكَامَ غسل الميِّت وتجهيزه فِقْهًا وَعَمَلًا، وكثير ممّنْ عرف الأحكام لَا يَعْرِفُ كَيْفِيَّةَ مُبَاشَرَةِ ذَلِكَ، ومنهم مَنْ يَهَابُ المَيِّتَ فيحجم عن غُسْلِه وتَجْهِيزِه.
وغُسْلُ المَيِّتِ وتكفينه وحَمْلُهُ وَالصَّلَاةُ عَلَيْهِ وَدَفْنُهُ من فُرُوض الكِفَايَة، وينبغي ألّا يحضر غسل الميِّت إلَّا الْغَاسِلُ وَمَنْ يعينه حفظًا لحرمته وكرامته، وَتُسْتَر عَوْرَتُهُ بِمِئْزَرٍ، ثمّ يجرَّد من ثيابه، عَنْ عَائِشَةَ - ﵂ -، قَالَت: "لمَّا أَرَادُوا، غُسْلَ رَسُولِ الله - ﷺ - اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَقَالُوا: وَالله مَا نَدْرِي كَيْفَ نَصْنَعُ؟ أَنُجَرِّدُ رَسُولَ الله - ﷺ - كَمَا نُجَرِّدُ مَوْتَانَا أَمْ نُغَسِّلُهُ وَعَلَيْهِ ثِيَابُهُ؟ " (٢).
وغسل الميّت لا يختلف كثيرًا عن غسل الحيّ، يستحضر الغاسل نيّة الغسل ويسمّي، ويبدأ بغسل يديه، ثمّ يرفع رأسه إلى قرب جلوسه ويمرّ بيده على بطنه برفق ولا يبالغ، ويصبّ عليه الماء، فهذا يُيَسِّر خروج الخارج، ثُمَّ يَلُفُّ عَلَى يَدِهِ خِرْقَةً يفضي بها إلى السَّبِيلَيْنِ يزيل الأذى وَيُنَجِّيهِ بها، وَيَصُبُّ المَاءَ فِي غَسْلِ مَخْرَجِهِ؛ فهذا أدعى للإنقاء، ويغضّ الطّرف ولا ينظر إلى عورته، ثمّ يوضّئه وضوء الصّلاة،
_________________
(١) البخاريّ "صحيح البخاري" (ج ٢/ص ٨٦/رقم ١٣١٥) كِتَابُ الجَنَائِزِ.
(٢) أحمد "المسند" (ج ٤٣/ص ٣٣١/رقم ٢٦٣٠٦) إسناده حسن.
[ ١٠٧ ]
ولا يدخل الماء في فمه أو منخريه، ثمّ يغسل رأسه ولحيته، ثمّ يأخذ خِرْقَة أخرى أو ليفة لغسل سائر الجسد فذلك أدعى لإزالة درنه.
ويُغَسِّلُهُ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ إِنْ رَأَى الْغَاسِلُ لِلْإِنْقَاءِ، وذلك بِمَاءٍ وَسِدْرٍ أو ما يقوم مقامه كالأُشْنَان (شَجَر) أو الصَّابون، وَيُجْعَلُ فِي الْغَسْلَةِ الْأَخِيرَةِ الْكَافُورُ، وَيَبْدَأُ بِمَيَامِنِهِ وَمَوَاضِعِ الْوُضُوءِ مِنْهُ، فيضعه عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْسَرِ ليغسل الْأَيْمَن، ثُمَّ عَلَى شقّه الْأَيْمَنِ ليغسل الْأَيْسَر وَذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، ثُمَّ يَفْعَلُ ذَلِكَ ثَلَاثًا، ويسرّح شعره، فإِنْ كَانَ المَيِّتُ امْرَأَةً تُنْقَض ضَفَائِرُهَا فِي الْغُسْلِ، ويُضَفَّرُ شَعْرُها ثَلَاثَةَ قُرُونٍ ويلقى خَلْفَهَا.
وحديث أُمِّ عَطِيَّةَ الأَنْصَارِيَّة (نَسِيْبَة) أصل فِي غسل الميت، وهي الَّتي غَسَّلَتْ زَيْنَب بِنْت رَسُولِ الله - ﷺ -، زوج أبي العَاصِي بْنِ الرَّبِيعِ، قَالَتْ - ﵂ -: "دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ الله - ﷺ - وَنَحْنُ نَغْسِلُ ابْنَتَهُ (١)، فَقَالَ: اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ (٢)، بِمَاءٍ وَسِدْرٍ، وَاجْعَلْنَ فِي الآخِرَةِ كَافُورًا، فَإِذَا فَرَغْتُنَّ فَآذِنَّنِي، فَلَمَّا فَرَغْنَا آذَنَّاهُ، فَأَلْقَى إِلَيْنَا حِقْوَهُ (إزاره)، فَقَالَ: أَشْعِرْنَهَا إِيَّاهُ" (٣). أي اجعلْنَ الإزار ممّا يلي الجسد.
_________________
(١) هي زَيْنَب، فقَدْ وَرَدَتْ مُسَمَّاةً فِي هَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمٍ الْأَحْوَلِ عَنْ حَفْصَةَ عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: لمَّا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُول - ﷺ - "صحيح مسلم" (ج ٢/ص ٦٤٨).
(٢) وفي رواية: "اغْسِلْنَهَا ثَلاثًا، أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا، أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، إِنْ رَأَيْتُنَّ" البخاري "صحيح البخاري" (ج ٢/ص ٧٤).
(٣) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٢/ص ٧٤/رقم ١٢٥٤) كِتَابُ الجَنَائِزِ.
[ ١٠٨ ]
وعَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ - فِي غَسْلِ ابْنَتِهِ: "ابْدَأْنَ بِمَيَامِنِهَا، وَمَوَاضِعِ الوُضُوءِ مِنْهَا" (١).
وعن أُمِّ عَطِيَّة: "أَنَّهُنَّ جَعَلْنَ رَأْسَ بِنْتِ رَسُولِ الله - ﷺ -، ثَلاثَةَ قُرُونٍ نَقَضْنَهُ، ثُمَّ غَسَلْنَهُ، ثُمَّ جَعَلْنَهُ ثَلاثَةَ قُرُونٍ" (٢)، وفي رواية: "فَضَفَرْنَا شَعَرَهَا ثَلاثَةَ قُرُونٍ، وَأَلْقَيْنَاهَا خَلْفَهَا" (٣).
ويفهم جواز غسل المرأة للمرأة ولو كانت أجنبية، وأنّ الذَّكَرَ يتولّى غسله الرِّجالُ، والأنثى يتولّى غسلها النِّساءُ، ويُسْتَثْنَى من ذلك الزَّوجان فإنَّه يجوز لأحدهما أن يغسّل الآخر.
وتجدر الإشارة إلى أنَّ حديث "لِيُغَسِّلْ مَوْتَاكُمُ المَأْمُونُونَ" (٤) موضوع.