الحَمْدُ لله ربِّ العالمين، وصلَّى اللهُ على سيِّدنا محمَّد، وعلى آلهِ وصحبه وسلَّم، وبعد:
فإنَّ الله تعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ [الزّمر]، وهذا ينطبق على كلِّ مخلوق من الإنس والجنِّ والملائكة.
لقد مَنَّ الله تعالى على أخينا الأستاذ الشَّوابكة، فألَّف كتابًا يتضمَّنُ أحكام الموت من ساعة خروج الرُّوح إلى مبعث النَّاس يوم القيامة.
وقد توثَّق من النُّصُوصِ الَّتي احتجَّ بها وذهب إليها بالتَّصحيح والتَّضعيف، ينسب كلَّ قول إلى قائله ممَّن يتعاطى صناعة الحديث.
ولم يفته أن يذكر ما هو مستشهد به ممَّا لا يثبت عن رسول الله - ﷺ -، وقد قرأت كتابه هذا فرأيت فيه الاهتمام بالنُّصوص والاحتفال بها.
وبما أنَّ الموت لا بدَّ أنْ يذوقَه كلُّ مخلوق، فلم يكن بحاجة إلى مراجعة بقيَّة النُّصوص في الكتب الفقهيَّة؛ لأنَّ الموضوع يتعلَّق بالقرآن الكريم والحديث الشَّريف.
وهو كتاب جَدِير بِأَنْ يقرأَهُ كلُّ مسلم؛ ليأْخُذَ العظة والعبرة بالنِّهاية الحتميَّة الَّتي ينتهي إليها كلُّ مسلم، نعم مثل هذا الكتاب في هذا الزَّمن جدير بأَنْ يطبع وينشر، ويدخل إلى كُلِّ بيت مسلم، فإنَّ معظم النَّاس لا يفكِّرون بالموت، فَحُبُّ الدُّنيا والانهماك في شهواتها أَنْسَاهم ذِكْرَ الموتِ والتَّأثُّر به، مَعَ أنَّ النَّبِيَّ - ﷺ -
[ ٦ ]
كان يقول لأَصْحَابِه: "أَكْثِرُوا ذِكْرَ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ" (١)، حتَّى يكون المؤمن آخر عهده مُسْتَعِدًّا للقاء الله تعالى بالأعمال الصَّالحة الَّتي يقدِّمها.
وقد ذكر الشَّيخ أحمد الشّوابكة في هذا الكتاب المراحِلَ الَّتي يمرُّ بها الإِنسانُ في مرضه، وما ينبغي أَنْ ينْظُرَ فيه كلُّ مكلَّف من الأحكام حتَّى يتعبَّد بها المسلم، ويكون حريصًا على لقاء الله تعالى بالأعمال الصَّالحة والطَّاعة الواعية لما جاء في كتاب الله الكريم، وفي سنَّة النَّبيِّ - ﷺ - الصَّادق الوعد الأمين، ولا يليق بالمسلم أن يتجاهل هذه الأمور الَّتي تقرِّبه من الله تعالى، وتغرس الخوف في قلبه منه سبحانه، وتجعله مِنَ المُصْطَفيْنَ الْأَخْيَارِ، ويفوز برضوان الله تعالى وكرمه.
وأنا أنصح كُلَّ مسلم باقتناء هذا الكتاب؛ فإنَّه نِعْمَ المذكِّر للإنسان في مراحل حياته، ونعم المقوِّي لإيمان المرء وطاعته لله تعالى والخوف منه، والإقبال على كلِّ ما يتقرَّب به إليه.
ومن الجدير بالذِّكر أنَّ الأستاذ الشَّوابكة مَلَأَ كتابه بالاستدلال المحكم بكتاب الله تعالى وسُنَّة رسول الله - ﷺ -، ورجع إلى أمَّهات كتب السُّنَّة وأخذ ما صَحَّ منها، وهو أمر ينْدرُ في هذا الزَّمن الَّذي شاعت فيه الأحاديثُ الَّتي لا تثبت ولا تصحُّ عن النَّبيِّ - ﷺ -.
وأكبر الظَّنِّ أنَّ هذا الكتاب وما دوَّنه فيه من معان مأخوذة من كتاب الله تعالى وسنَّة رسوله - ﷺ - يُعَدُّ فريدًا في بَابِه، ونسألُ اللهَ تعالى أن يُوَفِّقَه للمزيد من هذه الأعمال الطَّيِّبة الموثَّقة، الَّتي تسهم في رَدِّ المسلمين إلى جَادَّة الصَّواب، وتوقفهم
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ٨/ص ٣٥/رقم ٧٩١٢) وإسناده صحيح.
[ ٧ ]
على المستندات العلميَّة الَّتي ينبغي أن تُعْتَبر في هذه الأعمال.
وختامًا، إنِّي لأعجب ممَّن على غبراء قد سكنوا، وهم يعلمون أنَّهم عن قريب سيرقدون مع من رقدوا، ولسوف يعلمون ما عنه قد غفلوا، كيف تطيب أنفسهم بعد هذا البيان أن يعرضوا عنه أو يغضوا منه!
موتوا على ما مات عليه رسولكم - ﷺ - تفلحوا، قال - ﷺ - عند نزول الموت به «اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الأَعْلَى» (١)، فَكَانَتْ تِلْكَ آخِرَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا النَّبيُّ - ﷺ - كما قالت أمُّنا عائشة - ﵂ -.
﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ [آل عمران].
شعيب الأرنؤوط
٢/رجب/١٤٣٦ هـ
٢١/نيسان/٢٠١٥ م
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٨/ص ١٠٦/رقم ٦٥٠٩) كِتَابُ الرِّقَاقِ.
[ ٨ ]
تقديم