من أسباب السَّلَامَةِ مِنْ نوازل الدَّهرِ ودوائر الشَّرِّ مكارمُ الأخلاق، فلمّا خشي النَّبيُّ - ﷺ - على نفسه مِنْ مَجِيءِ المَلَكِ، قالت له خديجة - ﵂ -: "كَلَّا، أَبْشِرْ، فَوَالله لا يُخْزِيكَ الله أَبَدًا، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ" (٢)، فمعنى كلام خديجة - ﵂ - أنّه لا يصيبه مكروه لما جمع من مكارم الأخلاق وحميد الفعال.
ويقي من موارد السُّوء أن تحفظ حدود الله تعالى، قال النَّبيُّ - ﷺ - يومًا لابن عبّاس - ﵄ -: "احْفَظِ اللهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللهَ تَجِدْهُ تُجَاهَكَ" (٣).
وبرُّ الوالدين يدفع المكاره ويقي من سوء المصار ع، وقد جعله الله تعالى سببًا في إجابة الدُّعاء، عَنِ ابْنِ عُمَرَ - ﵄ -، عَنْ رَسُولِ الله - ﷺ - قَالَ: " بَيْنَمَا ثَلاثَةُ نَفَرٍ يَتَمَاشَوْنَ أَخَذَهُمُ المَطَرُ، فَمَالُوا إِلَى غَارٍ فِي الجَبَلِ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ غَارِهِمْ صَخْرَةٌ مِنَ الجَبَلِ فَأَطْبَقَتْ عَلَيْهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: انْظُرُوا أَعْمَالًا عَمِلْتُمُوهَا لله صَالِحَةً، فَادْعُوا الله بِهَا لَعَلَّهُ يَفْرُجُهَا. فَقَالَ أَحَدُهُمْ: اللَّهُمَّ إِنَّهُ كَانَ لِي وَالِدَانِ شَيْخَانِ كَبِيرَانِ، وَلِي صِبْيَةٌ صِغَارٌ، كُنْتُ أَرْعَى عَلَيْهِمْ، فَإِذَا رُحْتُ عَلَيْهِمْ فَحَلَبْتُ بَدَأْتُ
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ١٠/ص ١٥١/رقم ١١٣٨٣) وإسناده صحيح.
(٢) البخاريّ "صحيح البخاريّ" (ج ٩/ص ٢٩/رقم ٦٩٨٢) كتاب التّعبير.
(٣) أحمد "المسند" (ج ٣/ص ١٩٤/رقم ٢٦٦٩) وإسناده صحيح.
[ ٣٦ ]
بِوَالِدَيَّ أَسْقِيهِمَا قَبْلَ وَلَدِي، وَإِنَّهُ نَاءَ بِيَ الشَّجَرُ، فَمَا أَتَيْتُ حَتَّى أَمْسَيْتُ فَوَجَدْتُهُمَا قَدْ نَامَا، فَحَلَبْتُ كَمَا كُنْتُ أَحْلُبُ، فَجِئْتُ بِالحِلابِ فَقُمْتُ عِنْدَ رُؤوسِهِمَا، أَكْرَهُ أَنْ أُوقِظَهُمَا مِنْ نَوْمِهِمَا، وَأَكْرَهُ أَنْ أَبْدَأَ بِالصِّبْيَةِ قَبْلَهُمَا، وَالصِّبْيَةُ يَتَضَاغَوْنَ عِنْدَ قَدَمَيَّ، فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ دَأْبِي وَدَأْبَهُمْ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا فُرْجَةً نَرَى مِنْهَا السَّمَاءَ. فَفَرَجَ الله لَهُمْ فُرْجَةً حَتَّى يَرَوْنَ مِنْهَا السَّمَاءَ " (١).
ويصرف عنك السُّوء أن تكون عبدًا مُخْلَصًا، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ [يوسف]، فَعِلَّة صرف السُّوء والفحشاء عن يوسف - ﵇ - أنّه من عباد الله المخلصين.
ويدفع ميتة السّوء وينجي من سوء الخاتمة التّقوى والصِّلة، روى أحمد بإسناد قويّ عن عليّ - ﵁ -، قال: قال - ﷺ -: "مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُمَدَّ لَهُ فِي عُمْرِهِ، وَيُوَسَّعَ لَهُ فِي رِزْقِهِ، وَيُدْفَعَ عَنْهُ مِيتَةُ السُّوءِ، فَلْيَتَّقِ اللهَ وَلْيَصِلْ رَحِمَهُ" (٢).
واصطناع المعروف يقي من مصارع السّوء، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوء" (٣).
فاصنع المعروف مع أهله ومع غير أهله؛ فالمعروف حتّى لو ضاع عند
_________________
(١) البخاريّ "صحيح البخاريّ" (ج ٨/ص ٣/رقم ٥٩٧٤) كتاب الأدب.
(٢) أحمد "المسند" (ج ٢/ص ١٠٤/رقم ١٢١٢) وإسناده صحيح.
(٣) الطَّبَرَانِيُّ "المعجم الكبير" (ج ٨/ص ٢٦١/رقم ٨٠١٤). وقال الهيثمي في "مجمع الزّوائد" (ج ٣/ص ١١٥/رقم ٤٦٣٧): رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ.
[ ٣٧ ]
المصطنع إليه ولم يصب أهله فإنَّه لا يضيع عند الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ (١١٥)﴾ [آل عمران].