مِن الأمور الَّتِي ينبغي أن يفعلها مَنْ حَضَر مَنْ حضرته الوفاة: أن يدعو له ولا يقول عنده إلّا خيرًا، وأن يُطْمِعَه برحمة الله تعالى وفضله، وأن يُلَقِّنَه الشَّهادة، وهذا بيان ذلك.
أوّلًا: على مَنْ حَضَر الدّعاء لمن حُضِر
على من حَضَرَ الدُّعاء لمن حُضِر، وقول الخير عنده، وترك الدُّعاء بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ؛ فإنَّ الملائكة تحضر وتؤمِّن (يَقُولُونَ آمِينَ) على دعائهم فيستجاب دعاء الملائكة فيهم، عنْ أُمِّ سَلَمَةَ - ﵂ -، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "إِذَا حَضَرْتُمُ المَرِيضَ، أَوِ المَيِّتَ، فَقُولُوا خَيْرًا، فَإِنَّ المَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ" (١).
ثانيًا: يستحب لمن حضر أن يطمع المحتضر في رحمة الله تعالى
نعم، يستحبُّ لمن حَضَرَ أن يُطْمِعَ المحتضِر في رَحمةِ الله تعالى بتذكيره بمحاسن عمله، وَفَعَلَ ذلك ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ - لِعُمَرَ - ﵁ - عِنْدَ احْتِضَارِهِ، فلمَّا طُعِنَ عُمَرُ - ﵁ - جَعَلَ يَأْلَمُ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -: "يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، وَلَئِنْ كَانَ ذَاكَ، لَقَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ الله - ﷺ -، فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ أَبَا بَكْرٍ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُ، ثُمَّ فَارَقْتَهُ وَهُوَ عَنْكَ رَاضٍ، ثُمَّ صَحِبْتَ صَحَبَتَهُمْ فَأَحْسَنْتَ صُحْبَتَهُمْ، وَلَئِنْ فَارَقْتَهُمْ لَتُفَارِقَنَّهُمْ وَهُمْ
_________________
(١) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٢/ص ٦٣٣) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.
[ ٧٦ ]
عَنْكَ رَاضُونَ" (١).
وفعله ابنُ عبَّاس - ﵄ - مع عائشة - ﵂ -، فقد دخل عليها قَبْلَ مَوْتِهَا وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ، فقال: "فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شَاءَ الله، زَوْجَةُ رَسُولِ الله - ﷺ -، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّمَاءِ" (٢). وفي رواية أَنَّ عَائِشَةَ - ﵂ - اشْتَكَتْ، فَجَاءَ ابْنُ عَبَّاسٍ - ﵄ -، فَقَالَ: " يَا أُمَّ المُؤْمِنِينَ، تَقْدَمِينَ عَلَى فَرَطِ صِدْقٍ: عَلَى رَسُولِ الله - ﷺ -، وَعَلَى أَبِي بَكْرٍ" (٣).
ولمّا حضرت عَمْرَو بْن الْعَاصِ الوفاة، بكى طَوِيلًا، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إِلَى الْجِدَارِ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ: "يَا أَبَتَاهُ، أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِكَذَا؟ أَمَا بَشَّرَكَ رَسُولُ الله - ﷺ - بِكَذَا؟ " (٤).
ثالثًا: أن يُلقِّن مَنْ حضرته الوفاة لا إله إلا الله
أوَّلُ أحكام المُحْتَضَرِ تَلْقِينُه لَا إِلَهَ إِلَّا الله، والتّلقين سُنَّةٌ أُمِرْنا بِهَا، فقد نَدَبَ النَّبيُّ - ﷺ - إليها، وقال: "لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ" (٥) أي ذكِّروهم بها، وذلك في آخر يوم من أيَّام الدُّنيا، وأوّل يوم من أيَّام البرزخ.
وصفة التَّلقين أن تأمر المحتضر أن يقول لا إله إلّا الله، فإن قالها فلا تكلّمه
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٥/ص ١٢/رقم ٣٦٩٢) كتاب أصحاب النَّبيِّ - ﷺ -.
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٦/ص ١٠٦/رقم ٤٧٥٣) كِتَابُ تَفْسِيرِ القُرْآنِ.
(٣) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٥/ص ٢٩/رقم ٣٧٧١) كتاب أصحاب النَّبيِّ - ﷺ -.
(٤) مسلم "صحيح مسلم" (ج ١/ص ١١٢) كِتَابُ الْإِيمَان.
(٥) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٢/ص ٦٣١) كِتَابُ الْجَنَائِزِ.
[ ٧٧ ]
بكلمة بعدها لِتَكُونَ آخِرَ كَلَامِهِ، فإن قالها ثمَّ تكلّم بكلام آخر أُعِيدَت عَلَيْهِ، رجاء أن يموت عليها، فيفلح.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - عَادَ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ فَقَالَ: "يَا خَالُ، قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، فَقَالَ: أَخَالٌ أَمْ عَمٌّ؟ فَقَالَ: لَا، بَلْ خَالٌ، قَالَ: فَخَيْرٌ لِي أَنْ أَقُولَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ - ﷺ -: نَعَمْ" (١).
ويقتضي عَدْلُ الله - ﷻ - أنَّ مَنْ عاش على كَلِمَة التَّوْحِيدِ (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) مات عليها، وبعث عليها في زمرة الموحّدين، قال النَّبِيُّ - ﷺ -: "مَنْ مَاتَ عَلَى شَيْءٍ بَعَثَهُ الله عَلَيْهِ" (٢)، ويفسّره قولُ النَّبِيِّ - ﷺ -: "مَنْ مَاتَ عَلَى مَرْتَبَةٍ مِنْ هَذِهِ المَرَاتِبِ بُعِثَ عَلَيْهَا" (٣) يعني الرِّبَاط أو الحَجّ أَوْ نَحْو ذَلِكَ، ويؤكّده قول النَّبِيِّ - ﷺ -: " يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ" (٤)، فكلمة التّوحيد عَلَيْهَا نَحْيَا، وَعَلَيْهَا نَمُوتُ، وعليها نبعث، وعليها نلقى الله - ﷿ -.