دخلت على كَثِير مِنَ المُحْتَضرِينَ، وأعْزِزْ عليَّ بأنْ أراهم مفارقين وعن هذه الدَّار راحلين، وزاد أحزانًا فِي نَفْسِي أنِّي عرفت أنَّ كثيرًا منهم لا يعرف ما عليه فعله في هذه السَّاعة؛ فمن الأمور الَّتي تلزم من كان فِي سِيَاقِ المَوْتِ: أن يرضى بالقضاء ويحمد الله تعالى حتّى على نزع روحه، وأن يحسن الظَّنَّ بالله تعالى، وأن
[ ٥٩ ]
يكون بين الخوف والرّجاء، وألّا يتمنَّى الموت، وأن يؤدِّي ما عليه، وأن يكثر من الذِّكر والاستغفار والدُّعاء، وأن يسأل الله - ﷻ - أن يقبضه على لا إله إلّا الله، وأن يوفّقه لعمل صالح بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ، وأن يتعوّذ بالله من أن يتخبَّطه الشَّيطان عند موته، وأن يكتب وصيَّته، وَإِلَيْك بَيَان ذَلِك.
أوّلًا: أن يرضى بالقضاء ويحْمَد اللهَ حَتّى عَلَى قَبْضِ رُوحِه
على المحتضر أن يصبر ويرضى بقضاء الله تعالى، فالمُؤْمِنُ أَمْرُهُ كُلُّهُ خَيْرٌ، قال النَّبيُّ - ﷺ -: "عَجَبًا لِأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ" (١).
وعليه أن يحْمَدَ اللهَ تعالى حَتىَّ عَلَى قَبْضِ رُوحِه، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، يَقُولُ: "إِنَّ اللهَ - ﷿ - يَقُولُ: إِنَّ عَبْدِي المُؤْمِنَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ كُلِّ خَيْرٍ، يَحْمَدُنِي وَأَنَا أَنْزِعُ نَفْسَهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ" (٢)، وقال النَّبيُّ - ﷺ -: "إِنَّ المُؤْمِنَ تَخْرُجُ نَفْسُهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ وَهُوَ يَحْمَدُ اللهَ - ﷿ - " (٣).
فقابل قضاء الله تعالى بعين الرِّضا ولا تجزع ما دام الجزع لا يَدْفَع حتفًا قاضيًا، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٧)﴾ [لقمان].
أَتَجْزَعُ إنْ نَفْسٌ أَتَاهَا حِمَامُها فهلَّا الَّتِي عَن بَين جنبَيْك تَدْفعُ
_________________
(١) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٤/ص ٢٢٩٥) كِتَابُ الزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ.
(٢) أحمد "المسند" (ج ١٤/ص ١٩١/رقم ٨٤٩٢) إسناده جيّد.
(٣) أحمد "المسند" (ج ٤/ص ٤٣٦/رقم ٢٤١٢) حديث حسن.
[ ٦٠ ]
ثانيًا: أن يحُسْنَ الظَّنَّ بِالله تَعَالَى عِنْدَ المَوْتِ
حذَّر النَّبيُّ - ﷺ - من القنوط واليأس، وَحَثَّ على الرَّجاء عند الخاتمة، ودعا إلى مُجَانَبَةِ سُوءِ الظَّنِّ بالله تعالى، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله الْأَنْصَارِيِّ، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَبْلَ مَوْتِهِ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، يَقُولُ: "لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إِلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِالله - ﷿ - " (١).
والمراد بحسن الظَّنِّ بالله تعالى أَنْ يظنَّ العَبْدُ أنَّ الله تعالى يرحمه ويعفو عنه إذا نزل به الموت؛ ولذلك ينبغي أن يُبَشَّرَ الإنسانُ عند موته، ويُذَكَّر بمحاسن عمله حَتَّى يلقى الله تعالى وَهُوَ حسن الظَّنِّ به، فالله تعالى يجازي بحسب الظَّنِّ به، فَمَنْ رَجَا رحمة الله تعالى، وظنَّ أنّه يعفو عنه ويغفر له فله ما أَمَّلَ وَرَجَا، قال النَّبيُّ - ﷺ -: يَقُولُ الله تَعَالَى: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي" (٢)، وقال - ﷺ -: قَالَ اللهُ - ﷿ -: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ" (٣)، وقال - ﷺ -: قَالَ اللهُ - ﷿ -: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وَأَنَا مَعَهُ حَيْثُ يَذْكُرُنِي" (٤)، وقال - ﷺ -: إِنَّ الله جَلَّ وَعَلَا يَقُولُ: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، إِنْ ظَنَّ خَيْرًا فَلَهُ، وَإِنْ ظنَّ شرًّا فله" (٥).
_________________
(١) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٤/ص ٢٢٠٦) كتاب الْجَنَّةِ وَصِفَة نَعِيمِهَا.
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٩/ص ١٢١/رقم ٧٤٠٥) كِتَابُ التَّوْحِيدِ.
(٣) أحمد "المسند" (ج ٢٥/ص ٣٩٨/رقم ١٦٠١٦) إسناده صحيح.
(٤) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٤/ص ٢١٠٢) كتاب التَّوْبَةِ.
(٥) ابن حبّان "صحيح ابن حبّان" (ج ٢/ص ٤٠٥/رقم ٦٣٩) إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٦١ ]
والظَّنُّ نوعان: حسن مُنْجٍ، وقبيح مُرْدٍ، فالأوّل: مثل قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾ [البقرة]، وقوله: ﴿إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾ [الحاقة]، والثّاني: قوله تعالى: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [فصّلت].
فتَحْسِين الظَّنِّ بالله تَعَالَى مَنْدُوبٌ لِلْمَرِيضِ، خاصّة المريض مرض الموت، واليأس من رحمة الله ذنب عظيم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾ [يوسف]، وقال تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ [الحجر].
ثالثًا: أن يكون بين الخوف والرّجاء
عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ النَّبِيَّ - ﷺ - دَخَلَ عَلَى شَابٍّ وَهُوَ فِي المَوْتِ، فَقَالَ: "كَيْفَ تَجِدُكَ؟ قَالَ: والله يَا رَسُولَ الله، إِنِّي أَرْجُو الله، وَإِنِّي أَخَافُ ذُنُوبِي، فَقَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: لَا يَجْتَمِعَانِ فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي مِثْلِ هَذَا المَوْطِنِ إِلَّا أَعْطَاهُ الله مَا يَرْجُو وَآمَنَهُ مِمَّا يَخَافُ" (١).
وقد امتدح الله تعالى أهل الخوف والرّجاء، فقال: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ (٩)﴾ [الزّمر].
_________________
(١) التّرمذي "سنن التّرمذي" (ص ٢٣٤/رقم ٩٨٣) وقال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ هَذَا الحَدِيثَ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنِ النَّبِيِّ - ﷺ - مُرْسَلًا. وحسّنه الألباني في "المشكاة" (ج ١/ص ٥٠٦/رقم ١٦١٢)، وفي "الأحكام" (ص ٣).
[ ٦٢ ]
رابعًا: ألّا يَتَمَنَّى المَوْتَ
زجر النَّبيُّ - ﷺ - عن تمنّي الموت وكرَّه إلينا الدُّعاء به سواء كان الإنسان محسنًا أو مسيئًا، وبيَّن لنا الحكمة من ذلك، فلعلّه إن كان محسنًا يزداد خيرًا، وإنْ كان مسيئًا يرجع عَنْ إِسَاءَتِهِ، قال - ﷺ -: "وَلا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ: إِمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ خَيْرًا، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ" (١).
وقال - ﷺ -: "لا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمُ المَوْتَ مِنْ ضُرٍّ أَصَابَهُ، فَإِنْ كَانَ لا بُدَّ فَاعِلًا، فَلْيَقُلْ: اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الحَيَاةُ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا كَانَتِ الوَفَاةُ خَيْرًا لِي" (٢).
خامسًا: أن يؤدِّي ما عليه من حقوق
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ، فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ اليَوْمَ، قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ" (٣).
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ -، قَالَ: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ لِأَخِيهِ مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ" (٤).
_________________
(١) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٧/ص ١٢١/رقم ٥٦٧٣) كِتَابُ المَرْضَى.
(٢) المرجع السّابق.
(٣) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٣/ص ١٢٩/رقم ٢٤٤٩) كِتَابُ المَظَالِم.
(٤) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٨/ص ١١١/رقم ٦٥٣٤) كِتَابُ الرِّقَاقِ.
[ ٦٣ ]
سادسًا: أن يكثر من الذّكر والاستغفار والدّعاء
عليه أن يكثر من الذِّكر وَالتَّهْلِيلِ، قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "إِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، والله أَكْبَرُ، قَالَ يَقُولُ الله - ﷿ -: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَأَنَا أَكْبَرُ، وَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَحْدِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله لَا شَرِيكَ لَهُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا وَلَا شَرِيكَ لِي، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، لِي المُلْكُ، وَلِيَ الْحَمْدُ، وَإِذَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا الله، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بالله، قَالَ: صَدَقَ عَبْدِي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِي. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ: ثُمَّ قَالَ الْأَغَرُّ شَيْئًا لَمْ أَفْهَمْهُ، قَالَ: فَقُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ: مَا قَالَ؟ فَقَالَ: مَنْ رُزِقَهُنَّ عِنْدَ مَوْتِهِ لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ" (١).
وعند التّرمذي، وَكَانَ يَقُولُ: "مَنْ قَالَهَا فِي مَرَضِهِ ثُمَّ مَاتَ لَمْ تَطْعَمْهُ النَّارُ" (٢).
وأن يكثر من الاستغفار، عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ - ﵁ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "سَيِّدُ الِاسْتِغْفَارِ اللَّهُمَّ أَنْتَ رَبِّي لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي فَاغْفِرْ لِي، إِنَّهُ لَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ. قَالَ: مَنْ قَالَهَا بَعْدَمَا يُصْبِحُ مُوقِنًا بِهَا، فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَمَنْ قَالَهَا بَعْدَمَا يُمْسِي مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ
_________________
(١) ابن ماجة "سنن ابن ماجة" (ج ٤/ص ٧٠٩/رقم ٣٧٩٤) إسناده صحيح.
(٢) التّرمذي "سنن التّرمذي" (ص ٧٨٠/رقم ٣٤٣٠) وقال أبو عيسى التّرمذي: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
[ ٦٤ ]
مِنْ لَيْلَتِهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ" (١). وأن يكثر من الدُّعاء، سَمِعَتْ عائشةُ النَّبِيَّ - ﷺ - وَأَصْغَتْ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ، وَهُوَ مُسْنِدٌ إليها ظَهْرَهُ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ" (٢)، وأن يحرص أن يكون آخر عهده في الدُّنيا، لَا إِلَهَ إِلَّا الله.
سابعًا: أن يسأل الله تعالى أن يوفّقه لعمل صالح بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ
عَنْ أَنَسٍ - ﵁ -، أَنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ: "لَا عَلَيْكُمْ أَنْ لَا تَعْجَبُوا بِأَحَدٍ، حَتَّى تَنْظُرُوا بِمَ يُخْتَمُ لَهُ، فَإِنَّ الْعَامِلَ يَعْمَلُ زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ، أَوْ بُرْهَةً مِنْ دَهْرِهِ، بِعَمَلٍ صَالِحٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا سَيِّئًا، وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ الْبُرْهَةَ مِنْ دَهْرِهِ بِعَمَلٍ سَيِّئٍ، لَوْ مَاتَ عَلَيْهِ دَخَلَ النَّارَ، ثُمَّ يَتَحَوَّلُ فَيَعْمَلُ عَمَلًا صَالِحًا، وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا اسْتَعْمَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ. قَالُوا: يَا رَسُولَ الله، وَكَيْفَ يَسْتَعْمِلُهُ؟ قَالَ: يُوَفِّقُهُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ، ثُمَّ يَقْبِضُهُ عَلَيْهِ" (٣).
وقال - ﷺ -: "إِذَا أَرَادَ الله بِعَبْدٍ خَيْرًا عَسَلَهُ قَبْلَ مَوْتِهِ، قِيلَ: وَمَا عَسَلُهُ قَبْلَ مَوْتِهِ؟ قَالَ: يُفْتَحُ لَهُ عملٌ صالحٌ بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِهِ حَتَّى يَرْضَى عَنْهُ" (٤).
ثامنًا: أَنْ يَتَعَوَّذَ بالله تعالى من أن يتخبّطه الشَّيْطَانُ عِنْدَ المَوْتِ
وعليه أن يتعوّذ بالله تعالى مِنْ أن يستولي عليه الشَّيطان عند الموت، عن
أبي اليَسَر - ﵁ - أنَّ رَسُولَ الله - ﷺ - كان يدعو: "وَأَعُوذُ بِكَ أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ٢٨/ص ٣٥٥/رقم ١٧١٣٠) إسناده صحيح على شرط البخاري.
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٦/ص ١١/رقم ٤٤٤٠) كِتَابُ المَغَازِي.
(٣) أحمد "المسند" (ج ١٩/ص ٢٤٦/رقم ١٢٢١٤) إسناده صحيح على شرط الشّيخين.
(٤) ابن حبّان "صحيح ابن حبّان" (ج ٢/ص ٥٤/رقم ٣٤٢) إسناده صحيح على شرط مسلم.
[ ٦٥ ]
عِنْدَ المَوْتِ" (١)، ودعا به - ﷺ - تعليمًا لنا؛ فالشَّيطان يجتهد على الإنسان من المهد إلى اللّحد، قال النَّبيُّ - ﷺ -: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُ أَحَدَكُمْ عِنْدَ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ شَأْنِهِ" (٢).
فَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ، فاعلم أنَّ لك جِيرَانًا يجب التيقّظ لهم والاستعاذة بالله من شرِّهم: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾ [المؤمنون]، وأنَّ لك جِيرَانًا يجب أن لا تسيء جوارهم: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ [الانفطار].
وخير سبيل للنَّجاة من الشّيطان اللُّجُوءُ إلى الله تعالى والاستعاذة به، قال تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ [الأعراف]، والتّقوى نجاة للإنسان مِن مسِّ الشَّيطان: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (٢٠١)﴾ [الأعراف].
وكيد الشَّيطان ضعيف: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ [النِّساء]،
_________________
(١) "صحيح أبي داود" (ج ٥/ص ٢٧٤/رقم ١٣٨٨) وقال الألباني: إسناده صحيح على شرط مسلم. وضعّفه شعيب الأرنؤوط لاضطرابه في "سنن أبي داود" (ج ٢/ص ٦٤٩/رقم ١٥٥٢) وكذا في "المسند" (ج ٢٤/ص ٢٨١/رقم ١٥٥٢٣)، وقال الهيثمي في "مجمع الزّوائد" (ج ٢/ص ٣١٨/رقم ٣٨٨٥): رَوَاهُ أَحْمَدُ وَفِيهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ إِسْحَاقَ وَلَمْ أَجِدْ مَنْ وَثَّقَهُ، وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ ثِقَاتٌ، وأخرجه الحاكم في "المستدرك" (ج ١/ص ٧١٣/رقم ١٩٤٨) وقال: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ، وتعقّبه الذّهبي بقوله: أخرجه أبو داود والنّسائي بطرق، وليس فيه عن جدّه، وكذا قال ابن الملقّن.
(٢) مسلم "صحيح مسلم " (ج ٣/ص ١٦٠٧) كتاب الْأَشْرِبَةِ.
[ ٦٦ ]
وإذا ذكرت الله تعالى انخنس: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ [النَّاس]، ومع ذلك لا نستغني عن مجاهدة الشَّيطان، وَالتَّيَقُّظِ لِكَيْدِهِ ما دام فينا عِرْق يَنْبِضُ، أو عَيْنٌ تَطْرِفُ.
ولا ريب أنّ الله تعالى يوفِّق عباده المحسنين إلى سدِّ مداخل الشّيطان ويرزقهم الثَّبات عند الممات: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ [الإسراء]، وفضل الله - ﷻ - لَا يُخاف فَوْتُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ [الكهف].
أمّا اعتقاد بعض النّاس أَن الشَّيَاطِين يأْتونَ ويحضرون المحتضر على صفة أَبَوَيْهِ فِي زِيِّ يهود ونصارى، حَتَّى يعرضُوا عَلَيْهِ كل مِلَّة ليُضِّلوه، فهذا لا يصحّ، قَالَ ابن حجر الهيثميّ في الْفَتَاوَى الْحَدِيثِيَّةِ نقلًا عَنِ السّيوطِيِّ: "لم يَرِدْ ذلك" (١).
وعلّة التَّخصيص في قوله - ﷺ - (عِنْدَ المَوْتِ) في الحديث المتقدّم "وَأَعُوذُ بِكَ
أَنْ يَتَخَبَّطَنِي الشَّيْطَانُ عِنْدَ المَوْتِ" أنَّ المدار على العاقبة والخاتمة، قال النَّبيُّ - ﷺ -: "وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِالخَوَاتِيمِ" (٢)، وقال - ﷺ -: "إِنَّ العَبْدَ لَيَعْمَلُ، فِيمَا يَرَى النَّاسُ، عَمَلَ أَهْلِ الجَنَّةِ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَيَعْمَلُ فِيمَا يَرَى النَّاسُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ
الجَنَّةِ، وَإِنَّمَا الأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا" (٣).
فابتهل إليه سبحانه أن يلهمك عَمَلًا صَالِحًا قُبَيلَ مَوْتِك، وأن يَقْبِضك
_________________
(١) ابن حجر الهيثميّ "الفتاوى الحديثيّة" (ص ١١٨/رقم ١٢٣).
(٢) البخاريّ "صحيح البخاريّ" (ج ٨/ص ١٢٤/رقم ٦٦٠٧) كِتَابُ القَدَرِ.
(٣) البخاريّ "صحيح البخاريّ" (ج ٨/ص ١٠٣/رقم ٦٤٩٣) كِتَابُ الرِّقَاقِ.
[ ٦٧ ]
عَلَيْهِ، فالشّيطان حريص على أن لا تفلت منه إذ حضرتك الوفاة، وأن يتخبَّطك عند مغادرة الدّنيا، وأن يلقي الباطل في قلبك ويجريه على لسانك، فيحول بينك وبين التّوبة، ويخوفك اللهَ خَوْفًا يُؤَيِّسُكَ مِنْ رَحْمَتِهِ، ويكرِّه لك الموت ولقاء الله تعالى، ويجعلك تتأسّف على الحياة الدّنيا ومَنْ فيها، حتّى يُختَم لك بِسُوءِ. ولذلك حذَّرالنَّبيُّ - ﷺ - مِنْهُ ونبَّه عَلَى مُلَازَمَتِهِ لِلْإِنْسَانِ ما دامت روحه في جسده؛ لنتَأَهَّبَ ونَحْتَرِزَ مِنْهُ، فقال - ﷺ -: "إِنَّ إِبْلِيسَ قَالَ لِرَبِّهِ: بِعِزَّتِكَ وَجَلَالِكَ لَا أَبْرَحُ أُغْوِي بَنِي آدَمَ مَا دَامَتِ الْأَرْوَاحُ فِيهِمْ، فَقَالَ لَهُ اللهُ: فَبِعِزَّتِي وَجَلَالِي لَا أَبْرَحُ أَغْفِرُ لَهُمْ مَا اسْتَغْفَرُونِي" (١).
تاسعًا: أن يكتب وصيّته ويشهد عليها
على مَنْ أوشك على الموت ولم يكتب وصيّته أن يكتبها، قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾ [البقرة]، وَيُسْتَحَبّ تَعْجِيلُهَا، أي أن يَكْتُبَهَا فِي صِحَّتِهِ، لقول النَّبيِّ - ﷺ -: "مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي فِيهِ، يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إِلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ " (٢).
وقَالَ عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: "مَا مَرَّتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ الله - ﷺ - قَالَ ذَلِكَ إِلَّا وَعِنْدِي وَصِيَّتِي" (٣).
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ١٧/ص ٣٤٤/رقم ١١٢٤٤) حديث حسن.
(٢) البخاريّ "صحيح البخاريّ" (ج ٤/ص ٢/رقم ٢٧٣٨) كِتَابُ الوَصَايَا.
(٣) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٣/ص ١٢٥٠) كِتَابُ الْوَصِيَّةِ.
[ ٦٨ ]
وعليه أن يشهد عليها شاهدان عدلان مَنْعًا للنّزاع، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ (١٠٦)﴾ [المائدة]، وَالْكِتَابَةُ لَيْسَتْ شرطًا، وإنّما تصحُّ الوصيَّة باللَّفظ المسموع من الموصي.