عَدَّ بعضُ أَهْلِ العِلْم: الموت ليلة الجمعة أو نهارها من علاماتِ حُسْنِ الخاتمة، لما روى التّرمذيّ في آخر كتاب الجنائز بسند منقطع عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ النَّبيُّ - ﷺ -: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ يَوْمَ الجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ إِلَّا وَقَاهُ الله فِتْنَةَ القَبْرِ" (٢)، وأعلَّه التِّرْمِذِيّ بِانْقِطَاع مَا بَين ربيعَة بن سيف، وعبد الله بن عَمْرو.
قلت: وفي سنده هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، ورَبِيعَة بْن سَيْفٍ، وكلاهما ضعيف، لكن الحديث له شواهد، ولذلك حسّنه الألبانيّ بمجموع طرقه، وتعقّبه الأرنؤوط في
_________________
(١) النّسائيّ "سنن النّسائيّ" (ص ٦٣٠/رقم ٤٠٨١) حسن صحيح.
(٢) التّرمذيّ "سنن التّرمذيّ" (ص ٢٥٤/رقم ١٠٧٤) وقال أبو عيسى: هَذَا حَدِيثٌ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِمُتَّصِلٍ، وَلَا نَعْرِفُ لِرَبِيعَةَ بْنِ سَيْفٍ سَمَاعًا مِنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو. وقال الحافظ في "الفتح" (ج ٣/ص ٢٥٣): فِي إِسْنَادِهِ ضَعْفٌ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ نَحْوَهُ (ج ٧/ص ١٤٦/رقم ٤١١٣) وَإِسْنَادُهُ أَضْعَفُ. وقال المباركفوري في "تحفة الأحوذي" (ج ٤/ص ١٦٠): الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِانْقِطَاعِهِ لَكِنْ لَهُ شَوَاهِدُ، وقال الألبانيّ في "الأحكام" (ص ٣٥): الحديث بمجموع طرقه حسن أو صحيح، وتعقّبه شعيب الأرنؤوط في حاشية "المسند" (ج ١١/ص ١٥٠/رقم ٦٥٨٢)، فقال: الشَّواهد لا تصلح لتقوية الحديث، وقد أخطأ الألبانيّ في "الجنائز" فحسَّنه أو صحَّحه بها.
[ ١٠٠ ]
تحقيق المسند بأنّ الشَّواهد لا تصلح لتقوية الحديث.
وله طريق أخرى أخرجها أحمد، من رواية بَقِيَّة عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنْ أَبِي قَبِيلٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرو - ﵄ -، قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله - ﷺ -: "مَنْ مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَوْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ وُقِيَ فِتْنَةَ الْقَبْرِ" (١). وبقيَّة مختلف في الاحتجاج به، وهو ابن الوليد الحمصي يُدلِّس عن الضّعفاء ويسوّي.
وقد عقد البخاري في صحيحه (بَاب مَوْتِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ)، وأورد فيه حديث أبي بكر - ﵁ - لعائشة - ﵂ -، قَالَ لَهَا: "فِي أَيِّ يَوْمٍ تُوُفِّيَ رَسُولُ الله - ﷺ -؟ قَالَتْ: يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟ قَالَتْ: يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، قَالَ: أَرْجُو فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَ اللَّيْلِ" (٢). وفهم الحافظ ابن حجر من ذلك أنّ فَضْلَ المَوْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ البخاريّ، فقد كان أبو بكر يرجو ويرغب أن يموت في يوم الاثنين، ليوافق يوم موته - ﷺ -، قال: "وَكَأَنَّ الْخَبَرَ الَّذِي وَرَدَ فِي فَضْلِ المَوْتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَاقْتَصَرَ عَلَى مَا وَافَقَ شَرْطَهُ وَأَشَارَ إِلَى تَرْجِيحِهِ عَلَى غَيْرِهِ" (٣).
أمّا هل مِنْ فضل لمن مات في رمضان؟ فقد تقدّم أنّ من مات وهو صائم - في رمضان وفي غير رمضان - دخل الجنّة، قال النَّبيُّ - ﷺ -: "وَمَنْ صَامَ يَوْمًا ابْتِغَاءَ وَجْهِ الله خُتِمَ لَهُ بِهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" (٤). وقال النَّبيُّ - ﷺ -: "وَمَنْ خُتِمَ لَهُ بِصَوْمِ يَوْمٍ
_________________
(١) أحمد "المسند" (ج ١١/ص ٢٢٦/رقم ٦٦٤٦) إسناده ضعيف.
(٢) البخاري "صحيح البخاري" (ج ٢/ص ١٠٢/رقم ١٣٨٧) كِتَابُ الجَنَائِزِ.
(٣) الحافظ "فتح الباري" (ج ٣/ص ٢٥٣).
(٤) أحمد "المسند" (ج ٣٨/ص ٣٥٠/رقم ٢٣٣٢٤) وسبق الحديث عن إسناده.
[ ١٠١ ]
مُحْتَسِبًا عَلَى الله - ﷿ - دَخَلَ الْجَنَّةَ" (١).
هذا ويظنّ بعض النّاس أنَّ الموت في مكَّة والدَّفن فيها يختلف عن أيّ بلد آخر، وأنَّ فيه زيادة حسنات أو رفع درجات، قلت: والمعوّل عليه بعد رحمة الله تعالى العمل الصَّالح الخالص، وليس المكان الَّذي يدفن فيه الإنسان.
ولو كان للدّفن في مكّة فضيلة لما قال النَّبِيُّ - ﷺ - لأهل المدينة: "هَاجَرْتُ إِلَى الله وَإِلَيْكُمْ، فَالمَحْيَا مَحْيَاكُمْ، وَالمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ" (٢)، فقد اختار - ﷺ - المدينة حيًّا وميّتًا. ولو كان في الموت بمكّة مزيد فضل لأمر النَّبِيُّ - ﷺ - أصحابه أن يموتوا فيها، لكنّه لم يوص بذلك ولم يشرع نقل الميّت، وأنت ترى قبور الصَّحابة في الأردنّ والشّام والعراق واليمن وغيرها، هُنَا، وهُنَاكَ، وهُنَالِكَ.
فإن قيل فإنَّ النَّبيَّ - ﷺ -، قال: "مَنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَمُوتَ بِالمَدِينَةِ فَلْيَمُتْ، فَإِنِّي أَشْفَعُ لِمَنْ يَمُوتُ بِهَا" (٣)، فالمراد الاستقرار في المدينة إلى الموت، والتّوطّن فيها وعدم الخروج منها حتّى يأتي الموت، فيفوز العبد حينها بشفاعة المصطفى - ﷺ - قضاءً لحقِّ الجوار، وليست الشّفاعة والفضيلة لمن مات خارج المدينة ونقل إليها كما تأوّل بعضهم.
لكن يظهر أنّ الموت في المدينة أفضل لمن كان مقيمًا فيها من الموت في
_________________
(١) المخَلِّص "المُخَلِّصيَّاتُ" (ج ٣/ص ١٠٥/رقم ٢٠٩٤) وأورده الألبانيّ في "الصّحيحة" (ج ٤/ص ٢٠٠/رقم ١٦٤٥).
(٢) مسلم "صحيح مسلم" (ج ٣/ص ١٤٠٧) كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ.
(٣) أحمد "المسند" (ج ١٠/ص ٨٠/رقم ٥٨١٨) حديث صحيح.
[ ١٠٢ ]
غيرها، والله تعالى أعلم.
على كلّ إذا مات الإنسان في مكان أو زمان، لا نقول فيه شيئًا حتَّى ننظر إلى مَا مات عليه؛ فإن مات على عَمَلٍ صَالِحٍ وخُتِمَ لَهُ بِخَيْرٍ، قلنا: أَصَابَ إن شاء الله تعالى خَيْرًا.