الخطبة الثالثة
في خصال الفطرة الحمد لله الذي فطر الخلق على ما تستحسنه العقول، وأيد ذلك بما أنزله على الرسول، ففطرة الله التي جبل الناس عليها خلقا أمرهم بها تعبدا وشرعا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، عجزت عن إدراك حكمته الألباب، وذلت لعزته، وعظمته جميع الصعاب، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله المبعوث بالحنيفية ملة إبراهيم الذي اجتباه ربه وهداه إلى صراط مستقيم صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن سار على نهجهم القويم وسلم تسليما.
أما بعد: أيها المؤمنون اتقوا الله تعالى، وأقيموا وجوهكم للدين حنفاء متمسكين بالفطرة التي فطر الناس عليها، وهي طهارة الباطن والظاهر، فأما طهارة الباطن، فهي تطهير القلب من الإشراك، وإخلاص العبادة لله وحده، والقيام بالأعمال الصالحات، وأما طهارة الظاهر، فمنها ما في الصحيح صحيح مسلم عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ، قال: «عشر من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البراجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء يعني: الاستنجاء» قال الراوي، ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة، وفي حديث أبي هريرة ﵁ أن الختان من الفطرة، فهذه الأشياء العشرة كلها طهارة، وتنظيف تقضي بها الفطرة، وتستحسنها العقول، كما أن الشرع قد جاء بها، وحث عليها، فمنها قص الشارب وإحفاؤه، فإن بقاءه يجمع الأوساخ التي تمر به من الأنف، فإذا شرب الإنسان تلوث شرابه بها، فجاء الشرع والفطرة بإحفائه، وأما إعفاء اللحية وهو عدم التعرض لها بقص أو حلق أو نتف، فلأن الله خلقها تمييزا بين الذكور والإناث، وإظهارا للرجولية، والقوة، ولذلك لا تظهر إلا عند الحاجة إليها في وقت قوة الإنسان وجلده وتكليفه بمهمات الأمور أما في حال صغره، فلا تظهر؛ لأنه حينئذ لا يتحمل الأعباء، فجاء الشرع والقدر والفطرة بوجودها وإبقائها، وقد أمر النبي ﷺ بإعفائها وإرخائها وتوفيرها، وقال: خالفوا المشركين، وفروا اللحي، واحفوا الشوارب، وكان ﷺ وأصحابه قد هدوا إلى الفطرة، فكانوا يوفرون لحاهم، وخير الهدي هدي محمد ﷺ وأصحابه، فإنهم على النور المبين والصراط المستقيم، فحلق اللحية حرام؛ لأنه خروج عن الفطرة، ومخالفة للرسل وأتباعهم، وموافقة للمشركين، وتغيير لخلق الله تعالى بلا إذن منه، وليس إبقاء اللحية من الأمور العادية كما يظنه بعض الناس، وإنما هو من
[ ١٢٤ ]
الأمور التعبدية التي أمر بها رسول الله ﷺ، والأصل في أوامر النبي ﷺ التعبد والوجوب حتى يقوم دليل على خلاف ذلك قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] الفتنة فتنة الدين قد يرد المرء أمر النبي ﷺ، فيزيغ قلبه، فيهلك، والنبي ﷺ أمر بإعفاء اللحية، وأمر بمخالفة المشركين، فإذا فرض أن من المشركين الآن من يعفي لحيته، فإننا لن نترك أمر النبي ﷺ بإعفائها من أجل أن بعض المشركين يعفيها، لأن المشرك الذي يعفيها هو المتشبه بنا، ولسنا نحن المتشبهين به، ومن الفطرة السواك، لأن فيه تنظيفا للأسنان، وما يتسوك عليه من الفم، ويتأكد السواك عند المضمضة في الوضوء، وعند الصلاة، وعند القيام من النوم، وإذا دخل الإنسان بيته؛ لأن النبي ﷺ إذا دخل البيت، فأول ما يبدأ به السواك، ومن الفطرة استنشاق الماء؛ لأنه ينظف الأنف من الأوساخ، وقص الأظفار من الفطرة؛ لأن الأظفار إذا طالت اجتمع فيها من الأوساخ ما يكون ضررا على الإنسان، وغسل البراجم من الفطرة والبراجم هي الفروض التي بين مفاصل الأصابع؛ لأنها قد تجمع أوساخا، فمن الفطرة تعاهدها، وغسلها، ومن الفطرة نتف الآباط؛ لأن الشعر فيها يجمع أوساخا تحدث منها رائحة كريهة، والنتف يزيل الشعر، ويضعف أصولها، فمن لم ينتف الإبط، فليلحقه، أو يجعل فيه شيئا يزيله، وحلق العانة من الفطرة، وهي الشعر النابت حول القبل؛ لأن في ذلك تقوية للمثانة، ولأن بقاء الشعر يجمع أوساخا قد يكون فيه ضرر على المثانة التي هي مجمع البول، وقد وقت النبي ﷺ في قص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط، وحلق العانة أن لا تترك أكثر من أربعين ليلة، وأما الاستنجاء، فإنه من الفطرة، لأنه تطهير للمحل الذي يخرج منه البول أو الغائط. وأما الختان وهو ما يسمى بالطهار فهو من الفطرة؛ لأنه يكمل الطهارة، وفعله في زمن الصغر أفضل. أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ - مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ - مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٠ - ٣٢] بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم. . . الخ.
[ ١٢٥ ]