وهنا قال له الحكيم: إنه الإخلاص، فإذا نظرت أيها الشاب فتسجد أن الإيمان بالله يأخذك إلى الطاعة، والطاعة تأخذك إلى الإخلاص؛ فأنت لا يمكن أن تطيع إنسانًا دون أن تكون متأكدًا من أن عنده القدرة على فعل شيء أنت تريده منه، فأنت توكل محاميًا وأنت تعرف أن عند هذا المحامي القدرة على أن يدافع عنك؛ ولذلك فأنت تطيعه، وعندما تذهب للطيب ويحدد لك موعد لعمل عملية ما فإنه يقوم بعمل العملية
[ ٤٨ ]
في الموعد الذي ضربه لك، وأنت تطيعه في كل ذلك، وعندما يقول لك أي شيء فأنت تطيعه ويخدرك بالبنج وتسمع كلامه، ويفتح قلبك ولا تتكلم؛ وذلك لأنك معتقد في قدراته، فالإيمان بالله يصل بك إلى الطاعة، والطاعة تصل بك إلى الطريق الذي يليها وهو الإخلاص، فلا يمكن أن تؤمن بالله - ﷿ -، والله - ﷾ - يقول: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (١)، وقال - ﷿ -: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢)، وقال - ﷿ -: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ (٣)، وعن أمير المؤمنين أبي حفص عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها فهجرته إلى ما هاجر إليه" (٤)، وعن أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم،
_________________
(١) سورة غافر: ١٤.
(٢) سورة الكهف: ١١٠.
(٣) سورة البينة: ٥.
(٤) متفق عليه.
[ ٤٩ ]
ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" (١) .
إن هذا هو الإخلاص، فعندما تكون مخلصًا لله - ﷾ - تجد أنك قد أخذت هذا الإخلاص صفة وسمة، ويفتح الله عليك، فأي عمل بدون إخلاص وكأنك لا تعمل؛ لأنك تجد حلاوة العمل عندما تشعر فيه بالإخلاص والارتباط بالله - ﷾ -، وحلاوة الطاعة هي الارتباط بالله، فالطاعة لابد أن تكون لله وفيها إخلاص لله - ﷿ -.