عند ذلك قال الشاب للحكيم: لقد آمنت بالله - ﷿ -.. فقال له: بلى تذكَّر أنك مؤمن، ومن علامات الإيمان أن تشعر بحلاوته، ومن الشعور بحلاوته أن تؤمن على نفسك وعلى صحتك وعلى الناس جميعًا
[ ٤٠ ]
وأموالهم وأعراضهم؛ فالمؤمن لا يسرق الناس، ولا يكذب عليهم، ولا يخونهم، والمؤمن أخلاقه طيبة؛ ولذلك فالارتباط بالله - ﷿ - يجعلك تؤمن، وهذا الإيمان يقربك أكثر من الله - ﷾ -، والمؤمن يؤتمن على الناس وأموالهم وأسرارهم.. ثم نظر إلى عيني الشاب وقال له: أخبرني الآن.. هل أنت مؤمن؟ فقال له: أنا مؤمن، ولكن ليس بهذا الأسلوب الذي تتحدث عنه؛ فمن الممكن أن يكون هناك من يؤمن بالله - ﷿ - ولكنه يسرق الناس، وهو كذلك يصلي ويصوم، وأنت علمتني شيئًا هامًا جدًا، فقد يكون هناك من يتعامل مع الناس بالحسنى في ظاهره ويصلي ويصوم، ولكنه قد يسرق أو يكذب عليهم أو يخونهم في أمانتهم، وهذا فيه سمة من سمات المنافق، فالله - ﷿ - هو الذي يوزع الأرزاق، وهو - ﷾ - قد يغفر أي شيء، ولكن في حقوق الناس فلابد من طلب المسامحة من صاحب هذا الحق، فإذا أردت أن تصل إلى الطريق إلى الامتياز، ولكي تصل إلى الطريق إلى الله - ﷿ - فلابد من التقرب إلى الحق - ﷾ -، والله - ﷿ - أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، وهو - ﷾ - لا يرضى بالظلم أبدًا، كما روى الإمام مسلم عن أبي ذر - ﵁ - عن النبي - ﷺ - فيما روى عن الله ﵎ أنه قال: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا
[ ٤١ ]
فلا تظلموا " (١) .. وطالما أنك في الطريق إلى الامتياز فلابد من أن تعطي الناس حقوقها، ومن العطاء الذي تحدثنا عنه أن تعطي الناس حقوقهم، ومن العطاء والحب في الله أن تكتم أسرار الناس، وأن تبتعد عن الغيبة والنميمة، وسوف نتكلم عن ذلك بالتفصيل في المحطة القادمة إن شاء الله - ﷿ -، ونحن مازلنا نتكلم عن الارتباط بالله - ﷿ - من التسامح المتكامل، والحب في الله ولله، والعطاء غير المشترط، والإيمان بالله - ﷿ -، وهذا الإيمان باللهب - ﷿ - سيصل بك إلى شيء هام جدًا في الارتباط بالله.. فنظر الشاب وقال له: وما هو؟! فأنا الآن أشر بحلاوة لم أشعر بها من قبل فما هو السبب أني أشعر بهذه الحلاوة؟! لقد شعرت أن هذا هو الطريق إلى الامتياز.. فقال له: إنك كنت تركن إلى الأسباب -كما يفعل بعض الناس- دون أن تنتبه إلى أن الجذور الأساسية الموصلة للنجاح أساسها من عند الله - ﷿ -.. ثم قال له: سوف أكرر لك مرة أخرى، كي تظل ذاكرًا لهم ولا تنساهم في خضم الحياة، فكرر معي: ما هو أول شيء؟ فقال: التسامح المتكامل.. قال له: وبعد ذلك؟ فقال له: الحب في الله والحب لله.. قال له: وبعد ذلك؟ فقال: العطاء غير المشترط.. فقال له: يعني أن
_________________
(١) سورة آل عمران: ١٥٩.
[ ٤٢ ]
لا تشكو من أنك تعطي الناس ولا تأخذه منهم.. ثم قال له: وبعد ذلك؟ فقال: الإيمان بالله، وأن أي شخص يكون معي فسيكون في أمان وضمان، وسأحافظ على الناس، وعلى أموالهم، وعلى أسرارهم، وأعمل في تجارتي كما علمنا الرسول - ﷺ -، وهو الصادق الأمين، وأنا سأكون صادقًا وأمينًا إن شاء الله.. فقال له: أنت الآن تمشي في الطريق الصحيح إلى الامتياز، وبعد ذلك لكي تصل إلى الارتباط بالله - ﷿ - فطالما أنك وصلت للإيمان فتسجد نفسك وصلت للطاعة دون أن تشعر أو تتكلف ذلك..