أن تسامح الناس جميعًا، وإلا فسوف تحمل في قلبك وصدرك الغل والغضب والشك، وستجد نفسك تحمل طاقة سلبية ليس لها أي داعٍ إطلاقًا.. فقال الشاب: وكيف أتسامح؟! فلقد كان والدي يضربني بدون أي سبب، وكانت والدتي تخاصمني وتهجرني باستمرار، وكان إخوتي يستهزئون بي، فكيف أسامحهم؟! فقال له الحكيم: كيف تشعر وأنت تقول هذا الكلام؟ فقال له: أشعر بطاقة سلبية جدًا.. فقال له: وهل هذا هو الطريق إلى الامتياز؟! فسكت الشاب، وقال له: وهل ينبغي أن أسامحهم بعد كل الذي فعلوا معي؟! فقال له: افهم يا بني، إن التسامح من صفات الأقوياء، والتسامح يكون لله - ﷿ - وليس للناس وهذا بينك وبين الله - ﷿ -، وأنت تصلي وتدعو الله أن يسامحك وأنت تخطئ وتذنب كثيرًا، وكلنا نخطئ ونذنب كثيرًا ومع ذلك ندعو الله - ﷿ - أن يغفر لنا وأن يسامحنا، فعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: سمعت رسول الله
[ ٣٤ ]
- ﷺ - يقول: "قال الله ﵎: يا ابن آدم.. إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان فيك ولا أبالي، يا ابن آدم.. إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا لأتيتك بقرابها مغفرة" (١) .
وأنت الآن أيها الشاب.. هل تريد أن تسامح أم لا؟ فنظر إليه الشاب وقال له: لقد قررت أن أسامحهم.. فقال له الرجل: أغمض عينيك وخذ نفسًا عميقًا واجعل الزفير أطول من الشهيق، وهنا تدخل في مرحلة من الاسترخاء.. ثم قال: خذ الآن نفسًا عميقًا، ثم دعه يخرج ببطء إلى أن تشعر باسترخاء في جميع جسمك، والآن.. عد بذاكرتك إلى الوراء وفكر في والدك ووالدتك، وسامحهم الآن..
فأخذ الشاب في البكاء، فقال له الحكيم: لماذا تبكي؟! فقال له الشاب: لأني شعرت أني ظلمتهم، وأني كنت السبب في مشاكل كثيرة.. فقال له: اذهب الآن إلى أخوتك وسامحهم.. فقال له: لقد سامحتهم الآن.. فقال له: هل تعرف لماذا سامحتهم؟! لأنك بدأت تسامح، وشعرت بجمال التسامح، وعندما بكيت شعرت بأن الطاقة السلبية تخرج منك، وحل محلها طاقة روحانية، فكان أسهل عليك أن تسامح
_________________
(١) أخرجه الترمذي وأحمد.
[ ٣٥ ]
أكثر وأكثر، والآن سامح الناس جميعًا، ونظف طاقتك، ثم بعد ذلك عد إلى هنا.
وفعل الشاب، وعاد وعلى وجهه الابتسامة وعيناه مليئة بالدموع، وقال له: إنني لم أشعر بجمال التسامح من قبل؛ لأني في وقت من الأوقات كنت غضبان جدًا، وكنت أركز على الغضب.. فقال له: إن هذا مدخل من مداخل الشيطان؛ لأنه يدخل إليك في الوقت الذي يعرف أنك غضبان فيه، ويضخم المشكلة بداخلك، ويقول لك: لقد فعل معك كذا وكذا.. وهو يريد بذلك أن يبعدك عن الارتباط بالله - ﷿ - ويبعدك عن الإيمان بالله وعن الحب لله، وهذا هو عمل الشيطان، فوجد لك بابًا يدخل إليك منه، وأنت تسير في طريق الامتياز، وتحمل معك هذه الطاقة وهذا الحمل الثقيل؛ ولذلك فلابد أن ترتبط بالله - ﷿ -، وهذه هي أول جذور الامتياز.. التسامح المتكامل، وأنت الآن بدأت بها.. فقال له الشاب: وبعد ذلك؟! قال الحكيم: الحب في الله..