قال الشاب: وماذا بعد ذلك؟ فقال الرجل: إن الصلاة على وقتها من الطاعة التي تحدثنا عنها، فلابد من اتصال الصلة مع الله - ﷿ -، فعندما
[ ٤٥ ]
تقول: "الله أكبر" لابد وأن تعرف أن الله أكبر من كل شيء، ولا ينبغي أن تصلي قبل أن تكون مدركًا فعلًا ماذا ستفعل، وعندما تصلي يجب أن تصلي صلاة صحيحة، وعندما تنفق من وقتك في أي شيء فيجب أن يكون في شيء صحيح، فعندما تزكي مثلًا يجب أن تزكي زكاة صحيحة، وأي إنسان جاهل أو ضال يجب أن تساعده وأن تستفيد منه.. فقال له: وكيف أستفيد منه؟! فقال له: ساعده فهذه صدقة، والمسه واربت على كتفه، فهذه صدقة؛ لأنك حنوت عليه، وابتسم في وجهه، وادعُ له أن يفتح الله عليه، فعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: "تبسمك في وجه أخيك لك صدقة، وأمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر صدقة، وإرشادك الرجل في أرض الضلال لك صدقة، وبصرك للرجل الرديء البصر لك صدقة، وإماطتك الحجر والشوكة والعظم عن الطريق لك صدقة، وإفراغك من دلوك في دلو أخيك لك صدقة" (١) .. فأنت إن فعلت ذلك أجرًا عظيمًا وحسنات متعددة في عمل واحد، فكل شيء تفعله في سبيل الله تستفيد منه؛ لأنه يقربك من الله - ﷾ - أكثر.. ثم قال الرجل: كرر لي مرة أخرى أيها الشاب ما قلنا.. فقال له: التسامح المتكامل.. فقال له:
_________________
(١) رواه الترمذي.
[ ٤٦ ]
وبعد ذلك؟! فقال: الحب في الله والحب لله، وبعد ذلك العطاء غير المشترط، وبعد ذلك الإيمان بالله - ﷿ -.. فقال الرجل: أنا سأوقفك عند الإيمان بالله.. ثم قال له: هل تعرف ماذا يعني الإيمان بالله؟! فقال: أعرف.. فقال له الرجل: فماذا يعني؟ فقال الشاب: أن أكون مؤمنًا بوجود الله - ﷿ -.. فقال الرجل: إن هذا لا يكفي.. فقال الشاب: فماذا يعني؟! قال له: من كمال الإيمان بالله - ﷿ - أن تؤمن بكل ما جاء عن الله - ﷿ - وعن رسوله - ﷺ -، وتؤمن بكل الكتب التي ذكرها والتي لم يذكرها، وأن تؤمن بكل الرسل وأنبياء الذي ذكرهم والذين لم يذكرهم، ولتقُل معي: اللهم إني أشهدك وأشهد حملة عرشك وملائكتك ورسلك وجميع خلقك أنك أنت الله وحدك لا شريك لك، فأنت الأول والآخر، وأنت الظاهر والباطن، وأنت المقدم والمؤخر، وأنت المعطي والكريم، وأنت المنتقم الجبار، وأنت أرحم الراحمين.. فإذا بالشاب قد أخذ يبكي من حلاوة ذلك الكلام، ثم أكمل الحكيم: وأشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، وأشهد باليوم الآخر، وأشهد بالملائكة، وأشهد بكل ما جاء من عند الله - ﷾ -، وبذلك تكون مؤمنًا حقًا.. فقال الشاب: آمنت بالله.. فقال له: وتؤمن بأن محمد - ﷺ - رسول الله ونبيه.. فقال الشاب: أشهد أن
[ ٤٧ ]
سيدنا محمدًا رسول الله، وأشهد أن الجنة حق، وأن النار حق، وأشهد بالملائكة، وباليوم الآخر، وأشهد بجميع الرسل والأنبياء الذين ذكرهم والذي لم يذكرهم.. فقال له: أنت الآن آمنت بالله - ﷿ -؛ فاخرج إلى الناس الآن وقد تسلحت بهذه الأسلحة الرائعة من عند الله - ﷿ -.
التسامح المتكامل، والحب في الله ولله، والعطاء غير المشترط، والإيمان بالله.. ثم سكت الرجل الحكيم وابتسم، فقال له الشاب: يبدو أنت هناك الكثير والكثير.. فقال له الرجل: نعم فكل هذا جميل، ولكنه لا يكفي أيضًا.. فقال الشاب: وماذا أيضًا؟!