اعْلَم رَحِمك الله أَن فِي الْقَبْر وظلمته وضيقه ووحشته وَطرح الْمَيِّت فِيهِ غير موسد وَلَا ممهد قد بَاشر الثرى وواجه البلى وَترك دُنْيَاهُ للورى ونبذ مِنْهَا مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ بالعراء مَعَ حبيب تَركه وَقَرِيب أسلمه ونصير أفرده وَترك مَا كَانَ عَهده مَا يفطم النُّفُوس عَن الشَّهَوَات وَإِن كَانَت صعبة الْفِطَام ويقطعها عَن اللَّذَّات وَإِن كَانَ قطعهَا بعيد المرام إِذا بحث عَن الْحَقِيقَة وَنظر بِعَين البصيرة وَسمع النداء من قريب
بَيْنَمَا الْمَرْء فِي بلهنية مرتكضا فِي أمْنِيته غافلا عَن يَوْم صرعته ومنيته قد فتح للهو بَابه وَأرْسل عَلَيْهِ حجابه وَلم يبال بِمن لامه فِي ذَلِك أَو عابه إِذْ هجمت عَلَيْهِ الْمنية فهتكت أستاره وكسفت أنواره وطمست أَعْلَامه وآثاره فَأَخْرَجته من ذَلِك الْقصر المشيد والمنزل المنجد وَالْمَتَاع المزخرف المنضد إِلَى حُفْرَة من الأَرْض سَوْدَاء ضيقَة الجوانب والأرجاء مَمْلُوءَة من القرع والرعب مَا شَاءَ
فحذار رَحِمك الله حذار أَن تنْزع هَذَا المنزع وبدار عصمك الله بدار أَن تصرع هَذَا المصرع فيفت فِي عضدك وَيسْقط فِي يدك وَيَرْمِي بك عَن أهلك وولدك فِي مهواة تزدحم فِيهَا الْأَهْوَال وتنقطع فِيهَا الآمال قد جمعت فِيهَا جمعا ورصعت فِيهَا رصعا وَتركت للهوام والدود طعما ومرعى
[ ١٨٦ ]
وأنشدوا
يَا نَائِما والمنون يقْضى وغائبا وَالْحمام أوفى
جَاءَك أَمر وَأي أَمر طم على غَيره وَعفى
هَل بعد هَذَا المشيب شَيْء غير تُرَاب عَلَيْك يحفى
فَلَيْسَ ذَا الْأَمر بالهويني وَلَا بِشَيْء عَلَيْك يخفى
من بَعْدَمَا الْمَرْء فِي براح يَهْتَز تيها بِهِ وظرفا
سَاكن نفس قرير عين يرشف ثغر النَّعيم رشفا
إِذْ عصفت فِي ذراه ري ح تقصف كل الظُّهُور قصفا
فَبَاتَ فِي أَهله حصيدا قد جعفته الْمنون جعفا
فَعَاد ذَاك النَّعيم بؤسا وَصَارَ ذَاك السّكُون رجفا
وسيق سوقا إِلَى ضريح يرصف بالرغم فِيهِ رصفا
وَبَات للدود فِيهِ طعما وللهوام العطاش رشفا
وليته لم يكن رهينا بِكُل مَا قد هفا وأهفا
ولعلك قد كنت فِي الدُّنْيَا مِمَّن يشكو تَبْدِيل الْمنَازل وَإِن كَانَت حسانا وَيكثر فِيهِ تلونا وافتنانا وَلَا ترى لِرَبِّك ﷿ فِيهَا تفضلا وَلَا امتنانا
فَانْظُر الْآن كم بَين المنزلتين وَكم قدر مَا بَين الوحشتين إِلَّا أَن يدركك فيض الرَّحْمَة وتغشاك رَوَائِح الْمِنَّة فتتسع من الْقَبْر أقطاره وتمتد أنواره وَيكثر مؤنسوه وزواره
وأنشدوا فِي هَذَا الْمَعْنى
من كَانَ يوحشه تَبْدِيل منزله وَأَن يُبدل مِنْهَا منزلا حسنا
[ ١٨٧ ]
مَاذَا يَقُول إِذا ضمت جوانبها عَلَيْهِ وَاجْتمعت من هَا هُنَا وَهنا
مَاذَا يَقُول إِذا أَمْسَى بحفرته فَردا وَقد فَارق الأهلين والسكنا
هُنَاكَ يعلم قدر الوحشتين وَمَا يلقاه من بَات باللذات مرتهنا
يَا غَفلَة ورماح الْمَوْت شارعة والشيب ألْقى برأسي نَحوه الرسنا
وَلم أعد مَكَانا للنزولا وَلَا أَعدَدْت زادا وَلَكِن غرَّة وَمنى
إِن لم يجد من توالى جوده أبدا ويعف من عَفوه من طالبيه دنا
فيا إلهي ومزن الْجُود واكفة سَحا فتمطرنا الأفضال والمننا
آنس هُنَالك يَا رَحْمَن وحشتنا والطف بِنَا وترفق عِنْد ذَاك بِنَا
نَحن العصاة وانت الله ملجؤنا وَأَنت مقصدنا الأسني ومطلبنا
فَكُن لنا عِنْد بأساها وشدتها أولى فَمن ذَا الَّذِي بهَا يكون لنا
وَكَانَ عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ إِذا وقف على قبر بَكَى حَتَّى يبل لحيته فَقيل لَهُ تذكر الْجنَّة وَالنَّار فَلَا تبْكي وتبكي من هَذَا
فَقَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول الْقَبْر أول منزل من منَازِل الْآخِرَة فَإِن نجا مِنْهُ صَاحبه فَمَا بعده أيسر مِنْهُ وَإِن لم ينبح مِنْهُ فَمَا بعده أَشد مِنْهُ
وَسمعت رَسُول الله ﷺ يَقُول مَا رَأَيْت منظر قطّ إِلَّا والقبر أفظع مِنْهُ ذكره التِّرْمِذِيّ
وَذكر التِّرْمِذِيّ أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ دخل رَسُول الله ﷺ مُصَلَّاهُ فَرَأى أُنَاسًا كَأَنَّهُمْ يكثرون فَقَالَ أما أَنكُمْ لَو أَكثرْتُم ذكر هَادِم اللَّذَّات لَشَغَلَكُمْ عَمَّا أرى أَكْثرُوا ذكر هَادِم اللَّذَّات الْمَوْت فَإِنَّهُ لم يَأْتِ على الْقَبْر يَوْم إِلَّا تكلم فِيهِ فَيَقُول أَنا بَيت الغربة أَنا بَيت الْوحدَة أَنا بَيت التُّرَاب أَنا بَيت الدُّود والهوام فَإِذا دفن العَبْد الْمُؤمن قَالَ لَهُ الْقَبْر مرْحَبًا وَأهلا أما إِن كنت لأحب من يمشي على ظَهْري إِلَيّ فإد وليتك الْيَوْم وصرت إِلَيّ
[ ١٨٨ ]
فسترى صنعي بك قَالَ فيفسح لَهُ مد بَصَره وَيفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة وَإِذا دفن العَبْد الْفَاجِر أَو الْكَافِر قَالَ لَهُ الْقَبْر لَا مرْحَبًا وَلَا أَهلا أما إِن كنت لمن أبْغض من يمشي على ظَهْري إِلَيّ فَإِذا وليتك الْيَوْم وصرت إِلَيّ فسترى صنعي بك قَالَ فيلتئم عَلَيْهِ حَتَّى يلتقي عَلَيْهِ وتختلف أضلاعه قَالَ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ بأصابع يَدَيْهِ فَأدْخل بَعْضهَا فِي بعض وَقَالَ ويقيض الله لَهُ سبعين تنينا لَو أَن وَاحِدًا مِنْهَا نفخ فِي الأَرْض مَا أنبتت شَيْئا مَا بقيت الدُّنْيَا فتنهشه وتخدشه حَتَّى يبْعَث إِلَى الْحساب قَالَ وَقَالَ رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا الْقَبْر رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَو حُفْرَة من حفر النَّار
وروى أَبُو الْحجَّاج الثمالِي قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يَقُول الْقَبْر للْمَيت إِذا وضع فِيهِ وَيحك يَا ابْن آدم مَا غَرَّك بِي ألم تعلم أَنِّي بَيت الْفِتْنَة وَبَيت الظلمَة وَبَيت الْوحدَة وَبَيت الدُّود وَمَا غَرَّك بِي إِذْ كنت تمر بِي فدادا قَالَ فَإِن كَانَ مصلحا أجَاب عَنهُ مُجيب الْقَبْر فَيَقُول أَرَأَيْت إِن كَانَ مِمَّن يَأْمر بِالْمَعْرُوفِ وَينْهى عَن الْمُنكر قَالَ فَيَقُول الْقَبْر فَإِنِّي إِذن أَعُود عَلَيْهِ خضرًا وَيعود جسده نورا ويصعد روحه إِلَى رب الْعَالمين
ذكر هَذَا الحَدِيث أَبُو أَحْمد الْحَاكِم فِي كتاب الكنى وَذكره أَيْضا قَاسم بن أصبغ
قيل لأبي الْحجَّاج مَا الفداد قَالَ الَّذِي يقدم رجلا وَيُؤَخر أُخْرَى يَعْنِي الَّذِي يمشي مشْيَة المتبختر
وَقَالَ مُجَاهِد أول مَا يكلم ابْن آدم حفرته تَقول أَنا بَيت الدُّود وَبَيت الْوحدَة وَبَيت الوحشة وَبَيت الظلمَة وَبَيت الغربة هَذَا مَا أَعدَدْت لَك يَا ابْن آدم فَمَاذَا أَعدَدْت لي
وَقَالَ بعض الْحُكَمَاء أَرْبَعَة أبحر لأربعة الْمَوْت بَحر الْحَيَاة وَالنَّفس بَحر الشَّهَوَات والقبر بَحر الندامات وعفو الله بَحر الخطيئات
[ ١٨٩ ]
وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاء أَلا أخْبركُم بِيَوْم فقري يَوْم أنزل قَبْرِي
وَكَانَ جَعْفَر بن مُحَمَّد يَأْتِي الْقُبُور لَيْلًا وَيَقُول يَا أهل الْقُبُور مالكم إِذا دعوتكم لَا تُجِيبُونِي ثمَّ يَقُول حيل بَينهم وَالله وَبَين الْجَواب وَكَأَنِّي أكون مثلهم وَأدْخل فِي جُمْلَتهمْ ثمَّ يسْتَقْبل الْقبْلَة وَيُصلي حَتَّى يطلع الْفجْر
وأنشدوا
يَا نَائِما بالضريح هبا هاك نسيم الصَّباح هبا
وكل من نَام قد تشفى وَقَامَ من نَومه وهبا
قُم تروحه النَّهَار طلقا وصدره للأنام رحبا
وَالنَّاس كل إِلَى هَوَاهُ حرك طرفا وسل عضبا
قُم ويك طَال ذَا هجوع وَطَالَ حزني لَهُ وأربي
كم ذَا أنادي وَلَا مُجيب يُجيب دامي الْفُؤَاد صبا
وَلَو أنادي جماد صَخْر لرق لي لوعة ولبى
فَقَالَ لي ينْطق اعْتِبَارا تفهمه الْفتية الألبا
يَمْنعنِي أَن أُجِيب خطب صير سلم الخطوب حَربًا
أخرس مني أَلد خصما وقاد مني أَشمّ صعبا
فَخَل عني وَعَن جوابي فبحر همي يعب عبا
ولتبك إِن كنت ذَا بكاء نَفسك ذَنبا أَتَت فذنبا
فيا إلهي وَمن إِلَيْهِ مددت كفي رهبا ورغبا
بدد لحمي ورض عظمي وردني للهوام نهبا
وروعة للنشور عظمى قدت فُؤَادِي خوفًا ورعبا
رحماك فِي بائس فَقير قد طَاف شرقا وَطَاف غربا
فَلم يجد حَاجَة تقضي وَلَا رأى دَعْوَة تلبى
[ ١٩٠ ]
إِلَّا وَمن أفقكم حياها تسكب فَوق الْأَنَام سكبا
فَاغْفِر إلهي ذنُوب عبد تبت يَدَاهُ بِهن تَبًّا
إِن لم ينل من رضاك حظا وَلم يصب من جداك شربا
فَالْحَمْد فِي ذاكم وَفِي ذَا نَالَ أجاجا أَو نَالَ عذبا
قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز لبَعض جُلَسَائِهِ يَا فلَان لقد أرقت البارحة تفكرا فِي الْقَبْر وساكنه أَنَّك لَو رَأَيْت الْمَيِّت فِي قَبره بعد ثَلَاث لاستوحشت مِنْهُ بعد طول الْأنس بِهِ ولرأيت بَيْتا تجول فِيهِ الْهَوَام وَيجْرِي فِيهِ الصديد وتخترقه الديدان مَعَ تغير الرّيح وتقطع الأكفان وَكَانَ ذَلِك بعد حسن الْهَيْئَة وَطيب الرّيح ونقاء الثَّوْب ثمَّ شهق شهقة ثمَّ خر مغشيا عَلَيْهِ
حَدثنَا سُلَيْمَان بن أَحْمد قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا العلائي قَالَ أخبرنَا معدي بن سَابق البهدلي قَالَ بلغنَا أَن عمر بن عبد الْعَزِيز شيع جَنَازَة فَلَمَّا انصرفوا تَأَخّر عمر عَنْهَا وَأَصْحَابه فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنْت لم تَأَخَّرت عَنْهَا وتركتها فَقَالَ نعم ناداني الْقَبْر من خَلْفي يَا عمر بن عبد الْعَزِيز ألم تَسْأَلنِي مَا صنعت بالأحبة قلت بلَى قَالَ خرقت الأكفان ومزقت الْأَبدَان ومصصت الدَّم وأكلت اللَّحْم أَلا تَسْأَلنِي مَا صنعت بالأوصال قلت بلَى قَالَ نزعت الْكَفَّيْنِ من الكوعين وَكَذَلِكَ الفخذين من الرُّكْبَتَيْنِ والركبتين من السَّاقَيْن والساقين من الْقَدَمَيْنِ
ثمَّ بَكَى عمر وَقَالَ أَلا إِن الدُّنْيَا بَقَاؤُهَا قَلِيل وعزيزها ذليل وغنيها فَقير شابها يهرم وحيها يَمُوت وَلَا يغركم إقبالها مَعَ معرفتكم بِسُرْعَة إدبارها والمغرور من اغْترَّ بهَا أَيْن سكانها الَّذين بنوا مرابعها وشققوا أنهارها وغرسوا أشجارها وَأَقَامُوا فِيهَا أَيَّامًا يسيرَة وغرتهم بصحبتهم وغروا بنشاطهم فَرَكبُوا الْمعاصِي إِنَّهُم كَانُوا وَالله فِي الدُّنْيَا مغبوطين بِالْمَالِ على كَثْرَة الْمَنْع عَلَيْهِ محسودين على جمعه مَا صنع التُّرَاب بأبدانهم والرمل بأجسامهم والديدان بعظامهم وأوصالهم وَإِذا مَرَرْت فنادهم إِن كنت مناديا وادعهم إِن كنت لَا بُد
[ ١٩١ ]
دَاعيا وَمر بعسكرهم وَانْظُر إِلَى تقَارب مَنَازِلهمْ وسل غنيهم مَا بَقِي من غناهُ وسل فقيرهم مَا بَقِي من فقره وأسألهم عَن الألسن الَّتِي كَانُوا بهَا يَتَكَلَّمُونَ وَعَن الْأَعْين الَّتِي كَانُوا بهَا ينظرُونَ وسلهم عَن الْأَعْضَاء الرقيقة وَالْوُجُوه الْحَسَنَة والأجساد الناعمة مَا صنعت بهَا الديدان محت الألوات وأكلت اللحمان وعفرت الْوُجُوه ومحت المحاسن وَكسرت الفقار وأبانت الْأَعْضَاء ومزقت الأشلاء
قد حيل بَينهم وَبَين الْعَمَل وفارقوا الْأَحِبَّة فكم من ناعم وناعمة أَصبَحت وُجُوههم بالية وأجسادهم من أَعْنَاقهم بَائِنَة وأوصالهم متمزقة وَقد سَالَتْ الحدق على الوجنات وامتلأت الأفواه دَمًا وصديدا ودبت دَوَاب الأَرْض فِي أجسامهم وَتَفَرَّقَتْ أعضاؤهم ثمَّ لم يَلْبَثُوا وَالله إِلَّا يَسِيرا حَتَّى عَادَتْ الْعِظَام رميما قد فارقوا الحدائق فصاروا بعد السعَة إِلَى المضايق قد تزوجت نِسَاؤُهُم وترددت فِي الطّرق أبناؤهم فَمنهمْ وَالله الموسع لَهُ فِي قَبره الغض الناعم فِيهِ المتنعم بلذته فيا سَاكن الْقَبْر مَا الَّذِي غَرَّك فِي الدُّنْيَا هَل تظن أَنَّك تبقى أَو تبقى لَك أَيْن دَارك الفيحاء نهرك المطرد وَأَيْنَ ثمرتك الْحَاضِر ينعها وَأَيْنَ رقاق ثِيَابك وَأَيْنَ كسوتك لصيفك وشتائك هَيْهَات هَيْهَات يَا مغمض الْوَالِد وَالْأَخ وغاسله يَا مكفن الْمَيِّت وحامله يَا مدليه فِي قَبره وراحل عَنهُ
لَيْت شعري كَيفَ نمت على خشونة الثرى يَا لَيْت شعري بِأَيّ خديك بَدَأَ البلى يَا مجاور الهلكى صرت فِي محلّة الْمَوْتَى
لَيْت شعري مَا الَّذِي يلقاني بِهِ ملك الْمَوْت عِنْد خروجي من الدُّنْيَا وَمَا يأتيني بِهِ من رِسَالَة رَبِّي ثمَّ أنْشد
تغر بِمَا يفني وتشغل بالصبا لقد غر باللذات فِي النّوم حالم
نهارك يَا مغرور سَهْو وغفلة وليلك نوم والردى لَك لَازم
[ ١٩٢ ]
وتعمل فِيمَا سَوف تكره حبه كَذَلِك فِي الدُّنْيَا تعيش الْبَهَائِم
ثمَّ انْصَرف فَمَا بَقِي بعد ذَلِك إِلَّا جُمُعَة
حَدثنَا عبد الله بن مُحَمَّد قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الْحَضْرَمِيّ قَالَ أخبرنَا أَسد بن زيد قَالَ كُنَّا مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز فِي جَنَازَة فَلَمَّا أَن دفن الْمَيِّت ركب بغلة لَهُ صَغِيرَة ثمَّ جَاءَ إِلَى قبر فَرَكزَ عَلَيْهِ المقرعة فَقَالَ السَّلَام عَلَيْك يَا صَاحب الْقَبْر قَالَ عمر فناداني مُنَاد من خَلْفي عَلَيْك السَّلَام يَا عمر بن عبد الْعَزِيز عَم تسْأَل فَقلت عَن ساكنك وجارك قَالَ أما الْبدن فعندي وَأما الرّوح فعرج بِهِ إِلَى الله عزوجل وَمَا أَدْرِي أَي شَيْء حَاله قلت أَسأَلك عَن ساكنك وجارك قَالَ أسلت المقلتين على الْخَدين ومزقت الأكفان وأكلت الْأَبدَان ثمَّ ذكر نَحوه وَزَاد فَلَمَّا ذهبت أقفي ناداني ياعمر عَلَيْك بكفن لَا يبْلى قلت وَمَا كفن لَا يبْلى قَالَ اتقاء الله وَالْعَمَل الصَّالح
وَفِي بعض الْخطب المروية يَا ابْن آدم لَا يغرنك ارْتِفَاع ذكرك ونفاذ أَمرك وتشييد قصرك مَعَ مَا جمعت فِيهِ من الظباء الشرد والأوانس النهد وَالْمَتَاع المزخرف المنجد فَإنَّك تخرج مِنْهُ بالرغم وَالْأَمر الْجَزْم إِلَى بَيت الْحِجَارَة والرضم فتغتسل فِيهِ بصديدك وتأنس فِيهِ بحشراتك ودودك إِلَى أَن تبلغك الرجفة لهلاك هَذَا الْمَعْمُور ثمَّ الصَّيْحَة ليَوْم النشور وبعثرة الْقُبُور فَتخرج بِالْأَمر الْكِبَار إِلَى دَارك دَار الْقَرار إِمَّا إِلَى الْجنَّة وَإِمَّا إِلَى النَّار
وَأنْشد بَعضهم
من كَانَ مَسْكَنه قصرا يشيده فَإِن مَسْكَنه من بعد ذَا جدث
وَمن تكن فرشه فِيهَا مرقشة ففرشه فِي ضريح بعْدهَا الرثث
وَمن تكن آنسوه خردا لعبا فآنسوه هُنَاكَ الدُّود والعثث
وَمن غَدا وسط نَار شعره جزل فَإِن آخِره التمزيق والشعث
[ ١٩٣ ]
وليته مَعَ هَذَا لَو أَقَامَ غَدا لكنه لمهول بعد ينبعث
وَلَيْسَ ذَا الْأَمر مِمَّا يُسْتَطَاع لَهُ وصف وَلكنهَا الْأَمْثَال تعترث
فالبحر مضربه لذِي الندى مثل وَالنَّار تذكرها إِذْ يذكر الغرث
وَقيل لبَعض الزهاد مَا أبلغ العظات فَقَالَ النّظر إِلَى محلّة الْأَمْوَات
يرْوى أَن الاسكندر مر بِمَدِينَة قد ملكهَا عدَّة مُلُوك وبادوا فَقَالَ هَل بَقِي من نسل هَؤُلَاءِ الْمُلُوك أحد فَقيل لَهُ مَا بَقِي مِنْهُم إِلَّا رجل وَاحِد يكون فِي هَذَا الْمَقَابِر فَدَعَا بِهِ فَلَمَّا حضر قَالَ لَهُ مَا الَّذِي حملك على لُزُوم الْمَقَابِر قَالَ أردْت أَن أميز عِظَام الْمُلُوك من عِظَام عبيدهم فَوجدت الْكل سَوَاء فَقَالَ لَهُ الاسكندر هَل لَك أَن تتبعني فأحيي بك شرف أبائك إِن كَانَت لَك همة فَقَالَ إِن لي همة عَظِيمَة فَإِن كَانَ بغيتي عنْدك تبعتك قَالَ مَا بغيتك قَالَ حَيَاة لَا موت فِيهَا وشباب لَيْسَ مَعَه هرم وغنى لَيْسَ مَعَه فقر وسرور لَيْسَ مَعَه مَكْرُوه قَالَ لَيْسَ ذَلِك عِنْدِي فَقَالَ وَأي خير أرجوه عنْدك إِن لم يكن عنْدك هَذِه الْأَشْيَاء فَامْضِ لشأنك وَدعنِي أطلب ذَلِك مِمَّن يملكهُ وَمِمَّنْ هُوَ عِنْده ثمَّ عَاد إِلَى مَكَانَهُ
وَمر رجل مُسَافر بِغُلَام فِي صحراء فَقَالَ لَهُ يَا غُلَام أَيْن الْعمرَان فَقَالَ لَهُ اصْعَدْ الرابية تشرف على الْعمرَان فَصَعدَ فَأَشْرَف على قُبُور فَرجع إِلَيْهِ فَقَالَ سَأَلتك عَن الْعمرَان فدللتني على الْقُبُور فَقَالَ إِنِّي رَأَيْت أهل هَذِه الدُّنْيَا ينقلون إِلَى تِلْكَ وَلم أر أحدا من تِلْكَ ينْقل إِلَى هَذِه وَإِنَّمَا ينْتَقل من الخراب إِلَى الْعمرَان وَلَو سَأَلتنِي عَمَّا يواريك ويواري دابتك لدللتك عَلَيْهِ
وَكَانَ يزِيد الرقاشِي ﵀ يَقُول أَيهَا المقبور فِي حفرته المستخلي فِي الْقَبْر بوحدته المستأنس فِي بطن الأَرْض بِعَمَلِهِ لَيْت شعري بِأَيّ أعمالك استبشرت وَبِأَيِّ أحوالك اغتبطت ثمَّ يبكي حَتَّى يبل عباءته ثمَّ يَقُول
[ ١٩٤ ]
استبشر وَالله بِأَعْمَالِهِ الصَّالِحَة واغتبط بإخوانه المعاونين لَهُ على طَاعَة الله ﷿
وَكَانَ إِذا رأى الْقُبُور يخور كَمَا يخور الثور
وَمر دَاوُد الطَّائِي ﵀ بِامْرَأَة تبْكي على قبر وَهِي تَقول
عدمت الْحَيَاة فَلَا نلتها إِذا أَنْت فِي الْقَبْر قد وسدوكا
وَكَيف ألذ بطعم الْكرَى وَهَا أَنْت فِي الْقَبْر قد أفردوكا
ثمَّ قَالَت يَا أبناه بِأَيّ خديك بَدَأَ الدُّود أَولا قَالَ فَخر دَاوُد مغشيا عَلَيْهِ
وَقَالَ حَاتِم الْأَصَم من مر بِفنَاء الْقُبُور وَلم يتفكر فِي نَفسه وَلم يدع لَهُم فقد خَان نَفسه وخانهم
وَعَن صلَة بن أَشْيَم أَنه دفن أَخا لَهُ ثمَّ وقف على قَبره وَقَالَ
فَإِن تنج مِنْهُ تنج من ذِي عَظِيمَة وَإِلَّا فَإِنِّي لَا أخالك ناجيا
وَكَانَ بكر العابد يَقُول لأمه يَا أُمَّاهُ ليتك كنت بِي عقيما وَإِن لابنك فِي الْقَبْر حبسا طَويلا وَإِن لَهُ من بعد ذَلِك رحيلا
وَقَالَ يحيى بن معَاذ ﵀ يَا ابْن آدم دعَاك رَبك إِلَى دَار السَّلَام فَانْظُر من أَيْن تجيبه إِن أَجَبْته من دنياك دَخَلتهَا وَإِن أَجَبْته من قبرك منعتها
وَكَانَ الْحسن بن صَالح إِذا أشرف على الْقُبُور قَالَ مَا أحسن ظواهرك إِنَّمَا الدَّوَاهِي فِي بواطنك
وَكَانَ عَطاء السّلمِيّ إِذا جن اللَّيْل يخرج إِلَى الْقُبُور فَيَقُول يَا أهل الْقُبُور متم فواماتاه وعاينتم أَعمالكُم فواعملاه ثمَّ يَقُول غَدا يكون عَطاء فِي الْقُبُور فَلَا يزَال ذَلِك دأبه إِلَى الصُّبْح
وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ ﵀ من أَكثر ذكر الْقَبْر وجده رَوْضَة من رياض الْجنَّة
[ ١٩٥ ]
وَمن غفل عَن ذكره وجده حُفْرَة من حفر النَّار
وَقَالَ أَحْمد بن حَرْب ﵀ تتعجب الأَرْض مِمَّن يمهد مضجعه وَيُسَوِّي فرَاشه للنوم تَقول يَا ابْن آدم أَلا تذكر طول رقادك فِي جوفي وَمَا بيني وَبَيْنك شَيْء
وَأنْشد بَعضهم
يَا لَيْتَني والأماني غير طائلة إِلَّا تعلل مشغوف بهَا شغلا
علمت أَي بِلَاد الله مضطجعي إِذا تبَاين عني الرّوح وانفصلا
لعلني أَن أشوب أدمعي بدمي فِيهِ واشرح من حزني بِهِ جملا
وَأَن أسوي من تربائه بيَدي حَتَّى يكون وثير الْمس معتدلا
هَيْهَات هَيْهَات مَا للقبر تَسْوِيَة إِلَّا الْيَقِين وَإِلَّا القَوْل والعملا
وَمر عَليّ بن أبي طَالب ﵁ بالمقابر فَوقف عَلَيْهَا فَقَالَ السَّلَام عَلَيْكُم أهل الديار الموحشة والمحال المقفرة أَنْتُم لنا سلف وَنحن لكم تبع وبكم عَمَّا قَلِيل لاحقون اللَّهُمَّ اغْفِر لنا وَلَهُم وتجازو عَنَّا وعنهم طُوبَى لمن ذكر الْمعَاد وَعمل لِلْحسابِ وقنع بالكفاف وَرَضي فِي جَمِيع أَحْوَاله عَن الله تَعَالَى
ثمَّ قَالَ يَا أهل الْقُبُور أما الزَّوْجَات فقد نكحت وَأما الديار فقد سكنت وَأما الْأَمْوَال فقد قسمت هَذَا خير مَا عندنَا فَمَا خير مَا عنْدكُمْ ثمَّ الْتفت إِلَى أَصْحَابه فَقَالَ أما أَنهم لَو تكلمُوا لقالوا وجدنَا خير الزَّاد التَّقْوَى
ويروى أَن رجلا دخل على عمر بن عبد الْعَزِيز ﵁ فَرَآهُ قد تغير لَونه من كَثْرَة الْعِبَادَة واستحالت صفته فَجعل يتعجب من تغير لَونه فَقَالَ لَهُ عمر يَا ابْن أخي وَمَا تعجبك مني فَكيف لَو رَأَيْتنِي بعد دُخُول قَبْرِي بِثَلَاث وَقد خرجت الحدقتان فسالتا على الْخَدين وتقلصت الشفتان عَن
[ ١٩٦ ]
الْأَسْنَان وَخرج الصديد والدود من المناخر والفم وانتفخ الْبَطن فعلا على الصَّدْر وَخرج الصلب عَن الدبر لرأيت إِذْ ذَاك مني أعجب مِمَّا رَأَيْت الْآن
وَاعْلَم رَحِمك الله أَنه من أَقَامَ هَذَا الخيال نصب عَيْنَيْهِ وتفكر فِي الْمَيِّت وَمَا يؤول إِلَيْهِ ثمَّ نظر فِيمَا يقدم بعد ذَلِك عَلَيْهِ وَعلم أَن جِسْمه الغض وبدنه اللين سيطرح فِي حُفْرَة تقطع أوصاله وَتغَير أَحْوَاله ثمَّ يتَبَيَّن بعد ذَلِك مآله وَيطْلب بِكُل مَا عمله وَقَالَهُ لم يشغل بميت باله وَلم يبك إِلَّا لنَفسِهِ لَا لَهُ
وأنشدوا
لمن جدث أبصرته فشجاني وَأرْسل فِي شجو الهموم عناني
سفكت عَلَيْهِ أدمعي فسقيته كَمَا هُوَ من كأس الشجون سقاني
وقفت بِهِ حيران وَقْفَة هائم أعالج قلبا دَائِم الخفقان
وَمَا بِي من فِي الْقَبْر لَكِن رَأَيْته على حَالَة فِيهَا وشيك أَرَانِي
وأنشدوا أَيْضا
لمن الأقبر فِي تِلْكَ الربى مَلَأت صَدْرِي شجوا وأسى
لمن الْأَوْجه فِيهَا كسفت بعد حسن وجمال وضيا
لمن الْأَجْسَام فِيهَا بليت بعد زهو وشباب وانتشا
وَمن الفرسان فِيهَا قد نسوا روعة الْحَرْب بروعات الثرى
ورموا إِذْ هتف الْمَوْت بهم بسيوف الْهِنْد رعْبًا والقنا
وَمن الخرد فِيهَا شدّ مَا فتكت قبل بآساد الشرى
نظر الْمَوْت إِلَيْهَا فغدت تنفر الْأَنْفس مِنْهَا إِذْ ترى
لمن الأقبر فِي تِلْكَ الربى ألبست جسمي أَثوَاب الضنا
يَا جفونا أرْسلت أدمعها مَا بذا بَأْس لَو ارسلت الدما
صَاح يَا صَاح ونيران الجوى علقت مني بأثناء الحشا
[ ١٩٧ ]
لَا تَظنن بُكَائِي لَهُم لَيْسَ وَالله لَهُم هَذَا البكا
إِنَّمَا أبْكِي لنَفْسي لَا لَهُم فَكَأَنِّي الْيَوْم فيهم أَو غَدا
هامد الْجَمْرَة موهون القوى دَائِم الْحَسْرَة مَقْطُوع العرى
رب يَا رب يَا رب الورى مَا ترى فِي عبد سوء مَا ترى
كفر الأحسان قدما وبغى وطغى ثمَّ طَغى ثمَّ طَغى
مَا ترى فِي أمره يَا من ترى كل شَيْء وَهُوَ رب لَا يرى
لَيْسَ إِلَّا عفوك المرجو أَو دفْعَة تنزله قَعْر لظى
وعياذا بك يَا مولَايَ أَن يلتوي فِي يَده حَبل الرجا
وَإِذا اسلمته رب فَمن يقْصد الْيَوْم لَهُ أَو يرتجى
ولعلك يَا هَذَا الباكي على ميته لَا تفرغ من بكائك عَلَيْهِ حَتَّى ينزل بك مَا نزل بِهِ فَتكون قد ضيعت وقتك بِسَبَبِهِ وَلم تشف صدرك من وصبه وَلَا قضيت ببكائك جَمِيع أربه كَمَا روى عَن عبد الْملك بن قريب الْأَصْمَعِي قَالَ رَأَيْت بالبادية امْرَأَة على رَاحِلَة تَطوف حول قبر تبْكي وتنشد وَتقول
يَا من بمقلته زها الدَّهْر قد كَانَ مِنْك تطاول الْأَمر
زَعَمُوا قتلت وَمَا لَهُم خبر كذبُوا وقبرك مَا لَهُم عذر
يَا قبر سيدنَا الْمِجَن سماحة صلى الْإِلَه عَلَيْك يَا قبر
مَا ضرّ لحدا أَنْت ساكنه أَلا يمر بأرضه الْقطر
فلينبعن سماح جودك فِي الثرى وليورقن بقبرك الصخر
وَإِذا غضِبت تصدعت فرقا مِنْك الْجبَال وخافك الذعر
وَإِذا رقدت فَأَنت منتبه وَإِذا انْتَبَهت فوجهك الْبَدْر
وَالله لَو بك لم أدع أحدا إِلَّا قتلت لفاتني الْوتر
[ ١٩٨ ]
قَالَ الْأَصْمَعِي فَأَعْجَبَنِي شعرهَا فدنوت مِنْهَا لأكلمها وأسألها عَن أمرهَا فَإِذا هِيَ قد سَقَطت ميتَة
وَقَالَ مَيْمُون بن مهْرَان ﵀ خرجت مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز إِلَى الْمَقَابِر فَلَمَّا نظر إِلَيْهَا بَكَى ثمَّ قَالَ وَأَقْبل عَليّ يَا مَيْمُون هَذِه قُبُور آبَائِي بني أُميَّة كَأَن لم يشاركوا أهل الدُّنْيَا فِي لذاتهم وَطيب عيشهم أما تراهم صرعى قد حلت بهم المثلات واستحكم فيهم البلى وأصابت الْهَوَام فِي أجسامهم مقيلا ثمَّ بَكَى وَقَالَ وَالله لَا أعلم أحدا أنعم مِمَّن صَار إِلَى هَذِه الْقُبُور وَقد أَمن من عَذَاب الله ﷿ وَقَالَ ثَابت الْبنانِيّ دخلت الْمَقَابِر فَلَمَّا أردْت الْخُرُوج مِنْهَا إِذا بِصَوْت يَقُول يَا ثَابت لَا يغرنك صموت أَهلهَا فكم من نفس معذبة فِيهَا
ويروى أَن فَاطِمَة بنت الْحسن بن عَليّ بن ابي طَالب ﵃ نظرت إِلَى جَنَازَة الْحسن بن الْحسن بن عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَت
وَكَانُوا رَجَاء ثمَّ عَادوا رزية لقد عظمت تِلْكَ الرزايا وجلت
ثمَّ ضربت على قَبره فسطاطا وأقامت عَلَيْهِ سنة فَلَمَّا مَضَت السّنة قلعوا الْفسْطَاط ليدخدلوا الْمَدِينَة فَسَمِعُوا صَوتا من جَانب البقيع يَعْنِي الْمَقَابِر يَقُول هَل وجدوا مَا طلبُوا فَسَمِعُوا صَوتا من الْجَانِب الآخر يجاوبه بل يئسوا فانقلبوا
ويروى أَن بعض المتعبدين أَتَى قبرا كَانَ يألف صَاحبه فَأَنْشَأَ يَقُول
مَالِي مَرَرْت على الْقُبُور مُسلما قبر الحبيب فَلَا يرد جوابي
فأجبت مَالك لَا تجيب مناديا أمللت بعدِي خلة الْأَصْحَاب
أكل التُّرَاب محاسني فنسيتكم وحجبت عَن أَهلِي وَعَن أحبابي
قَالَ فَهَتَفَ بِي هَاتِف يَقُول
[ ١٩٩ ]
قَالَ الحبيب وَكَيف لي بجوابكم وَأَنا رهين جنادل وتراب
فَعَلَيْكُم مني السَّلَام تقطعت مني ومنكم عقدَة الْأَسْبَاب
وَقَالَ أَبُو مُوسَى التَّيْمِيّ توفيت النوار امْرَأَة الفرزدق فَخرج فِي جنازتها وُجُوه أهل الْبَصْرَة وقراؤها وَفِيهِمْ الْحسن بن أبي الْحُسَيْن الْبَصْرِيّ فَقَالَ الْحسن للفرزدق يَا أَبَا فراس مَا أَعدَدْت لهَذَا الْيَوْم
فَقَالَ شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله مُنْذُ سِتِّينَ سنة وَخمْس نَجَائِب لَا يدركن يَعْنِي الصَّلَوَات الْخمس فَلَمَّا دفنت النوار قَامَ الفرزدق على قبرها وَقَالَ
أَخَاف وَرَاء الْقَبْر إِن لم يعافني أَشد من الْقَبْر التهابا وأضيقا
إِذا قادني يَوْم الْقِيَامَة قَائِد عنيف وسواق يَسُوق الفرزدقا
لقد خَابَ من أَوْلَاد آدم من مَشى إِلَى النَّار مغلول القلادة أزرقا
يساق إِلَى نَار الْجَحِيم مسربلا سرابيل قطران لبوسا محرقا
إِذا شربوا فِيهَا الْحَمِيم رَأَيْتهمْ يذوبون من حر الْجَحِيم تمزقا
وَقَالَ مَالك بن دِينَار أتيت الْقُبُور يَوْمًا فَقلت فِيهَا بَيْتَيْنِ
أتيت الْقُبُور فناديتها وَأَيْنَ الْمُعظم والمحتقر
وَأَيْنَ المدل بسلطانه واين الْعَزِيز إِذا مَا افتخر
قَالَ فنوديت من بَينهَا أسمع صَوتا وَلَا أرى شخصا وَهُوَ يَقُول
تفانوا جَمِيعًا فَلَا مخبر وماتوا جَمِيعًا وَمَات الْخَبَر
وصاروا إِلَى مَالك قاهر عَزِيز مُطَاع إِذا مَا أَمر
تروح وتغدو بَنَات الثرى وتمحو محَاسِن تِلْكَ الصُّور
فيا سائلي عَن أنَاس مضوا أمالك فِيمَا ترى مُعْتَبر
لقد قلد الْقَوْم مَا قدمُوا فإمَّا نعيم وَإِمَّا سقر
قَالَ مَالك فَرَجَعت وَأَنا أبْكِي
وَأنْشد بَعضهم
قف بالقبور بأكباد مصدعة ودمعة من سَواد الْقلب تنبعث
[ ٢٠٠ ]
وسل بهَا عَن أنَاس طالما رشفوا ثغر النَّعيم وَمَا فِي ظله مَكَثُوا
مَاذَا لقوا فِي خباياها وَمَا قدمُوا عَلَيْهِ فِيهَا وَمَا من أَجله ارتبثوا
وَعَن محاسنهم إِن كَانَ غَيرهَا طول الْمقَام بِبَطن الأَرْض واللبث
وَمَا لَهُم حشرات الأَرْض تنهشهم نهشا تَزُول لَهُ الْأَعْضَاء والنجث
وتلكم الفتيات إِذْ طرحن بهَا هَل كَانَ فِيهِنَّ ذَا التَّغْيِير والشعث
فَإِن يجبك على لأي مجيبهم وَلنْ يُجيب وأنى ينْطق الجدث
فَانْظُر مَكَانك فِي أفناء ساحتهم فَإِنَّهُ الْجد لَا هزل وَلَا عَبث
واعمل لمصرع يَوْم هال أَوله وَمن أمامك فِيهِ الروع والجأث
ولعك أَيْضا مِمَّن يرفع قبر وليه ويزخرفه ويشيده ويشتغل بِظَاهِرِهِ ويغفل عَن بَاطِنه وَلَا يدْرِي هَل أَبيض على من فِيهِ أَو أسود وَهل انفرج لَهُ أَو انسد وَمَا ساكنه اشقي أم سعيد غوي أَو رشيد وَأحسن عِنْده أَن يتَصَدَّق بِتِلْكَ النَّفَقَة عَنهُ لِيَزْدَادَ بهَا حَسَنَة أَو يحط عَنهُ بهَا سَيِّئَة
وأنشدوا
لَيْت شعري سَاكن الْقَبْر المشيد هَل وجدت الْيَوْم فِيهِ من مزِيد
وَهل الْبَاطِن فِيهِ مثل مَا هُوَ فِي الظَّاهِر تزويقا وشيد
وَهل الْأَركان مِنْهُ بالتقى نيرات أَو بأعمالك سود
وَهل المضجع فِيهِ لين أَو سعير مَا لَهَا فِيهِ خمود
لَيْت شعري سَاكن الْقَبْر المشيد أشقي أَنْت فِيهِ أم سعيد
أَقَرِيب أَنْت من رَحْمَة من وسع الْعَالم إحسانا وجود
أم بعيد أَنْت مِنْهَا فَلَقَد طرقت دَارك بِالْوَيْلِ الْبعيد
[ ٢٠١ ]
وَلَقَد حل بأرجائك مَا ضَاقَ عَنهُ كل مَا فِي ذَا الْوُجُود
أَيهَا الغافل مثلي وَإِلَى كم تعامى وتلوى وتحيد
ادن فاقرأ فَوق رَأْسِي أحرفا خرجت وَيحك من قلب عميد
صرعته فكرة صَادِقَة وهموم كلما تمْضِي تعود
وندامات لأيام مَضَت هُوَ مِنْهَا فِي قيام وقعود
وَغدا ترجع مثلي فاتعظ بِي وَإِلَّا فَامْضِ واعمل مَا تُرِيدُ
قد نصحناك فَإِن لم تره سيراه بصر مِنْك حَدِيد
وَاعْلَم رَحِمك الله أَن الشَّيْء الْمُمكن وجوده لَا يعرف مِقْدَاره على الْحَقِيقَة إِلَّا إِذا عدم وفقد وَطلب فَلم يُوجد كَمَا قَالَ الْقَائِل
مر الشَّبَاب وَلم أقدر أراجعه وَلم أحييه إِلَّا بَعْدَمَا انصرفا
والمرء يجهل قدر الشَّيْء يُمكنهُ حَتَّى إِذا فَاتَهُ إِمْكَانه عرفا
أَلا ترى رَحِمك الله أَن الصِّحَّة لَا يعرف مقدارها على الْحَقِيقَة إِلَّا المرضى والعافية لَا يعرف مقدارها إِلَّا الْمُبْتَلى فَكَذَلِك الْحَيَاة لَا يعرف مقدارها إِلَّا الْمَوْتَى لأَنهم قد ظَهرت لَهُم الْأُمُور وانكشفت لَهُم الْحَقَائِق وتبدت لَهُم الْمنَازل وَعَلمُوا مِقْدَار الْأَعْمَال الصَّالِحَة إِذْ لَيْسَ ينْفق هُنَاكَ إِلَّا عمل صَالح زكي وَلَا يرْتَفع هُنَاكَ إِلَّا عبد تَقِيّ وَكلما ازْدَادَ هُنَا عملا صَالحا كَانَ هُنَاكَ أرفع دَرَجَة واشرف رُتْبَة وَأكْثر وجاهة وَكلما ازْدَادَ فِي الدُّنْيَا فَضِيلَة كَانَ أقرب إِلَى الله وَسِيلَة
فَلَمَّا استبان لَهُم ذَلِك وَعَلمُوا مِقْدَار مَا ضيعوا وَقِيمَة مَا فِيهِ فرطوا ندموا وأسفوا وودوا لَو أَنهم إِلَى الدُّنْيَا رجعُوا وَإِلَى حالتهم الاولى ردوا وكل على حَاله فَالَّذِي عمل صَالحا يود أَن لَو رَجَعَ إِلَى الدُّنْيَا فازداد من عمله الصَّالح وَأكْثر من متجره الرابح
والمقصر يود لَو رد فاستدرك مَا فَاتَ وَنظر فِيمَا فرط فِيهِ
فالمفرط المهمل بِالْجُمْلَةِ يكون تمنيه الرُّجُوع أَكثر وحرصه على الْإِقَالَة أَشد كل يتَكَلَّم عَن حَاله ويخبر عَمَّا هُوَ فِيهِ حَتَّى قَالَ الشَّهِيد الَّذِي قتل فِي
[ ٢٠٢ ]
سَبِيل الله لما قيل لَهُ مَا تشْتَهي قَالَ أُرِيد أَن أرجع إِلَى الدُّنْيَا فأقاتل فأقتل مرّة أُخْرَى وَذَلِكَ لما يرى من فضل الشَّهَادَة وازدحام الْحور الْعين عَلَيْهِ حَال قَتله
وَقَالَ غَيره رب ارْجِعُونِ لعَلي أعمل صَالحا فِيمَا تركت وَقَالُوا يَا ليتنا نرد فنعمل غير الَّذِي كُنَّا نعمل
وَقَالَ ﷺ مَا من أحد يَمُوت إِلَّا نَدم قَالُوا وَمَا ندامته يَا رَسُول الله قَالَ إِن كَانَ محسنا نَدم أَن لَا يكون ازْدَادَ وَإِن كَانَ مسيئا نَدم أَن لَا يكون نزع أخرجه التِّرْمِذِيّ
ويروى أَن رجلا جَاءَ إِلَى الْقُبُور وَصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ اضْطجع على شقَّه فَنَامَ فَرَأى صَاحب الْقَبْر فِي الْمَنَام فَقَالَ لَهُ يَا هَذَا إِنَّكُم تَعْمَلُونَ وَلَا تعلمُونَ وَنحن نعلم وَلَا نعمل وَلِأَن تكون ركعتاك فِي صحيفتي أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
وَقَالَ بعض الصَّالِحين مَاتَ أَخ لي فِي الله فرأيته فِي النّوم فَقلت لَهُ يَا فلَان مَا فعل الله بك عِشْت الْحَمد لله رب الْعَالمين قَالَ لي لِأَن أقدر يَعْنِي عَليّ أَن أَقُول الْحَمد لله رب الْعَالمين أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا ثمَّ قَالَ ألم تَرَ حَيْثُ كَانُوا يدفنونني فَإِن فلَانا جَاءَ فصلى رَكْعَتَيْنِ لِأَن أكون أقدر على أَن أصليهما أحب إِلَيّ من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
أَلا ترى رَحِمك الله إِلَى ندمهم على تفريطهم وتأسفهم على تضييعهم ندموا وَالله حَيْثُ لَا ينفع النَّدَم وطلبوا مَالا يُمكن وسألوا فِيمَا لَا يجوز فتركوا على حَالهم وَلم يسعفوا فِي سُؤَالهمْ وَبَقِي كل وَاحِد مِنْهُم فِيمَا هُوَ فِيهِ
وَلما أشرف بَعضهم على الْآخِرَة وَأخذ فِي الانحدار إِلَى أَوديتهَا والتدلي فِي مهاويها وَأَرَادَ التَّمَسُّك فَلم يُمكنهُ ذَلِك وَأَرَادَ التثبيت فَلم يقدر عَلَيْهِ وَالرُّجُوع فَلم يجد إِلَيْهِ سَبِيلا أَمر أَن يكْتب على قَبره كَذَا ويرسم عَلَيْهِ كَذَا ليَكُون تذكرة لمن رَآهُ وموعظة لمن مر بِهِ كَمَا قَالَ الْقَائِل
[ ٢٠٣ ]
أَيهَا الْمَاشِي بَين الْقُبُور غافلا عَن حَقِيقَة المقبور
أَنا ميت كَمَا تراني طريح بَين أطباق رضمة وصخور
ادن مني أنبيك عني وَلَا ينبيك عني مثل خَبِير
أَنا فِي بَيت غربَة وانفراد مَعَ قربي من جيرتي وعشيرتي
لَيْسَ لي فِيهِ مؤنس غير سعي من صَلَاح سعيته أَو فجور
وَكَذَا أَنْت فاتعظ بِي وَإِلَّا فعذيري مِنْك الْغَدَاة عذير
فَمن رأى قبرا فَإِنَّمَا رأى واعظا يعظه ومذكرا يذكرهُ فَإِن كَانَ الْقَبْر ساكتا فَإِنَّهُ نَاطِق بِلِسَان الْحَال ومفصح بِمَا يكون مِنْك فِي الْمَآل فَكَأَنَّهُ إِنَّمَا يخاطبك إِنْسَان وَيبين لَك عاقبتك وَيَقُول لَك يَا هَذَا كنت حَيا مثلك وَقد مت وَكَذَلِكَ أَنْت تَمُوت فضيعت أَمر رَبِّي وندمت وَكَذَلِكَ إِن ضيعت أَمر رَبك ستندم كَمَا قَالَ الْقَائِل
أَلا قل لماش على قبرنا غفول عَن أَشْيَاء حلت بِنَا
سيندم يَوْمًا لتَفْرِيطه كَمَا قد ندمنا لتفريطنا
فويحك كف خطام الْهوى وَقدم جميلا تفز بالمنى
والسعيد من وعظ بِغَيْرِهِ والشقي من وعظ بِنَفسِهِ وَإِنَّمَا هِيَ سَاعَة وَاحِدَة وَإِن طَال المدى وامتد الْعُمر واتصلت الْأَيَّام كَمَا قَالَ الْقَائِل
وَإِنَّمَا عمرك المرجى هَذَا الَّذِي نلته كساعة
وَقَالَ الْأَصْمَعِي أُصِيب حَصِير حول الْحيرَة أجرد فِيهِ رجل عَلَيْهِ خلقان وَعند رَأسه لوح مَكْتُوب فِيهِ أَنا عبد الْمَسِيح بن حَيَّان بن نفيلة
حلبت الدَّهْر أشطره حَياتِي ونلت من المنى فَوق الْمَزِيد
وكافحت الْأُمُور وكافحتني فَلم أخضع لمعضلة كؤود
وكدت أنال بالشرف الثريا وَلَكِن لَا سَبِيل إِلَى الخلود
[ ٢٠٤ ]
وحَدثني أَبُو الطَّاهِر السلَفِي نزيل الْإسْكَنْدَريَّة فِيمَا أذن لي أَن أحدث بِهِ عَنهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى وهب بن مُنَبّه قَالَ أُصِيب على قبر إِبْرَاهِيم الْخَلِيل مَكْتُوبًا خَلفه على حجر
ألهى جهولا أمله يَمُوت من جَاءَ أَجله
وَكَيف يبْقى آخر قد مَاتَ عَنهُ أَوله
وَمن دنا من حتفه لم تغن عَنهُ حيله
وَوَقع فِي كتاب المجالسة لأبي بكر أَحْمد بن مَرْوَان الْمَالِكِي الدينَوَرِي وَوجد على قَبره مَكْتُوبًا
يَا أَيهَا النَّاس كَانَ لي أمل قصر بِي عَن بُلُوغه الْأَجَل
فليتق الله ربه رجل أمكنه فِي حَيَاته الْعَمَل
مَا أَنا وحدي نقلت حَيْثُ تروا كل إِلَى مثله سينتقل
وعَلى آخر مَكْتُوبًا
تناجيك أجداث وَهن سكُوت وسكانها تَحت التُّرَاب خفوت
أيا جَامع الدُّنْيَا لغير بلاغه لمن تجمع الدُّنْيَا وَأَنت تَمُوت
وَوجد على آخر مَكْتُوب
وقفت على الْأَحِبَّة حِين صفت قُبُورهم كأفراس الرِّهَان
فَلَمَّا أَن بَكَيْت وفاض دمعي رَأَتْ عَيْنَايَ بَينهم مَكَان
وَمِمَّا يذكر أَنه وجد شعر قديم بِالشَّام مَكْتُوبًا على قبر وَقيل إِنَّه على قصر من قُصُور الْيمن
مَاتُوا على قلل الأجبال تحرسهم غلب الرِّجَال فَلم تمنعهم القلل
واستنزلوا بعد عز من معاقلهم وأنزلوا حُفْرَة يَا بئس مَا نزلُوا
ناداهم صارخ من بعد مَا دفنُوا أَيْن الأسرة والتيجان وَالْحلَل
أَيْن الْوُجُوه الَّتِي كَانَت منعمة من دونهَا تضرب الأستار والكلل
[ ٢٠٥ ]
فأفصح الْقَبْر عَنْهُم حِين سَاءَ لَهُم تِلْكَ الْوُجُوه عَلَيْهَا الدُّود يقتتل
لطال مَا أكلُوا دهرا وَمَا نعموا فَأَصْبحُوا بعد طول الْأكل قد أكلُوا
قَالَ أَبُو الْقَاسِم مُحَمَّد بن سعد رَأَيْت قبرا فِي بُسْتَان كثير النّخل وَالرُّمَّان وأصناف الشّجر وَعَلِيهِ مَكْتُوب
كم سَاكن فِي حُفْرَة يبْلى جَدِيد جماله
ترك الْأَحِبَّة بعده يتلذذون بِمَالِه
وَقَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الْمُسْتَمْلِي عَن أَبِيه قَرَأت على قبر
مَا حَال من سكن الثرى مَا حَاله أَمْسَى وَقد صرمت هُنَاكَ حباله
أَمْسَى وَلَا روح الْحَيَاة يُصِيبهُ يَوْمًا وَلَا لطف الحبيب يَنَالهُ
أضحى وحيدا موحشا متفردا متشتتا بعد الْجَمِيع عِيَاله
أَمْسَى وَقد درست محَاسِن وَجهه وَتَفَرَّقَتْ فِي قَبره أوصاله
واستبدلت مِنْهُ الْمجَالِس غَيره وتقسمت من بعده أَمْوَاله
هَل من قبيل تعلمُونَ مَكَانَهُ سلمت على حدث الزَّمَان رِجَاله
قَالَ وقرأت على قبر أَيْضا
يَا باكي الْمَيِّت على قَبره امْضِ ودعه سَوف تسلاه
من عاين الْمَوْت فَذَاك الَّذِي لم تَرَ مثل الْمَوْت عَيناهُ
كم من شَقِيق لم يجد غير أَن أغمض من يهوى وسجاه
وَكم محب لحبيب إِذا سوى عَلَيْهِ اللَّحْد خلاه
وَوجد على قبر مَكْتُوبًا
الْمَوْت أخرجني من بَيت مملكتي والترب مضطجعي من بعد تشريف
لله عبد رآى قَبْرِي فأعبره وَخَافَ من دهره ريب التصاريف
[ ٢٠٦ ]
هَذَا مصير بني الدُّنْيَا وَإِن نعموا فِيهَا وغرهم طول التساويف
اسْتغْفر الله من جُرْمِي وَمن زللي وأسأل الله فوزا يَوْم تَوْقِيف
وَوجد على آخر مَكْتُوبًا
قف وَاعْتبر فَكَأَن قد حللت هَذَا المحلا
هَذَا مَكَان يُسَاوِي فِيهِ الْأَعَز الأذلا
مَا كَانَ لي من صديق إِلَّا جفاني وملا
وَمَا جفاني وَلَكِن طَال المدى فتسلى
وعَلى قبر أبي عَامر بن شَهِيد مَكْتُوب وَهُوَ مدفون بِإِزَاءِ صَاحبه أبي مَرْوَان الرِّجَال وَكَأَنَّهُ إِنَّمَا يخاطبه وَقد دفنا فِي بُسْتَان كَانَا كثيرا مَا يَجْتَمِعَانِ فِيهِ
يَا صَاحِبي قُم فقد أطلنا أَنَحْنُ طول المدى هجود
فَقَالَ لي لن نقوم مِنْهَا مَا دَامَ من فَوْقنَا الصَّعِيد
تذكر كم لَيْلَة نعمنا فِي ظلها إِذْ الزَّمَان عيد
وَكم سرُور همى علينا سحابه ثرة يجود
كل كَأَن لم يكن تقضى وشؤمه حَاضر عتيد
حصله كَاتب حفيظ وضمه صَادِق شَهِيد
يَا حسرتا إِن نكبتنا رَحْمَة من بطشه شَدِيد
يَا رب عفوا فَأَنت مولى قصر فِي حَقه العبيد
وَرَأَيْت على قبر أحد بني حبيب بإشبيلية مَكْتُوبًا فِي لوح رُخَام
عمرت خمسين واثنتين فِي حَالَة لم تقر عَيْني
أطيع دنيا دفعت عَنْهَا إِلَى الَّتِي آذَنت بحيني
[ ٢٠٧ ]
تركت فِي الْحَيّ أصفيائي وحيل مَا بَينهم وبيني
قد بنت عَنْهُم أُخْرَى اللَّيَالِي لَيْسَ كبين الْحَيَاة بيني
وسوف ينسونني وشيكا من بعد خمسين واثنتين
إِن كَانَ دين الْحَيَاة ديني فسرني أَن قضيت ديني
وَمِمَّا وجد على قبر مَكْتُوبًا
إِن الحبيب من الأحباب مختلس لَا يمْنَع الْمَوْت حجاب وَلَا حرس
وَكَيف تفرح بالدنيا ولذتها يَا من عَلَيْهِ يعد اللَّفْظ وَالنَّفس
أَصبَحت يَا غافلا فِي النَّقْص منغمسا وَأَنت دهرك فِي اللَّذَّات تنغمس
لَا يرحم الْمَوْت ذَا جهل لغرته وَلَا الَّذِي كَانَ مِنْهُ الْعلم يقتبس
كم أخرس الْمَوْت من قبر وقفت بِهِ عَن الْجَواب لِسَانا مَا بِهِ خرس
قد كَانَ قصرك معمورا لَهُ شرف فقبرك الْيَوْم فِي الأجداث مندرس
وَأمر أَبُو الْعَلَاء بن زُهَيْر وَكَانَ طَبِيب عصره أَن يكْتب على قَبره
ترحم بِفَضْلِك يَا وَاقِفًا وَأبْصر مَكَانا دفعنَا إِلَيْهِ
تُرَاب الضريح على صفحتي كَأَنِّي لم أَمْشِي يَوْمًا عَلَيْهِ
أداوي الْأَنَام حذار الْمنون فها أَنا قد صرت رهنا لَدَيْهِ
وَوجد على قبر مَكْتُوبًا
أَنا مَشْغُول بذنبي عَن ذنُوب العالمينا
وخطايا موبقات تركت قلبِي حَزينًا
وَلَقَد كنت جَلِيلًا فِي عُيُون الناظرينا
صرت فِي ظلمَة قَبْرِي خَالِيا فِيهِ رهينا
فِي ثرى الأَرْض وحيدا فِي جوَار الهالكينا
وَتركت الْأَهْل والما ل لعمري والبنينا
[ ٢٠٨ ]
ذ
وَلَقَد عمرت دهرا بعد أحقاب سنينا
فِي نعيم وسرور فَوق وصف الواصفينا
وملكت الشرق والغر ب وَكَانَ الْملك فِينَا
وَفتحت المدن قهرا وغلبت الغالبينا
فَأتى الْمَوْت علينا بعد هَذَا ففنينا
أَيهَا الْمَغْرُور بَادر لثواب الصالحينا
كل حَيّ سَوف يفنى غير محيي الميتينا
وَوجد على قبر مَكْتُوبًا
هذي منَازِل أَقوام عهدتهم فِي ظلّ عَيْش عَجِيب مَا لَهُ خطر
صاحت بهم حادثات الدَّهْر فانقلبوا إِلَى الْقُبُور فَلَا عين وَلَا أثر
وَمِمَّا يذكر أَنه وجد على قبر بطليلطلة إِذْ كَانَت للْمُسلمين مَكْتُوبًا
كَأَنَّك قد رحلت عَن المباني ووارتك الجنادل والصعيد
وناداك الحبيب فَلم تجبه وقربك مِنْهُ فِي الدُّنْيَا بعيد
وَأصْبح مَالك الْمَجْمُوع نهبا وعطل بعْدك الْقصر المشيد
وَصَارَ بنوك أيتاما صغَارًا وَعَانَقَ عرسك البعل الْجَدِيد
وأكبر مِنْهُ أَنَّك لست تَدْرِي شقي أَنْت وَيحك أم سعيد
وَوجد على بَاب مَقْبرَة مَكْتُوبًا
سَلام على أهل الْقُبُور الدوارس كَأَنَّهُمْ لم يجلسوا فِي الْمجَالِس
وَلم يشْربُوا من بَارِد المَاء شربة وَلم يطعموا من كل رطب يَابِس
وَلم يَك مِنْهُم فِي الْحَيَاة منافس طَوِيل المنى فِيهَا كثير الوساوس
أَلا لَيْت شعري أَيْن قبر خليلكم وقبر الْعَزِيز الشامخ المتشارس
[ ٢٠٩ ]
لقد صرت فِي غَايَة الترب وَاحِدًا فهاهم بهَا مَا بَين راج ويائس
وَلَو عقل الْمَرْء المنافس فِي الَّذِي تركْتُم من الدُّنْيَا لَهُ لم ينافس
[ ٢١٠ ]