قَالَ الله تَعَالَى فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ
وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَوضع الْكتاب فترى الْمُجْرمين مشفقين مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا ويلتنا مَا لهَذَا الْكتاب لَا يُغَادر صَغِيرَة وَلَا كَبِيرَة إِلَّا أحصاها ووجدوا مَا عمِلُوا حَاضرا وَلَا يظلم رَبك أحدا
وَقَالَ ﷻ وأشرقت الأَرْض بِنور رَبهَا وَوضع الْكتاب وَجِيء بالنبيين وَالشُّهَدَاء وَقضي بَينهم بِالْحَقِّ وهم لَا يظْلمُونَ ووفيت كل نفس مَا عملت وَهُوَ أعلم بِمَا يَفْعَلُونَ
ذكر قَاسم بن أصبغ من حَدِيث سعيد بن عبد الله عَن أبي بَرزَة الْأَسْلَمِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ لَا تَزُول قدما عبد يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يسْأَل عَن أَربع عَن عمره فِيمَا أفناه وَعَن علمه مَا عمل بِهِ وَعَن مَاله من أَيْن اكْتَسبهُ وفيم أنفقهُ وَعَن جِسْمه فِيمَا أبلاه ذكره التِّرْمِذِيّ أَيْضا
وَذكر مُسلم من حَدِيث صَفْوَان بن مُحرز قَالَ قَالَ رجل لِابْنِ عمر كَيفَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول فِي النَّجْوَى قَالَ سمعته يَقُول يدنى الْمُؤمن يَوْم الْقِيَامَة من ربه تَعَالَى حَتَّى يضع عَلَيْهِ كنفه فيقرره بذنوبه فَيَقُول هَل تعرف ذَنْب كَذَا وَكَذَا فَيَقُول رب أعرف قَالَ فَإِنِّي سترتها عَلَيْك فِي الدُّنْيَا
[ ٢٩٥ ]
وَإِنِّي أغفرها لَك الْيَوْم ثمَّ تطوى صحيفَة حَسَنَاته وَأما الْكفَّار والمنافقون فينادى بهم على رُؤُوس الْخَلَائق هَؤُلَاءِ الَّذين كذبُوا على رَبهم أَلا لعنة الله على الظَّالِمين
وَذكر مُسلم أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي مليكَة عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ من حُوسِبَ يَوْم الْقِيَامَة عذب فَقلت أَلَيْسَ قد قَالَ الله تَعَالَى فَسَوف يُحَاسب حسابا يَسِيرا قَالَ لَيْسَ ذَلِك الْحساب وَإِنَّمَا ذَلِك الْعرض من نُوقِشَ الْحساب يَوْم الْقِيَامَة عذب
وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار من حَدِيث أنس عَن النَّبِي ﷺ انه قَالَ يخرج لِابْنِ آدم يَوْم الْقِيَامَة ثَلَاثَة دواوين ديوَان فِيهِ الْعَمَل الصَّالح وديوان فِيهِ ذنُوبه وديوان فِيهِ النعم الَّتِي من الله عَلَيْهِ فَيَقُول الله تَعَالَى لأصغر نعْمَة أَحْسبهُ قَالَ فِي ديوَان النَّعيم خذي ثمنك من عمله الصَّالح فتستوعب عمله الصَّالح ثمَّ تتنحى فَتَقول وَعزَّتك مَا استوفيت وَتبقى الذُّنُوب وَالنعَم وَقد ذهب الْعَمَل فَإِذا أَرَادَ الله أَن يرحم عَبده قَالَ يَا عَبدِي قد ضاعفت لَك حَسَنَاتك وتجاوزت عَن سيئاتك وَأَحْسبهُ قَالَ ووهبت لَك نعمي
وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار من حَدِيث ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يُؤْتى بالمالك والمملوك وَالزَّوْج وَالزَّوْجَة حَتَّى يُقَال للرجل شربت يَوْم كَذَا وَكَذَا على لَذَّة وَيُقَال للزَّوْج خطبت يَوْم كَذَا فُلَانَة مَعَ خطاب فزوجتكها وتركتهم
وَفِي الْخَبَر الْمَشْهُور أَن أَبَا بكر الصّديق وَعمر بن الْخطاب ﵄ أكلا تَمرا وبسرا ورطبا ثمَّ أكلا خبْزًا وَلَحْمًا أطعمهما رجل من الْأَنْصَار وأكلاه على جوع فَقَالَ لَهما النَّبِي ﷺ لتسألن عَن هَذَا النَّعيم يَوْم الْقِيَامَة والْحَدِيث ذكره مُسلم
[ ٢٩٦ ]
وَذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث عبد الله بن الزبير عَن أَبِيه قَالَ لما نزلت ثمَّ إِنَّكُم يَوْم الْقِيَامَة عِنْد ربكُم تختصمون قَالَ الزبير يَا رَسُول الله أتكرر علينا الْخُصُومَة بعد الَّذِي كَانَ بَيْننَا فِي الدُّنْيَا قَالَ نعم قَالَ إِن الْأَمر إِذن لشديد
وَذكر النَّسَائِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا أسلم العَبْد فَحسن إِسْلَامه كتب الله ﷿ لَهُ كل حَسَنَة كَانَ أزلفها ومحيت عَنهُ كل سَيِّئَة كَانَ أزلفها ثمَّ كَانَ بعد ذَلِك الْقصاص الْحَسَنَة بِعشر أَمْثَالهَا إِلَى سَبْعمِائة ضعف والسيئة بِمِثْلِهَا إِلَّا أَن يتَجَاوَز الله عَنْهَا
وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ أَتَدْرُونَ مَا الْمُفلس قَالُوا الْمُفلس فِينَا من لَا دِرْهَم لَهُ وَلَا مَتَاع فَقَالَ إِن الْمُفلس من أمتِي من يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة بِصَلَاة وَصِيَام وَزَكَاة وَيَأْتِي قد شتم هَذَا وَقذف هَذَا وَأكل مَال هَذَا وَسَفك دم هَذَا وَضرب هَذَا فيعطي هَذَا من حَسَنَاته وَهَذَا من حَسَنَاته فَإِن فنيت حَسَنَاته قبل أَن يقْضِي مَا عَلَيْهِ أَخذ من خطاياهم فطرحت عَلَيْهِ ثمَّ طرح فِي النَّار
وَذكر البُخَارِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يخلص الْمُؤْمِنُونَ من النَّار فَيَجْلِسُونَ على قنطرة بَين الْجنَّة وَالنَّار فيقتص لبَعْضهِم من بعض مظالم كَانَت بَينهم فِي الدُّنْيَا حَتَّى إِذا هذبوا ونقوا أذن لَهُم فِي دُخُول الْجنَّة فوالذي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لأَحَدهم أهْدى لمنزله فِي الْجنَّة مِنْهُ بمنزله الَّذِي كَانَ فِي الدُّنْيَا
وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ لتؤدن الْحُقُوق
[ ٢٩٧ ]
إِلَى أَهلهَا يَوْم الْقِيَامَة حَتَّى يُقَاد للشاة الجلحاء من الشَّاة القرناء
وَذكر أَبُو بكر الشَّافِعِي من حَدِيث أبي ذَر قَالَ رأى رَسُول الله ﷺ شَاتين تنتطحان فَقَالَ يَا أَبَا ذَر هَل تَدْرِي فيمَ تنتطحان قلت لَا أَدْرِي قَالَ لَكِن الله يدْرِي وَيَقْضِي بَينهمَا يَوْم الْقِيَامَة
وَذكر البُخَارِيّ من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ان رَسُول الله ﷺ قَالَ من كَانَت عِنْده مظْلمَة لِأَخِيهِ فليتحلله مِنْهَا فَإِنَّهُ لَيْسَ ثمَّ دِينَار وَلَا دِرْهَم من قبل أَن يُؤْخَذ لِأَخِيهِ من حَسَنَاته فَإِن لم يكن لَهُ حَسَنَات أَخذ من سيئات أَخِيه فطرحت عَلَيْهِ
وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار عَن أنس بن مَالك قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ الظُّلم ثَلَاثَة فظلم لَا يغفره الله وظلم يغفره وظلم لَا يتْركهُ فاما الظُّلم الَّذِي لَا يغفره فالشرك قَالَ الله ﵎ إِن الشّرك لظلم عَظِيم وَأما الظُّلم الَّذِي يغفره فظلم الْعباد لأَنْفُسِهِمْ فِيمَا بَينهم وَبَين رَبهم وَأما الظُّلم الَّذِي لَا يتْركهُ الله فظلم الْعباد بَعضهم بَعْضًا حَتَّى يدين بَعضهم من بعض
وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي ذَر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِنِّي لأعْلم آخر أهل الْجنَّة دُخُولا الْجنَّة وَآخر أهل النَّار خُرُوجًا مِنْهَا رجل يُؤْتى بِهِ يَوْم الْقِيَامَة فَيُقَال اعرضوا عَلَيْهِ صغَار ذنُوبه وارفعوه عَنهُ كِبَارهَا فَيعرض عَلَيْهِ صغَار ذنُوبه فَيُقَال أعملت يَوْم كَذَا وَكَذَا كَذَا وَكَذَا فَيَقُول نعم لَا يَسْتَطِيع أَن يُنكر وَهُوَ مُشفق من كبار ذنُوبه أَن تعرض عَلَيْهِ فَيُقَال لَهُ فَإِن لَك مَكَان كل سَيِّئَة حَسَنَة فَيَقُول رب قد عملت أَشْيَاء لَا أَرَاهَا هَا هُنَا فَلَقَد رَأَيْت رَسُول الله ﷺ ضحك حَتَّى بَدَت نَوَاجِذه
[ ٢٩٨ ]
وَذكر التِّرْمِذِيّ من حَدِيث أنس عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يجاء بِابْن آدم يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُ بذج فَيُوقف بَين يَدي الله ﷿ فَيَقُول الله لَهُ أَعطيتك وخولتك وأنعمت عَلَيْك فَمَاذَا صنعت فَيَقُول يَا رب جمعته وثمرته فتركته أَكثر مَا كَانَ فارجعني آتِك بِهِ فَيَقُول لَهُ أَرِنِي مَا قدمت فَيَقُول يَا رب جمعته وثمرته وَتركته أَكثر مَا كَانَ فارجعني آتِك بِهِ فَإِذا عبد لم يقدم خيرا فيمضى بِهِ إِلَى النَّار
فتفكر أَيهَا الْمِسْكِين فِي نَفسك بَيْنَمَا أَنْت فِي هَذَا الْيَوْم الَّذِي وصف لَك وَفِي هَذَا الْحَال الَّذِي حدثت عَنهُ وَقد جيىء بجهنم كَمَا رُوِيَ فِي الصَّحِيح تقاد بسبعين ألف زِمَام مَعَ كل زِمَام سَبْعُونَ ألف ملك يجرونها حَتَّى تكون بمرأى من الْخلق ومسمع يرَوْنَ لهيبها ويسمعون زفيرها
اذ أَخذ بضبعيك وَقبض على عضديك وَجِيء بك تَتَخَطَّى الرّقاب وتخترق الصُّفُوف وَالْخَلَائِق ينظرُونَ إِلَيْك حَتَّى إِذا وقفت بَين يَدي الله تَعَالَى فَسُئِلت عَن الْقَلِيل وَالْكثير والنقير والقطمير وَلَا تَجِد أحدا يُجَاوب عَنْك بِلَفْظَة وَلَا يعينك بِكَلِمَة وَلَا يرد عَنْك جَوَابا فِي مَسْأَلَة
وَأَنت قد شاهدت من عظم الْأَمر وجلالة الْقدر وهيبة الحضرة مَا أذهب بيانك وأخرس لسَانك وأذهل جنانك وَنظرت يَمِينا وَشمَالًا وَبَين يَديك فَلم تَرَ إِلَّا النَّار وعملك الَّذِي كنت تعْمل وكلمك رب الْعِزَّة ﷻ بِغَيْر حجاب يحجبك وَلَا ترجمان يترجم لَك كَمَا جَاءَ فِي الْخَبَر الصَّحِيح وسئلت عَن كل شَيْء كَانَ مِنْك فِي حق نَفسك وَحقّ غَيْرك وَقيل لَك مَالك من أَيْن اكتسبته وَمن أَيْن جمعته وفيم أنفقته فَمَا ظَنك بِنَفْسِك فِي ذَلِك الْيَوْم وَكَيف يكون فزعك وجزعك
[ ٢٩٩ ]
وَكَيف تكون حيرتك ودهشتك إِذا قيل لَك عاملت فلَانا يَوْم كَذَا وَكَذَا فِي كَذَا وَكَذَا وَأخذت مِنْهُ كَذَا وَكَذَا وغبنته فِي كَذَا وَكَذَا وَتركت نصيحته فِي كَذَا وَكَذَا وَفِي هَذِه السّلْعَة وَلم تبين لَهُ هَذَا الْعَيْب أَو غصبت فلَانا أَو ظلمت فلَانا أَو غششت فلَانا أَو قتلت فلَانا أَو فعلت كَذَا وَكَذَا وَقيل لَك أدل بِحجَّة قُم بِبَيِّنَة ائْتِ ببرهان انفذ بسُلْطَان فَأَرَدْت الْكَلَام فَلم تبين وَجئْت بِعُذْر فَلم يستبن هَيْهَات أَنى لَك الْكَلَام وَلم تنقحه وأنى لَك بالعذر وَفِي الدُّنْيَا لم تصححه
قَالَ الله تَعَالَى يَوْم يقوم الرّوح وَالْمَلَائِكَة صفا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا من أذن لَهُ الرَّحْمَن وَقَالَ صَوَابا ذَلِك الْيَوْم الْحق فَمن شَاءَ اتخذ إِلَى ربه مآبا إِنَّا أنذرناكم عذَابا قَرِيبا يَوْم ينظر الْمَرْء مَا قدمت يَدَاهُ وَيَقُول الْكَافِر يَا لَيْتَني كنت تُرَابا
وَقَالَ الْحَارِث بن أَسد المحاسبي فِي موعظة لَهُ أحذرك يَا أخي وَنَفْسِي يَوْمًا إِلَى الله فِيهِ على نَفسه أَلا يتْرك عبدا أمره فِي الدُّنْيَا وَنَهَاهُ حَتَّى يسْأَله عَن عمله كُله دقيقه وجليله سره وعلانيته فَانْظُر بِأَيّ بدن تقف بَين يَدَيْهِ وَبِأَيِّ لِسَان تجيبه فأعد للسؤال جَوَابا وللجواب صَوَابا فتفكر الْآن وَانْظُر بِأَيّ قدم تقف فِي ذَلِك الْمقَام وَبِأَيِّ أذن تسمع ذَلِك الْكَلَام فَمَا شِئْت من قلب يخلع وكبد تصدع ولسان يتلجلج وأحشاء تتموج وَنَفس تُرِيدُ أَن تخرج فَلَا تتْرك أَن تخرج
فَانْظُر مَا أشأم تِلْكَ الأرباح الَّتِي ربحتها وأخسر تِلْكَ الْمُعَامَلَات الَّتِي عاملت بهَا انْظُر كَيفَ ذهبت عَنْك مسراتها وَبقيت حسراتها والشهوات الَّتِي فِي ظلم الْعباد انفدتها كَيفَ ذهب عَنْك الْفَرح بهَا وَبقيت تبعتها وَانْظُر الْآن بكم تَفْتَدِي من ذَلِك الْموقف وبكم تتخلص من ذَلِك السُّؤَال
أَتَقول لَو كَانَ لَك نصف الدُّنْيَا أَكنت تعطيه فِي التَّخَلُّص من ذَلِك الْمقَام أَي لعَمْرو الله وَالدُّنْيَا وأضعافها مَرَّات فَكيف وَلم يحصل لَك من عمرك الا دريهمات يسيرَة أنفقتها فِي أَيَّام يسيرَة وَرُبمَا لم تنفقها ولعلك كنت أَنْت جَامعهَا والمتعب فِيهَا وَكَانَ الْمُنفق لَهَا سواك والمتلذذ بهَا غَيْرك إِمَّا زوج ابْنَتك أَو زَوْجَة
[ ٣٠٠ ]
ابْنك أَو غَيرهمَا من وَرثتك وَأَنت إِنَّمَا حصل لَك مِنْهَا مَا أنفقته فِي الْحَال لَا مَا اعددته للمآل وَتركت ذَلِك لمن لَا يحمدك وَلَا يشكرك وَلَعَلَّه ينفقها فِي مَعْصِيّة فَتكون أَنْت السَّبَب فِيهَا وَيكون مَالك العون عَلَيْهَا أَو ينفقها فِي طَاعَة فترى مَالك فِي ميزَان غَيْرك تشقى أَنْت بِهِ وينعم بِهِ سواك
وان كنت قد أنفقتها فِي مَعْصِيّة رَبك وَمُخَالفَة مَوْلَاك وَاتِّبَاع هَوَاك واطلقت فِيهَا شهوتك وَأرْسلت فِيهَا لذتك فيا وَيلك ثمَّ يَا وَيلك من أَسِير شدّ خناقه وَأحكم وثَاقه وَثبتت على عُنُقه أرباقه وطولب بِمَا جناه وَأخذ بِمَا كسبت يَدَاهُ وَقيل لَهُ لَا تلم فِيمَا أنضج من جسمك وطبخ فيداك اوكتا وفوك نفخ وَلَا تبك من سهم أنفذك وأصماك فطرفك أَشَارَ إِلَيْك وساعدك رماك
وَإِن أخذت ذَلِك بِالْغَصْبِ وَالظُّلم وَسَائِر أَنْوَاع الْمُحرمَات والأمور الْمَحْظُورَات فقد علمت مَا أعد الله للظالمين وَمَا تواعدهم فِي كِتَابه الْمُبين
وَأعلم أَن فِي هَذَا الْيَوْم يصدق الله تَعَالَى قَوْله فلنسألن الَّذين أرسل اليهم ولنسألن الْمُرْسلين فلنقصن عَلَيْهِم بِعلم وَمَا كُنَّا غائبين فوربك لنسألنهم أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يعْملُونَ
فَيبْدَأ بالأنبياء ﵈ فَيَقُول مَاذَا أجبتم قيل فِي تَفْسِيرهَا كَانُوا قد علمُوا وَلَكِن ذهبت عُقُولهمْ وعزبت أفهامهم ونسوا من شدَّة الهول وَعظم الْخطب وصعوبة الْأَمر فَقَالُوا لَا علم لنا إِنَّك أَنْت علام الغيوب
ثمَّ يقربهُمْ الله ﷿ فيدعى نوح ﵇
وَذكر البُخَارِيّ من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ يدعى نوح ﵇ يَوْم الْقِيَامَة فَيَقُول لبيْك وَسَعْديك يَا رب فَيَقُول هَل بلغت فَيَقُول نعم فَيَقُول لأمته هَل بَلغَكُمْ فَيَقُولُونَ مَا أَتَانَا من نَذِير فَيَقُول من يشْهد لَك فَيَقُول مُحَمَّد وَأمته فَيَشْهَدُونَ أَنه بلغ وَيكون الرَّسُول عَلَيْهِم شَهِيدا فَذَلِك قَوْله تَعَالَى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا وَالْوسط الْعدْل
[ ٣٠١ ]
وروى ابْن أنعم عَن حبَان بن أبي جبلة قَالَ أول من يدعى يَوْم الْقِيَامَة إسْرَافيل فَيَقُول الله جلّ ثَنَاؤُهُ هَل بلغت عهدي فَيَقُول نعم يَا رب قد بلغته جِبْرِيل فيدعى جِبْرِيل فَيُقَال هَل بلغت إسْرَافيل عهدي فَيَقُول نعم يَا رب فيخلي عَن إسْرَافيل وَيَقُول لجبريل مَا صنعت بعهدي فَيَقُول بلغته الرُّسُل فيدعى الرُّسُل فَيَقُول هَل بَلغَكُمْ جِبْرِيل عهدي فَيَقُولُونَ نعم فيخلى عَن جِبْرِيل وَيُقَال للرسل هَل بَلغْتُمْ عهدي فَيَقُولُونَ نعم قد بلغناه الْأُمَم فَتُدْعَى الْأُمَم فَيُقَال لَهُم هَل بَلغَكُمْ الرُّسُل عهدي فمصدق ومكذب فَتَقول الرُّسُل لنا عَلَيْهِم شُهَدَاء فَيَقُول ﵎ من فَيَقُولُونَ أمة مُحَمَّد ﷺ فَيُقَال لَهُم أتشهدون أَن الرُّسُل قد بلغت الْأُمَم فَيَقُولُونَ نعم فَتَقول الْأُمَم يَا رب كَيفَ يشْهد علينا من لم يدركنا فَيَقُول الله تَعَالَى كَيفَ تَشْهَدُون عَلَيْهِم وَلم تدركوهم فَيَقُولُونَ يَا رَبنَا أرْسلت إِلَيْنَا رَسُولا وأنزلت علينا كتابا فقصصت علينا فِيهِ أَن قد بلغُوا قَالَ فَذَلِك قَوْله تَعَالَى وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أمة وسطا لِتَكُونُوا شُهَدَاء على النَّاس وَيكون الرَّسُول عَلَيْكُم شَهِيدا وَالْوسط الْعدْل
ثمَّ يدعى غَيره من الْأَنْبِيَاء صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ ثمَّ يُنَادي كل انسان باسمه وَاحِدًا وَاحِدًا ويسألون وَاحِدًا وَاحِدًا وَتعرض أَعْمَالهم على رب الْعِزَّة ﷻ قليلها وكثيرها حسنها وقبيحها
وَفِي بعض الْأَخْبَار يتَمَنَّى رجال أَن يبْعَث بهم إِلَى النَّار وَلَا تعرض قبائحهم على الله تَعَالَى وَلَا تكشف مساوئهم على رُؤُوس الْخَلَائق فَمَا ظَنك بِهَذَا الْمقَام وَبِهَذَا السُّؤَال وَبِهَذَا النكال والوبال وَمَا ظَنك بِنَفْسِك وق جييء بجهنم على الْوَصْف الَّذِي تقدم وَقد دنت من الْخَلَائق وشهقت وزفرت وثارت وَفَارَتْ وانتهض خزانها والموكلون بهَا والمعدون لتعذيب أَهلهَا متسارعين إِلَى أَخذ مَا أمروا بِأَخْذِهِ ساحبين لَهُ على بَطْنه وحر وَجهه سَامِعين مُطِيعِينَ لَا يعصون الله مَا أَمرهم ويفعلون مَا يؤمرون
فتمثل حالك وَكَيف أَنْت وَقد امْتَلَأت الْقُلُوب خوفًا وجزعا ورعبا وفزعا وارتعدت الفرائص وَبَلغت الْقُلُوب الْحَنَاجِر واصطفقت الأحشاء وتقطعت
[ ٣٠٢ ]
الأمعاء وطلبوا الْفِرَار فَلَا فرار وطاروا لَو يصادفون مطارا وجثت الْأُمَم على الركب وأيقن المذنبون بِالْهَلَاكِ والعطب وَسُوء المنقلب
وينادي الْأَنْبِيَاء وَالصِّدِّيقُونَ والأولياء نَفسِي نَفسِي كل نفس قد أفردت لشأنها وَتركت لما بهَا وَظن كل إِنْسَان أَنه هُوَ الْمَأْخُوذ وَأَنه هُوَ الْمَقْصُود وذهلت الْعُقُول وطاشت الْأَلْبَاب وتحيرت الأذهان وفر الْمَرْء من أَخِيه وَأمه وَأَبِيهِ وصاحبته وبنيه واشتغل بِشَأْنِهِ الَّذِي يُغْنِيه وَسُئِلَ عَن جَمِيع أمره سره وجهره دقيقه وجليله كَثِيره وقليله وَسُئِلَ عَن أَعْضَائِهِ عضوا عضوا وجارحة جارحة وَعَن شكره عَلَيْهَا وَعَن أَدَاء حق الله فِيهَا
وَظَهَرت القبائح وَكَثُرت الفضائح وبدت المخازي واشتهرت الْمسَاوِي وتركك الْأَهْل وَالْأَقْرَبُونَ وَلم ينفعك مَال وَلَا بنُون وَأَقْبَلت تجَادل عَن نَفسك وتخاصم عَنْهَا وتطلب المعاذير لَهَا وَقد أسلمت وأفردت واشتغل كل إِنْسَان عَنْك بِنَفسِهِ وَترك مَا حل بك لما حل بِهِ
وأنشدوا
خليلي مَا أَقْْضِي وَمَا أَنا قَائِل إِذا جِئْت عَن نَفسِي بنفسي اجادل
وَقد وضع الرَّحْمَن فِي الْخلق عدله وسيق جَمِيع النَّاس وَالْيَوْم باسل
وجيىء بجرم النَّار خاضعة لَهُ وثلت عروش عِنْدهَا ومجادل
فيا لَيْت شعري ذَلِك الْيَوْم هَل أَنا أأغفر أم أجزى بِمَا أَنا فَاعل
فَإِن أك مجزيا فَعدل وَحجَّة وان يَك غفران ففضل ونائل
وَأعلم أَنه بِقدر مَا تيسسر على أَخِيك الْمُسلم فِي الدُّنْيَا ييسر عَلَيْك فِي ذَلِك الْيَوْم وبحسب مَا تلتمس لَهُ الْعذر فِي الدُّنْيَا يلْتَمس لَك الْعذر فِي ذَلِك الْيَوْم
[ ٣٠٣ ]
وهبك يَا ابْن آدم أَنه قد غفر لَك وَستر عَلَيْك ألم تقم هَذَا الْمقَام وتشاهد هَذَا المشهد وقرع سَمعك هَذَا النداء وخلع قَلْبك هَذَا الروع أَقَامَ خوفك هَذَا بأمنك فِي الدُّنْيَا أَقَامَ حزنك هَذَا بفرحك فِي الدُّنْيَا أَقَامَ ذَلِك هَذَا بعزك فِي الدُّنْيَا أَيْن يَقع هَذَا مِنْهُ أَيْن يبلغ هَذَا مِنْهُ أيقوم تَعْظِيم الْخلق لَك فِي الدُّنْيَا باحتقار الله لَك فِي ذَلِك الْيَوْم أتقوم نِعْمَتك فِي الدُّنْيَا ببؤسك فِي ذَلِك الْيَوْم فَكيف إِن نوقشت الْحساب وَوَجَب عَلَيْك الْعَذَاب وَضرب بَيْنك وَبَين رَبك ﷿ بحجاب وسد بَيْنك وَبَين رَحمته بِبَاب لَيْسَ كالأبواب
هُنَاكَ لَا دُعَاء يسمع وَلَا شَفَاعَة تَنْفَع وَلَا عَذَاب عَن البائس الْمُرْتَهن يرفع إِلَّا أَن تكون مِمَّن سبقت لَهُ الْعِنَايَة بِالْإِيمَان عِنْد الْمَوْت وتداركته الرَّحْمَة بِهِ قبل الْفَوْت فَإِن الشَّفَاعَة ستخلصك من ذَلِك الاسار وتستخرجك من سوء ذَلِك الْقَرار يكون مِنْك قبل ذَلِك مَا كَانَ ويدور عَلَيْك قبل ذَلِك مَا دَار
[ ٣٠٤ ]