ذكر أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمُؤمن إِذا احْتضرَ أَتَتْهُ الْمَلَائِكَة بحريرة فِيهَا مسك وضبائر ريحَان فتسل روحه كَمَا تسل الشعرة من الْعَجِين وَيُقَال أيتها النَّفس المطمئنة اخْرُجِي راضية مرضيا عَنْك إِلَى روح الله وكرامته فَإِذا خرج روحه وضع على ذَلِك الْمسك وَالريحَان وطويت عَلَيْهِ الحريرة وَذهب بِهِ إِلَى عليين
وَإِن الْكَافِر إِذا احْتضرَ أَتَتْهُ الْمَلَائِكَة بمسح فِيهِ جَمْرَة فتنزع روحه انتزاعا شَدِيدا وَيُقَال أيتها النَّفس الخبيثة اخْرُجِي ساخطة مسخوطا عَلَيْك إِلَى هوان الله وعذابه فَإِذا خرجت روحه وضع على تِلْكَ الْجَمْرَة ويطوى عَلَيْهِ الْمسْح وَيذْهب بهَا إِلَى سِجِّين
وَعَن أبي هُرَيْرَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن الْمُؤمن إِذا حضر أَتَتْهُ الْمَلَائِكَة بحريرة بَيْضَاء فَيَقُولُونَ اخْرُجِي راضية مرضيا عَنْك إِلَى روح الله وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَتخرج كأطيب ريح مسك حَتَّى أَنه ليناوله بَعضهم بَعْضًا يشمونه حَتَّى يَأْتُوا بِهِ بَاب السَّمَاء فَيَقُولُونَ مَا أطيب هَذِه الرّيح الَّتِي جاءتكم من الأَرْض فَكلما أَتَوا سَمَاء قَالُوا لَهُم مثل ذَلِك حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاح الْمُؤمنِينَ فَلهم أفرح بِهِ من أحدكُم بغائبه إِذا قدم فَيَقُولُونَ مَا فعل فلَان فَيَقُولُونَ دَعوه حَتَّى يستريح فَإِنَّهُ كَانَ فِي غم الدِّينَا فَإِذا أصبح واستراح قَالَ لَهُم أما أَتَاكُم فَإِنَّهُ قد مَاتَ فَيَقُولُونَ ذهب بِهِ إِلَى أمه الهاوية
[ ٢٣٥ ]
وَأما الْكَافِر فَإِن مَلَائِكَة الْعَذَاب تَأتيه بمسح من شعر فَيَقُولُونَ اخْرُجِي ساخطة مسخوطا عَلَيْك إِلَى عَذَاب الله وَسخطه فَتخرج كأنتن ريح جيفة فَيَنْطَلِقُونَ بِهِ إِلَى بَاب الأَرْض فَيَقُولُونَ مَا أنتن هَذِه الرّيح كلما أَتَوا على أَرض قَالُوا ذَلِك حَتَّى يَأْتُوا بِهِ أَرْوَاح الْكفَّار
ذكره قَاسم بن أصبغ وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا
وَذكر مَالك فِي الْمُوَطَّأ من حَدِيث كَعْب بن مَالك ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِنَّمَا نسمَة الْمُؤمن طَائِر يعلق فِي شجر الْجنَّة حَتَّى يرجعه الله إِلَى جسده يَوْم يَبْعَثهُ
وَذكر مُسلم من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ رَأَيْت عَمْرو بن لحي بن قمعة بن خندف أخابني كَعْب وَهُوَ يجر قصبه فِي النَّار
الْقصب الأمعاء
وَذكر مُسلم أَيْضا من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن زيد بن ثَابت قَالَ قَالَ أَبُو سعيد وَلم أشهده من رَسُول الله ﷺ وَلَكِن حَدَّثَنِيهِ زيد بن ثَابت قَالَ بَيْنَمَا رَسُول الله ﷺ فِي حَائِط لبني النجار على بغلة وَنحن مَعَه إِذْ حادت بِهِ فَكَادَتْ تلقيه وَإِذا أقبر سِتَّة أَو خَمْسَة أَو أَرْبَعَة فَقَالَ من يعرف أَصْحَاب هَذِه الأقبر فَقَالَ رجل أَنا قَالَ فَمَتَى مَاتَ هَؤُلَاءِ قَالَ مَاتُوا فِي الْإِشْرَاك فَقَالَ إِن هَذِه الْأمة تبتلى فِي قبورها فلولا أَن لَا تدافنوا لَدَعَوْت الله أَن يسمعكم من عَذَاب الْقَبْر الَّذِي أسمع مِنْهُ
ثمَّ أقبل علينا بِوَجْهِهِ فَقَالَ تعوذوا بِاللَّه من عَذَاب النَّار فَقَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من عَذَاب النَّار قَالَ تعوذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر فَقَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر قَالَ تعوذوا بِاللَّه من الْفِتَن مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن قَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من الْفِتَن مَا ظهر مِنْهَا وَمَا بطن قَالَ تعوذوا بِاللَّه من فتْنَة الدَّجَّال قَالُوا نَعُوذ بِاللَّه من فتْنَة الدَّجَّال
[ ٢٣٦ ]
وَعَن أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ قَالَ خرج علينا رَسُول الله ﷺ بَعْدَمَا غربت الشَّمْس فَسمع صَوتا فَقَالَ يهود تعذب فِي قبورها
وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت دخل عَليّ رَسُول الله ﷺ وَعِنْدِي امْرَأَة من الْيَهُود وَهِي تَقول هَل شَعرت أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور قَالَت فارتاع رَسُول الله ﷺ وَقَالَ إِنَّمَا تفتن يهود قَالَت عَائِشَة فلبثنا ليَالِي ثمَّ قَالَ رَسُول الله ﷺ هَل شَعرت أَنه أُوحِي إِلَيّ أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور قَالَت عَائِشَة فَسَمعته بعد يستعيذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر
وَعَن عَائِشَة أَيْضا قَالَت دخلت عَليّ عجوزان من عجز يهود الْمَدِينَة فَقَالَتَا إِن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم قَالَت فكذبتهما وَلم أنعم أَن أصدقهما فخرجتا وَدخل عَليّ رَسُول الله ﷺ فَقلت لَهُ يَا رَسُول الله إِن عجوزين من عجز يهود الْمَدِينَة دخلتا عَليّ فزعمتا أَن أهل الْقُبُور يُعَذبُونَ فِي قُبُورهم فَقَالَ صدقتا إِنَّهُم يُعَذبُونَ عذَابا تسمعه الْبَهَائِم ثمَّ مَا رَأَيْته بعد فِي صلَاته إِلَّا يتَعَوَّذ بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر
وَفِي هَذَا الحَدِيث زِيَادَة كَثِيرَة تَجِيء بعد إِن إشاء الله
وَذكر أَبُو دَاوُد من حَدِيث عُثْمَان بن عَفَّان ﵁ قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا فرغ من دفن الْمَيِّت وقف عَلَيْهِ فَقَالَ اسْتَغْفرُوا لأخيكم واسألوا الله لَهُ التثبيت فَإِنَّهُ الْآن يسْأَل وَقد تقدم
وَذكر مُسلم من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب عَن النَّبِي ﷺ قَالَ يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت قَالَ نزلت فِي عَذَاب الْقَبْر يُقَال لَهُ من رَبك فَيَقُول رَبِّي الله ونبيي مُحَمَّد فَذَلِك قَوْله ﷿ يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة
[ ٢٣٧ ]
وَعَن أَسمَاء بنت أبي بكر ﵄ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ قد أُوحِي إِلَيّ أَنكُمْ تفتنون فِي الْقُبُور قَرِيبا أَو مثل فتْنَة الْمَسِيح الدَّجَّال لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَت أَسمَاء فَيُؤتى أحدكُم فَيُقَال لَهُ مَا علمك بِهَذَا الرجل فَأَما الْمُؤمن الموقن لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَت أَسمَاء فَيَقُول هُوَ مُحَمَّد هُوَ رَسُول الله ﷺ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَالْهدى فأجبنا وأطعنا ثَلَاث مَرَّات فَيُقَال لَهُ نم قد كُنَّا نعلم أَنَّك لمُؤْمِن بِهِ فنم صَالحا
وَأما الْمُنَافِق أَو المرتاب لَا أَدْرِي أَي ذَلِك قَالَت أَسمَاء فَيَقُول لَا أَدْرِي سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فَقلت
وَذكر النَّسَائِيّ عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِن العَبْد إِذا وضع فِي قَبره وتولي عَنهُ أَصْحَابه إِنَّه يسمع قرع نعَالهمْ أَتَاهُ ملكان فَيُقْعِدَانِهِ فَيَقُولَانِ لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل مُحَمَّد فَأَما الْمُؤمن فَيَقُول أشهد أَنه عبد الله وَرَسُوله فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَقْعَدك من النَّار قد أبدلك الله بِهِ مقْعدا من الْجنَّة قَالَ رَسُول الله ﷺ فَيَرَاهُمَا جَمِيعًا وَأما الْكَافِر أَو الْمُنَافِق فَيُقَال لَهُ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول لَا أَدْرِي كنت أَقُول كَمَا يَقُول النَّاس فَيُقَال لَهُ لَا دَريت وَلَا تليت ثمَّ يضْرب ضَرْبَة بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح صَيْحَة يسْمعهَا من يَلِيهِ غير الثقلَيْن
ذكره البُخَارِيّ وَقَالَ وَيضْرب بِمِطْرَقَةٍ من حَدِيد ضَرْبَة بَين أُذُنَيْهِ فَيَصِيح وَذكر بَاقِي الحَدِيث
وَذكر التِّرْمِذِيّ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِذا قبر الْمَيِّت أَو قَالَ أحدكُم أَتَاهُ ملكان أسودان أزرقان يُقَال لأَحَدهمَا الْمُنكر وَللْآخر النكير فَيَقُولَانِ مَا كنت تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول مَا كَانَ يَقُول هُوَ عبد الله وَرَسُوله أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله
[ ٢٣٨ ]
فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول هَذَا ثمَّ يفسح لَهُ فِي قَبره سَبْعُونَ ذِرَاعا فِي سبعين ثمَّ ينور لَهُ فِيهِ ثمَّ يُقَال لَهُ نم فَيَقُول أرجع إِلَى أَهلِي فَأخْبرهُم فَيَقُولَانِ نم كنومة الْعَرُوس الَّذِي لَا يوقظه إِلَّا أحب أَهله إِلَيْهِ حَتَّى يَبْعَثهُ الله تَعَالَى من مضجعه ذَلِك وَإِن كَانَ منافقا قَالَ سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فَقلت مثله لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ قد كُنَّا نعلم أَنَّك تَقول ذَلِك فَيُقَال للْأَرْض التئمي عَلَيْهِ فتلتئم عَلَيْهِ فتختلف فِيهَا أضلاعه فَلَا يزَال فِيهَا معذبا حَتَّى يَبْعَثهُ الله ﷿ من مضجعه ذَلِك
وَذكر عبد بن حميد من حَدِيث عَائِشَة ﵂ قَالَت جَاءَت يَهُودِيَّة فاستطعمت على بَابي فَقَالَت أَطْعمُونِي أعاذكم الله من فتْنَة عَذَاب الْقَبْر وَمن فتْنَة الدَّجَّال فَلم أزل أحبسها حَتَّى جَاءَ الرَّسُول ﷺ فَقلت يَا رَسُول الله مَا تَقول هَذِه الْيَهُودِيَّة فَقَالَ وَمَا تَقول قلت تَقول أعاذكم الله من فتْنَة عَذَاب الْقَبْر وَمن فتْنَة الدَّجَّال قَالَت عَائِشَة فَقَامَ رَسُول الله ﷺ فَرفع يَده مدا يستعيذ بِاللَّه من فتْنَة الدَّجَّال وَمن فتْنَة عَذَاب الْقَبْر قَالَت ثمَّ قَالَ أما فتْنَة الدَّجَّال فَإِنَّهُ لم يكن نَبِي إِلَّا وَقد حذر أمته وسأحذركموه تحذيرا لم يحذرهُ نَبِي أمته إِنَّه أَعور وَإِن الله لَيْسَ بأعور بَين عَيْنَيْهِ مَكْتُوب كَافِر يَقْرَؤُهُ كل مُؤمن وَأما فتْنَة الْقَبْر فَفِي تفتنون وعني تسْأَلُون فَإِذا كَانَ الرجل الصَّالح أَجْلِس فِي قَبره غير فزع وَلَا مشعوف فَيُقَال لَهُ فيمَ كنت فَيَقُول فِي الْإِسْلَام فَيُقَال لَهُ مَا هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ فِيكُم فَيَقُول مُحَمَّد رَسُول الله جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ من عِنْد الله رَبنَا فَآمَنا بِهِ وصدقناه قَالَ فَيُقَال لَهُ هَل رَأَيْت الله فَيَقُول مَا يَنْبَغِي لأحد أَن يرى الله فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّار فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَا وقاك الله ثمَّ يفرج لَهُ فُرْجَة أُخْرَى قبل الْجنَّة فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك مِنْهَا وَيُقَال لَهُ على الْيَقِين كنت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله وَإِذا كَانَ الرجل السوء أَجْلِس فِي قَبره فَزعًا مشعوفا فَيُقَال لَهُ فيمَ كنت فَيَقُول لَا أَدْرِي فَيُقَال
[ ٢٣٩ ]
لَهُ مَا هَذَا الرجل الَّذِي كَانَ فِيكُم فَيَقُول سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ قولا فَقلت كَمَا قَالُوا فيفرج لَهُ فُرْجَة قبل الْجنَّة فَينْظر إِلَى زهرتها وَمَا فِيهَا فَيُقَال لَهُ انْظُر إِلَى مَا صرف الله عَنْك ثمَّ يفرج لَهُ فُرْجَة قبل النَّار فَينْظر إِلَيْهَا يحطم بَعْضهَا بَعْضًا فَيُقَال لَهُ هَذَا مَقْعَدك على الشَّك كنت وَعَلِيهِ مت وَعَلِيهِ تبْعَث إِن شَاءَ الله ثمَّ يعذب
وَقَالَ عبد بن حميد أَيْضا عَن ابْن أبي ذِئْب قَالَ مُحَمَّد بن عَمْرو فَحَدثني سعيد بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ إِن الْمَيِّت تحضره الْمَلَائِكَة فَإِذا كَانَ الرجل الصَّالح قَالُوا اخْرُجِي أيتها الرّوح الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب اخْرُجِي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تخرج ويعرج بهَا إِلَى السَّمَاء فيستفتح لَهَا فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال فلَان فَيَقُولُونَ مرْحَبًا بِالروحِ الطّيبَة كَانَت فِي الْجَسَد الطّيب ادخلي حميدة وَأَبْشِرِي بِروح وَرَيْحَان وَرب غير غَضْبَان فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى يَنْتَهِي بهَا إِلَى السَّمَاء الَّتِي فِيهَا عليون
وَإِذا كَانَ الرجل السوء قيل اخْرُجِي أيتها النَّفس الخبيثة كَانَت فِي الْجَسَد الْخَبيث اخْرُجِي ذميمة وَأَبْشِرِي بحميم وغساق وَآخر من شكله أَزوَاج فَلَا يزَال يُقَال لَهَا ذَلِك حَتَّى تخرج ويعرج بهَا إِلَى السَّمَاء فَيُقَال من هَذَا فَيُقَال فلَان فَيُقَال لَا مرْحَبًا بِالنَّفسِ الخبيثة كَانَت فِي الْجَسَد الْخَبيث ارجعي ذميمة فَإنَّك لَا تفتح لَك أَبْوَاب السَّمَاء فَيُرْسل من السَّمَاء ثمَّ يصير إِلَى الْقَبْر فيجلس الرجل الصَّالح فَيُقَال لَهُ فَيرد بِمَا فِي حَدِيث عَائِشَة سَوَاء وَقد تقدم وَيجْلس الرجل السوء فَيُقَال لَهُ فَيرد بِمَا فِي حَدِيث عَائِشَة سَوَاء
قَالَ عبد وَأَخْبرنِي عَمْرو بن عون أخبرنَا أَبُو عوَانَة عَن الْأَعْمَش عَن الْمنْهَال بن عَمْرو عَن زادان أبي عمر عَن الْبَراء بن عَازِب قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي جَنَازَة رجل من الْأَنْصَار فَانْتَهَيْنَا إِلَى الْقَبْر وَلما يلْحد فَجَلَسَ رَسُول الله ﷺ وَجَلَسْنَا حوله كَأَنَّمَا على رؤوسنا الطير قَالَ فَجعل النَّبِي ﷺ يرفع
[ ٢٤٠ ]
بَصَره إِلَى السَّمَاء وينكت فِي الأَرْض وَيحدث نَفسه ثمَّ قَالَ تعوذوا بِاللَّه من عَذَاب الْقَبْر ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ إِن الرجل إِذا كَانَ فِي قبل من الْآخِرَة وَانْقِطَاع من الدُّنْيَا أَتَاهُ ملك الْمَوْت فَجَلَسَ عِنْد رَأسه فَإِن كَانَ مُسلما قَالَ اخْرُجِي أيتها النَّفس المطمئنة إِلَى مغْفرَة من الله ورضوان قَالَ فَتخرج نَفسه تسيل كَمَا تسيل قَطْرَة السقاء وتنزل الْمَلَائِكَة من السَّمَاء بيض الْوُجُوه كَأَن وُجُوههم الشَّمْس مَعَهم أكفان من أكفان الْجنَّة وحنوط من حنوط الْجنَّة فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مد الْبَصَر فَإِذا أَخذهَا قَامُوا إِلَيْهِ فَلم يتركوها فِي يَده طرفَة عين فَذَلِك قَوْله ﷿ حَتَّى إِذا جَاءَ أحدكُم الْمَوْت توفته رسلنَا وهم لَا يفرطون قَالَ فَتخرج مِنْهُ مثل أطيب ريح وجدت على وَجه الأَرْض قَالَ فيصعدون بِهِ فَلَا يَمرونَ على جند من الْمَلَائِكَة فِيمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَّا قَالُوا مَا هَذِه الرّوح الطّيبَة فَيَقُولُونَ هَذَا فلَان بِأَحْسَن أَسْمَائِهِ قَالَ فتفتح لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء ويشيعه من كل سَمَاء مقربوها حَتَّى ينْتَهوا بِهِ إِلَى السَّمَاء السَّابِعَة قَالَ فَيُقَال اكتبوا كِتَابه فِي عليين وَمَا أَدْرَاك مَا عليون كتاب مرقوم يشهده المقربون وأرجعوه إِلَى الأَرْض فَإِنِّي وعدتهم مِنْهَا خلقناهم وفيهَا نعيدهم وَمِنْهَا أخرجهم تَارَة أُخْرَى قَالَ فَيرجع روحه إِلَى جسده قَالَ وَيبْعَث إِلَيْهِ ملكان شَدِيدا الِانْتِهَار فيجلسانه وينتهرانه ويقولان لَهُ من رَبك فَيَقُول رَبِّي الله فَيَقُولَانِ مَا هَذَا الرجل الَّذِي بعث فِيكُم فَيَقُول رَسُول الله فَيَقُولَانِ لَهُ وَمَا يدْريك فَيَقُول قَرَأت كتاب الله فآمنت بِهِ وصدقت بِهِ فَذَلِك قَوْله ﷿ يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة وينادي مُنَاد من السَّمَاء أَن قد صدق فألبسوه من الْجنَّة وافرشوا لَهُ من الْجنَّة وأروه منزله من الْجنَّة قَالَ فيلبس من الْجنَّة ويفرش لَهُ من
[ ٢٤١ ]
الْجنَّة وَيرى منزله من الْجنَّة ويفسح لَهُ فِي قَبره مد بَصَره قَالَ ويمثل لَهُ رجل حسن الْوَجْه حسن الثِّيَاب طيب الرّيح قَالَ فَيَقُول لَهُ أبشر بِمَا أعد الله لَك من الْكَرَامَة هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت توعد قَالَ فَيَقُول لَهُ من أَنْت رَحِمك الله فوَاللَّه لوجهك الْوَجْه الَّذِي جَاءَنَا بِالْخَيرِ قَالَ فَيَقُول أَنا عَمَلك الصَّالح وَالله مَا علمت أَن كنت حَرِيصًا على طَاعَة الله بطيئا عَن مَعْصِيّة الله فجزاك الله عني خيرا قَالَ فَيَقُول رب أقِم السَّاعَة لكَي أرجع إِلَى أَهلِي وَمَالِي
وَقَالَ الْأَعْمَش وَهُوَ سُلَيْمَان بن مهْرَان وحَدثني أَبُو صَالح قَالَ حَدثنِي بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يُقَال لَهُ نم فينام ألذ نومَة نامها نَائِم قطّ حَتَّى توقظه السَّاعَة
ثمَّ رَجَعَ إِلَى حَدِيث الْبَراء بن عَازِب قَالَ وَإِن كَانَ فَاجِرًا إِذا كَانَ فِي انْقِطَاع من الدُّنْيَا وإقبال من الْآخِرَة جَاءَهُ ملك الْمَوْت فَجَلَسَ عِنْد رَأسه فَيَقُول اخْرُجِي أيتها النَّفس الخبيثة إِلَى غضب وَسخط من الله قَالَ فَيَتَفَرَّق روحه فِي جسده قَالَ فيستخرجها يقطع مَعهَا الْعُرُوق كَمَا يسْتَخْرج الصُّوف المبلول بالسفود قَالَ وَينزل مَلَائِكَة من السَّمَاء سود الْوُجُوه مَعَهم المسوح فَيَجْلِسُونَ مِنْهُ مد الْبَصَر فَإِذا وَقعت فِي يَد ملك الْمَوْت قَامَت إِلَيْهِ الْمَلَائِكَة فَلم يتركوها فِي يَده طرفَة عين قَالَ وَيخرج مِنْهُ مثل أنتن ريح جيفة وجدت على وَجه الأَرْض فيصعدون بِهِ فَلَا يَمرونَ على جند من الْمَلَائِكَة فِيمَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض إِلَّا قَالُوا مَا هَذَا الرّوح الْخَبيث فَيَقُولُونَ هَذَا فلَان بِأَسْوَأ أَسْمَائِهِ قَالَ فَإِذا انتهي بِهِ إِلَى السَّمَاء الدُّنْيَا أغلقت دونه وَلم يفتح لَهُ وينادي مُنَاد أَن اكتبوا كِتَابه فِي سِجِّين وأرجعوه إِلَى الأَرْض فَإِنِّي وعدتهم أَن مِنْهَا خلقتهمْ وفيهَا أعيدهم وَمِنْهَا أخرجهم تَارَة أُخْرَى قَالَ فَيرمى بِهِ من السَّمَاء فَذَلِك قَوْله تَعَالَى وَمن يُشْرك بِاللَّه فَكَأَنَّمَا خر من السَّمَاء فتخطفه الطير أَو تهوي بِهِ الرّيح فِي مَكَان سحيق
[ ٢٤٢ ]
قَالَ فيعاد روحه فِي جسده ويأتيه ملكان شَدِيدا الِانْتِهَار فيجلسانه وينتهرانه فَيَقُولَانِ لَهُ من رَبك فَيَقُول لَا أَدْرِي فَيَقُولَانِ لَهُ مَا هَذَا النَّبِي الَّذِي بعث فِيكُم فَيَقُول لَا أَدْرِي سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ ذَلِك لَا أَدْرِي قَالَ فَيَقُولَانِ لَهُ لَا دَريت قَالَ فَذَلِك قَوْله تَعَالَى ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء قَالَ وينادي مُنَاد من السَّمَاء إِن قد كذب فالبسوه من النَّار وافرشوا لَهُ من النَّار وأروه منزله من النَّار قَالَ فيكسى من النَّار ويفرش لَهُ من النَّار وَيرى مِنْهَا منزله قَالَ ويضيق عَلَيْهِ قَبره حَتَّى تخْتَلف أضلاعه قَالَ ويمثل لَهُ رجل قَبِيح الْوَجْه قَبِيح المنظر قَبِيح الثِّيَاب منتن الرّيح فَيَقُول أبشر بِالَّذِي يسوؤك أبشر بغضب من الله وَسخط هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت توعد هَذَا يَوْمك الَّذِي كنت تكذب بِهِ قَالَ فَيَقُول لَهُ وَيلك فَمن أَنْت فوَاللَّه لوجهك وَجه جَاءَ بِالشَّرِّ قَالَ فَيَقُول أَنا عَمَلك الْخَبيث وَالله مَا علمت أَن كنت لبطيئا عَن طَاعَة الله حَرِيصًا على مَعْصِيّة الله فجزاك الله عني شَرّ الْجَزَاء فَيَقُول يَا رب لَا تقم السَّاعَة مِمَّا يرى مِمَّا أعد الله لَهُ
وَذكر أَبُو بكر الْبَزَّار فِي مُسْنده عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ شَهِدنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ جَنَازَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يَا أَيهَا النَّاس إِن هَذِه الْأمة تسْأَل فِي قبورها فَإِذا الْإِنْسَان دفن وتفرق عَنهُ أَصْحَابه جَاءَهُ ملك بِيَدِهِ مطراق فأقعده فَقَالَ مَا تَقول فِي هَذَا الرجل يَعْنِي مُحَمَّدًا ﷺ فَإِن كَانَ مُؤمنا قَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله قَالَ فَيَقُول صدقت وَيفتح لَهُ بَاب إِلَى النَّار فَيَقُول هَذَا كَانَ مَنْزِلك لَو كفرت بِرَبِّك فَأَما إِذا آمَنت بِهِ فَهَذَا مَنْزِلك فَيفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة فيريد أَن ينْهض إِلَيْهِ فَيَقُول لَهُ اسكن ويفسح لَهُ فِي قَبره
وَإِن كَانَ كَافِرًا أَو منافقا يَقُول لَهُ مَا تَقول فِي هَذَا الرجل فَيَقُول لَا أَدْرِي
[ ٢٤٣ ]
سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ شَيْئا فَقلت فَيَقُول لَهُ الْملك لَا دَريت وَلَا تليت وَلَا اهتديت ثمَّ يفتح لَهُ بَاب إِلَى الْجنَّة فَيَقُول هَذَا مَنْزِلك لَو آمَنت بِرَبِّك فَأَما إِذْ كفرت فَإِن الله قد أبدلك بِهِ هَذَا وَيفتح لَهُ بَاب إِلَى النَّار ثمَّ يقمعه قمعة بالمطراق يسْمعهَا خلق الله كلهم إِلَّا الثقلَيْن فَقَالَ رجل من الْقَوْم يَا رَسُول الله مَا من أحد يقوم عَلَيْهِ ملك فِي يَده مطرقة إِلَّا تهبل عِنْد ذَلِك فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يثبت الله الَّذين آمنُوا بالْقَوْل الثَّابِت فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَة ويضل الله الظَّالِمين وَيفْعل الله مَا يَشَاء
وَذكر أَبُو بكر بن أبي شيبَة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول يُسَلط على الْكَافِر فِي قَبره تِسْعَة وَتسْعُونَ تنينا تنهشه وتلدغه حَتَّى تقوم السَّاعَة وَلَو أَن تنينا مِنْهَا نفخ فِي الأَرْض لما أنبتت خضرًا
وَذكر البُخَارِيّ عَن ابْن عَبَّاس قَالَ مر رَسُول الله ﷺ على قبرين فَقَالَ إنَّهُمَا ليعذبان وَمَا يعذبان فِي كَبِير أما أَحدهمَا فَكَانَ يمشي بالنميمة وَأما الآخر فَكَانَ لَا يستنثر من بَوْله قَالَ فَدَعَا بعسيب رطب فشقه بِاثْنَيْنِ ثمَّ غرس على هَذَا وَاحِدًا وعَلى هَذَا وَاحِدًا ثمَّ قَالَ لَعَلَّه أَن يُخَفف عَنْهُمَا مَا لم ييبسا
وَذكر النَّسَائِيّ عَن ابْن عمر أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ هَذَا الَّذِي تحرّك لَهُ الْعَرْش وَفتحت لَهُ أَبْوَاب السَّمَاء وشهده سَبْعُونَ ألفا من الْمَلَائِكَة لقد ضم ضمة ثمَّ فرج عَنهُ وَهَذَا الَّذِي تحرّك لَهُ الْعَرْش هُوَ سعد بن معَاذ الْأنْصَارِيّ رمي بِسَهْم فِي غَزْوَة الخَنْدَق ثمَّ مَاتَ مِنْهُ بعد ذَلِك وَيَعْنِي بِالضَّمِّ ضمة الْقَبْر
وَمن حَدِيث شُعْبَة بن الْحجَّاج بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله
[ ٢٤٤ ]
عَنْهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن للقبر ضغطة لَو نجا مِنْهَا أحد لنجا مِنْهَا سعد بن معَاذ
وَذكر مُسلم من حَدِيث عبد الله بن عمر قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن أحدكُم إِذا مَاتَ عرض عَلَيْهِ مَقْعَده بِالْغَدَاةِ والعشي إِن كَانَ من أهل الْجنَّة فَمن أهل الْجنَّة وَإِن كَانَ من أهل النَّار فَمن أهل النَّار يُقَال هَذَا مَقْعَدك حَتَّى يَبْعَثك الله يَوْم الْقِيَامَة
ويروى عرض على مَقْعَده
وَهَذَا ضرب من الْعَذَاب كَبِير وَعِنْدنَا الْمِثَال فِي الدُّنْيَا بِمن يعرض عَلَيْهِ السَّيْف للْقَتْل أَو غَيره من آلَات الْعَذَاب أَو بِمَا يهدد بِهِ من غير أَن يرى الْآلَة ونعوذ بِاللَّه من عَذَابه وعقابه بكرمه وَرَحمته
وَقد صحت الْأَحَادِيث عَن النَّبِي ﷺ فِي عَذَاب الْقَبْر على الْجُمْلَة وَلَا مطْعن فِيهَا وَلَا معَارض لَهَا وَإِنَّمَا اخْتلف النَّاس هَل تعذب الرّوح فِي الْقَبْر قبل أَن ترد إِلَى الْجَسَد أَو تعذب فِيهِ بَعْدَمَا ترد إِلَيْهِ لِأَن الرِّوَايَة فِي رد الرّوح إِلَى الْجَسَد فِي الْقَبْر لم تصح صِحَة عَذَاب الْقَبْر من غير ذكر رد الرّوح وَحَدِيث رد الرّوح إِلَى الْجَسَد فِي الْقَبْر ذكره أَبُو دَاوُد أَيْضا وكيفما كَانَ فالعذاب محسوس والألم مَوْجُود وَالْأَمر شَدِيد
وَقد ضرب بعض الْعلمَاء لتعذيب الرّوح مثلا بالنائم فَإِن روحه تتنعم أَو تتعذب والجسد لَا يحس بِشَيْء من ذَلِك فتفكر أَيهَا الْإِنْسَان فِي نَفسك وتخيل حالك عِنْد حُلُول رمسك وَهل يكون أول سعدك أَو يكون أول نحسك
وَقد جَاءَ فِي الْخَبَر أَن الْقَبْر أول منزل من منَازِل الْآخِرَة فَإِن نجا مِنْهُ صَاحبه فَمَا بعده أيسر مِنْهُ وَإِن لم ينج مِنْهُ فَمَا بعده أَشد مِنْهُ
[ ٢٤٥ ]
وَفِي الْخَبَر أَيْضا أَن الْقَبْر رَوْضَة من رياض الْجنَّة أَو حُفْرَة من حفر النَّار وَقد تقدم الحديثان ٢
وَأَنت أعلم بحالك وَبِمَا قدمت من أعمالك فتخيل بَين عَيْنَيْك وثوب مُنكر وَنَكِير عَلَيْك وَفِي اسميهما مَا يدل على وصفيهما وقولهما وفعلهما وَقد بدا لَك بعض مَا يعذبان بِهِ ذَلِك الممتحن وَمَا يسومان بِهِ ذَلِك البائس الْمُرْتَهن
وَاعْلَم أَن عَذَاب الْقَبْر لَيْسَ مُخْتَصًّا بالكافرين وَلَا مَوْقُوفا على الْمُنَافِقين بل يشاركهم فِيهِ طَائِفَة من الْمُؤمنِينَ وكل على حَاله من عمله وَمَا استوجبه بخطيئته وزلله وَإِن كَانَت تِلْكَ النُّصُوص الْمُتَقَدّمَة فِي عَذَاب الْقَبْر إِنَّمَا جَاءَت فِي الْكَافِر وَالْمُنَافِق وَمن أَيْن لَك بالأمان من تِلْكَ الصّفة المذمومة والأعمال المشئومة وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بالخواتيم وَمَا ختم لَك بِهِ فَهُوَ الْوَاجِب عَلَيْك وَاللَّازِم والطوق فِي عُنُقك الْمُقِيم الدَّائِم وَعَذَاب الْمُؤمن لَا يكون كعذاب الْكَافِر وَالْحَمْد لله
قد يكون عَذَاب الْمُؤمن فِي ضمة الْقَبْر أَو ضيقه أَو صعوبة منظره أَو بِمَا يُصِيبهُ من الروعات عِنْد مُشَاهدَة تِلْكَ الزلات وبالحسرات على مَا سلف لَهُ من الجهالات وبالندامات على مَا مضى من السَّاعَات أَو بِمَا شَاءَ الله تَعَالَى فَيكون من ذَلِك مَا شَاءَ الله أَن يكون ويدوم ذَلِك مَا شَاءَ الله أَن يَدُوم فَإِن أمنت ذَلِك الْعَذَاب الْأَكْبَر فَمَا الَّذِي أمنك من هَذَا الَّذِي هُوَ بِالْإِضَافَة إِلَيْهِ عَذَاب أَصْغَر فتفكر مَا دَامَ ينفعك التفكر وتخيل مَا دمت ترجو ثَمَرَة هَذَا التخيل إِذا طرحت فِي حُفْرَة من الأَرْض قَصِيرَة الطول ضيقَة الْعرض فاشتدت بهَا وحشتك واستبانت غربتك وانضمت عَلَيْك ضمة كسرت أَنْفك وشدخت رَأسك ورضت عظامك وسدت وَرَاءَك وأمامك وتحتك وفوقك وملأت ظلمَة أَرْضك وأفقك فيالك من قلب قد نكس وبدن قد هرس وَنَفس قد قصر وَحبس فَأَرَدْت أَن تَفِر فَلم تتْرك وَأَرَدْت أَن تستغيث فَلم تملك وَلَا تَدْرِي مَا يَدُوم وَلَا مَتى تدْرك أَن تقعد أَو تقوم
[ ٢٤٦ ]
أتراك كنت مفتديا من هَذَا الْمقَام بِمَا كنت جمعت من حطام بل بِمَا جمعه جَمِيع الْأَنَام من حَلَال وَحرَام بل بِمَا لَا يحصر من أَضْعَاف ذَلِك وَلَا يحد وَلَا يجمع وَلَا يعد
ولعلك يَا هَذَا قد كنت فِي الدُّنْيَا لَا ترْضى بمنزلك المتسع وَلَا بشملك الْمُجْتَمع وَلَا تقنع برزق رَبك المتدفق عَلَيْك المندفع فَانْظُر رَحِمك الله لنَفسك فادفع عَنْك جَوَانِب هَذِه الحفرة وَنَفس عَنْك من هَذِه الضمة وآنس من هَذِه الوحشة واعمل مَا وجدت سَبِيلا للْعَمَل وَمَا دمت فِي فسحة ومهل ومهد المضجع ووطيء لذَلِك المصرع وارغب وتوسل واضرع وتذلل فَلَعَلَّ الْإِلَه المعبود الَّذِي عَم جوده الْوُجُود وَكَرمه لَا مَحْصُور وَلَا مَعْدُود وفيض نعمه لَا مَقْطُوع وَلَا مَحْدُود سيرسل مِنْهُ قَطْرَة تغمر الْعَرْش والذرة فيصيبك مِنْهُ بِنَصِيب ويبلك مِنْهُ بذنوب ويعمك مِنْهُ بشؤبوب وَقد انْقَطع الرَّجَاء إِلَّا مِنْهُ وسدت الْأَبْوَاب إِلَّا عَنهُ جلّ وَعلا وتبارك وَتَعَالَى
حَدثنِي الْفَقِيه أَبُو الحكم بن برجان وَكَانَ من أهل الْعلم وَالْعَمَل ﵀ أَنهم دفنُوا مَيتا بقريتهم من شَرق إشبيلية فَلَمَّا فرغوا من دَفنه قعدوا نَاحيَة يتحدثون ودابة ترعى قَرِيبا مِنْهُم وَإِذا بالدابة قد أَقبلت مسرعة إِلَى الْقَبْر فَجعلت أذنها عَلَيْهِ كَأَنَّهَا تسمع ثمَّ ولت فارة ثمَّ عَادَتْ إِلَى الْقَبْر فَجعلت أذنيها عَلَيْهِ كَأَنَّهَا تسمع ثمَّ ولت كَذَلِك ثمَّ أعادت ذَلِك مرّة بعد أُخْرَى قَالَ أَبُو الحكم ﵀ فَذكرت عَذَاب الْقَبْر وَقَول النَّبِي ﷺ إِنَّهُم ليعذبون عذَابا تسمعه الْبَهَائِم وَالله ﷿ أعلم بِمَا كَانَ من أَمر ذَلِك الْمَيِّت ذكر هَذِه الْحِكَايَة لما قَرَأَ القاريء هَذَا الحَدِيث فِي عَذَاب الْقَبْر وَنحن إِذْ ذَاك نسْمع عَلَيْهِ كتاب مُسلم بن الْحجَّاج ﵁
وَرُوِيَ أَن بعض النباشين نبش ذَات لَيْلَة قبرا فَلَمَّا كشف عَن الْمَيِّت إِذا بِنَار تحرق الْمَيِّت فأهوت إِلَيْهِ مِنْهَا شرارة فهرب وَتَابَ إِلَى الله ﷿
[ ٢٤٧ ]
وروى عَن أبي بكر بن أبي الدُّنْيَا عَن بعض أَصْحَابه أَنه قَالَ لنباش بعد تَوْبَته مَا سَبَب توبتك ورجوعك إِلَى الله قَالَ نبشت إنْسَانا فَوَجَدته قد سمر بمسامير فِي جَمِيع جسده ومسمار كَبِير فِي رَأسه وَآخر فِي رجلَيْهِ
وَقيل لآخر مَا سَبَب توبتك قَالَ رَأَيْت جمجمة إِنْسَان قد صب فِيهَا الرصاص وَقد رُوِيَ فِي الحَدِيث من اسْتمع إِلَى حَدِيث قوم وهم لَهُ كَارِهُون أَو يسرونه عَنهُ صب فِي أُذُنَيْهِ الآنك يَوْم الْقِيَامَة ذكره البُخَارِيّ وَلَعَلَّ هَذَا كَانَ مِمَّن يفعل ذَلِك وَالله أعلم بِمَا كَانَ عَلَيْهِ
[ ٢٤٨ ]