ذكر مُسلم بن الْحجَّاج من حَدِيث أنس بن مَالك قَالَ مر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا خيرا فَقَالَ نَبِي الله ﷺ وَجَبت وَجَبت وَجَبت وَمر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا شرا فَقَالَ وَجَبت وَجَبت وَجَبت وَجَبت فَقَالَ عمر بن الْخطاب ﵁ فدَاك أبي وَأمي مر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا خيرا فَقلت وَجَبت وَمر بِجنَازَة فأثني عَلَيْهَا شرا فَقلت وَجَبت فَقَالَ رَسُول الله ﷺ من أثنيتم عَلَيْهِ خيرا وَجَبت لَهُ الْجنَّة وَمن أثنيتم عَلَيْهِ شرا وَجَبت لَهُ النَّار وَأَنْتُم شُهَدَاء الله فِي الأَرْض
وَفِي بعض طرق البُخَارِيّ فَقيل يَا رَسُول الله قلت لهَذَا وَجَبت وَلِهَذَا وَجَبت قَالَ شَهَادَة الْقَوْم الْمُؤْمِنُونَ شُهَدَاء الله فِي الأَرْض
وَعَن عمر بن الْخطاب أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من شهد لَهُ أَرْبَعَة بِخَير أدخلهُ الله الْجنَّة قُلْنَا وَثَلَاثَة قَالَ وَثَلَاثَة قُلْنَا وَاثْنَانِ قَالَ وَاثْنَانِ ثمَّ لم نَسْأَلهُ عَن الْوَاحِد وَهَذَا الحَدِيث مَخْصُوص وَالله أعلم
وَالَّذِي قبله يُعْطي الْعُمُوم وَإِن من كثرت شُهُوده وَانْطَلَقت أَلْسِنَة الْمُسلمين فِيهِ بِالْخَيرِ وَالثنَاء الصَّالح كَانَت لَهُ الْجنَّة وَالله أعلم وَغير مستكثر إِذا أحب الله عبدا أَن يلقِي على أَلْسِنَة الْمُسلمين الثَّنَاء عَلَيْهِ وَفِي قُلُوبهم الْمحبَّة لَهُ قَالَ الله ﵎ ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَيجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَن ودا﴾ وَقَالَ ﵇ إِذا أحب الله عبدا دَعَا جِبْرِيل ﵇
[ ١٥٧ ]
فَقَالَ إِن الله يحب فلَانا فَأَحبُّوهُ قَالَ فَيُحِبهُ أهل السَّمَاء ثمَّ يوضع لَهُ الْقبُول فِي الأَرْض وَذكر فِي البغض مثل ذَلِك وَهَذَا حَدِيث صَحِيح أخرجه مُسلم بن الْحجَّاج وَغَيره
وَقد شهد رجال من الْمُسلمين عُلَمَاء وصالحون كثر الثَّنَاء عَلَيْهِم وصرفت الْقُلُوب إِلَيْهِم فِي حياتهم وَبعد مماتهم وَمِنْهُم من كثر المشيعون والحاملون لجنازته والمشتغلون بِهِ وَرُبمَا كثر الله الْخلق بِمَا شَاءَ من الْجِنّ وَالْإِنْس وَغَيرهم مِمَّا يَشَاء يكونُونَ فِي صور النَّاس
ذكر قَاسم بن أصبغ قَالَ حَدثنَا أَحْمد بن زُهَيْر قَالَ حَدثنَا مُحَمَّد بن يزِيد الرِّفَاعِي قَالَ مَاتَ عَمْرو بن قيس الملاي بِنَاحِيَة فَارس فَاجْتمع بجنازته مَالا يُحْصى عَددهمْ من الْخلق فَلَمَّا دفن نظرُوا فَلم يرَوا أحدا قَالَ الرِّفَاعِي سَمِعت هَذَا مِمَّن لَا أحصي كَثْرَة
وَكَانَ سُفْيَان الثَّوْريّ يتبرك بِالنّظرِ إِلَى عَمْرو بن قيس هَذَا
وَلما مَاتَ أَحْمد بن حَنْبَل ﵁ صلى عَلَيْهِ من الْمُسلمين مَا لَا يُحْصى فَأمر المتَوَكل أَن يمسح مَوضِع الصَّلَاة عَلَيْهِ من الأَرْض فوجدوا موقف ألفي ألف وثلاثمائة ألف أَو نَحْوهَا
وَلما انْتَشَر خبر مَوته أقبل النَّاس من الْبِلَاد يصلونَ على قَبره فصلى عَلَيْهِ مَالا يُحْصى
وَلما مَاتَ الْأَوْزَاعِيّ ﵁ اجْتمع للصَّلَاة عَلَيْهِ خلق لَا يُحْصى ويروى أَنه أسلم ذَلِك الْيَوْم من أهل الذِّمَّة الْيَهُود وَالنَّصَارَى نَحْو ثَلَاثِينَ ألفا لما رَأَوْا من كَثْرَة الْخَلَائق على الْجِنَازَة وَلما رَأَوْا من الْعجب ذَلِك الْيَوْم
وَلما مَاتَ سهل بن عبد الله التسترِي ﵀ انكب النَّاس على جنَازَته وحضرها من الْخلق مَالا يُعلمهُ إِلَّا الله وَكَانَ فِي الْبَلَد ضجة فَسمع بهَا يَهُودِيّ شيخ كَبِير فَخرج فَلَمَّا رأى الْجِنَازَة صَاح وَقَالَ هَل ترَوْنَ مَا أرى قَالُوا وَمَا ترى قَالَ أرى قوما ينزلون من السَّمَاء يتمسحون بالجنازة ثمَّ أسلم وَحسن إِسْلَامه
[ ١٥٨ ]
وَيُقَال إِن الْكَعْبَة لم تخل من طائف يطوف إِلَّا يَوْم مَاتَ الْمُغيرَة بن حَكِيم فَإِنَّهَا خلت لانحشار النَّاس بجنازته تبركا بهَا ورغبة فِي الصَّلَاة عَلَيْهَا
وَقد شوهد من جنائز الصَّالِحين من تشيعها الطير وتسير مَعهَا حَيْثُ سَارَتْ حدث بذلك الثِّقَات
وَذكر أَبُو الْحسن بن جَهْضَم قَالَ أخبرنَا مُحَمَّد بن جَعْفَر أَبُو الْحسن سَاكن دمشق قَالَ سَمِعت أَبَا بكر الْمصْرِيّ يَقُول لما مَاتَ أَبُو الْفَيْض ذُو النُّون الْمصْرِيّ بالجيزة حمل فِي قَارب مَخَافَة أَن تتقطع الجسور من كَثْرَة من شيع جنَازَته من النَّاس وَكنت قَائِما مَعَ النَّاس على كوم أنظر فَلَمَّا أخرج من القارب وَوضع على الْجِنَازَة يَعْنِي النعش وَحمله الرِّجَال على أَعْنَاقهم رَأَيْت طيورا خضرًا قد اكتنفت الْجِنَازَة ترفرف عَلَيْهَا حَتَّى عطف بِهِ إِلَى حمام المغار وَغَابَ عني قَالَ أَبُو بكر فَحدثت بِهِ خَالِي الْحسن بن يحيى فَقَالَ قد رَأَيْت مثل هَذِه الطُّيُور على جَنَازَة أبي إِبْرَاهِيم الْمُزنِيّ وَذكر مرثاة رثى بهَا فَقَالَ مِنْهَا
وَرَأَيْت أعجب مَا رَأَيْت وَلم أكن من قبل ذَاك رَأَيْته لمشيع
طيرا ترفرف نعشه وتحفه حَتَّى توارى فِي حجاب المضجع
قد احْتَجِبْنَ عَن الْعُيُون وَلم أحط علما بكنه مسيره فِي الْمرجع
وأظنها رسل الاله تنزلت وَالله أعلم فَوق ذَاك الشرجع
وَيجب أَلا يحتقر أحد من الْمُسلمين وَإِن كَانَ ظَاهر الفسوق فَلَعَلَّ لَهُ بطانة من خير وخبيئة من عمل صَالح وَلِأَنَّهُ أَيْضا قد صَار إِلَى أرْحم الرَّاحِمِينَ
وَحكى أَن رجلا من المنهمكين فِي الْفساد مَاتَ فِي نواحي الْبَصْرَة فَلم تَجِد امْرَأَته من يعينها على حمل جنَازَته إِذْ لم يدر بهَا أحد من جِيرَانه لِكَثْرَة فسقه وتحامي النَّاس لَهُ فاستأجرت امْرَأَته حمالين يحملونه إِلَى الْمصلى فَمَا صلى عَلَيْهِ أحد فَحَمَلُوهُ إِلَى الصَّحرَاء ليدفنوه بهَا وَكَانَ بِالْقربِ من الْموضع جبل فِيهِ رجل من
[ ١٥٩ ]
الزهاد الْكِبَار فَنزل ذَلِك الزَّاهِد للصَّلَاة عَلَيْهِ فانتشر الْخَبَر فِي الْبَلَد وَقَالُوا نزل فلَان ليُصَلِّي على فلَان فَخرج النَّاس فصلوا عَلَيْهِ مَعَ الزَّاهِد وَجعلُوا يتعجبون من صلَاته عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُم إِنِّي قيل لي فِي الْمَنَام انْزِلْ إِلَى الْموضع الْفُلَانِيّ ترى فِيهِ جَنَازَة رجل لَيْسَ مَعهَا أحد إِلَّا امْرَأَته فصل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مغْفُور لَهُ فَزَاد تعجب النَّاس فاستدعى الزَّاهِد زَوجته فَسَأَلَهَا عَن ذَلِك وَكَيف كَانَت سيرته فَقَالَت كَانَ كَمَا سَمِعت كَانَ طول النَّهَار فِي الماخور مشتغلا بِشرب الْخمر فَقَالَ انظري هَل تعرفين لَهُ شَيْئا من أَفعَال الْخَيْر
قَالَت لَا وَالله إِلَّا أَنه كَانَ يفِيق فِي كل يَوْم من سكره عِنْد صَلَاة الصُّبْح فيبدل ثِيَابه وَيتَوَضَّأ وَيُصلي الصُّبْح ثمَّ يعود إِلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ فيشتغل بشربه ولهوه وَكَانَ لَا يَخْلُو بَيته من يَتِيم أَو يتيمين يفضله على وَلَده وَكَانَ يفِيق فِي أثْنَاء سكره فيبكي وَيَقُول إلهي أَي زَاوِيَة من زَوَايَا جَهَنَّم تُرِيدُ أَن تملأها بِهَذَا الْخَبيث يَعْنِي نَفسه
وَكَذَلِكَ إِن كَانَ الْمَيِّت مَنْبُوذًا أَو مطروحا لَا يعرف أَو لَا يحضرهُ أحد فَلَا تحتقره وَلَا تنظر إِلَى الظَّاهِر من حَاله
يرْوى عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ رب أَشْعَث مَدْفُوع بالأبواب لَو أقسم على الله لَأَبَره ذكره مُسلم بن الْحجَّاج
وَمن غير كتاب مُسلم رب أَشْعَث أغبر ذِي طمرين لَا يؤبه لَهُ لَو أقسم على الله لَأَبَره
ويروى عَن عمر بن عُثْمَان بن شُعْبَة قَالَ رَأَيْت فِي بعض اللَّيَالِي فِي الْمَنَام كَأَن قَائِلا يَقُول لي إِذا كَانَ غَدا فأت مصلى خولان فصل على ولي لنا قَالَ فَخرجت قبل طُلُوع الْفجْر خوف أَن يفوتني ثمَّ قعدت إِلَى قريب من غرُوب الشَّمْس فَلم يُؤْت بميت إِلَى ذَلِك الْمصلى قَالَ فَانْصَرَفت فَبَيْنَمَا أَنا بَين الآكام إِذا أَنا بميت على رَأس حمال على فَرد بَاب وَعَلِيهِ عباءة فَقَالَ لي الْحمال يَا هَذَا إِن هَذَا الْمَيِّت رجل غَرِيب فَهَل لَك أَن تصلي عَلَيْهِ فَقلت فِي نَفسِي
[ ١٦٠ ]
أَنا قَاعد لَهُ مُنْذُ الْيَوْم قَالَ فَصليت عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ لي الْحمال ادخل معي حَتَّى نواريه فَنزلت فِي قَبره فصوبه عَليّ فأضجعته وحللت الْعقْدَة من عِنْد رَأسه فَالْتَفت الْمَيِّت إِلَيّ وَقَالَ سَوف أشكرك عِنْد الله غَدا يَا عمر ثمَّ عَاد كَمَا كَانَ
ويروى عَن أبي عَليّ الرُّوذَبَارِي قَالَ قدم علينا فَقير فَمَاتَ فدفناه فَكشفت عَن خَدّه فَجَعَلته على التُّرَاب ليرحم الله غربته فَفتح عَيْنَيْهِ وَقَالَ يَا أَبَا عَليّ أتذللني بَين يَدي من يدللني فَقلت يَا سَيِّدي أحياة بعد الْمَوْت فَقَالَ بلَى أَنا محب لله وكل محب لله فَهُوَ حَيّ يَا روذباري لأنصرنك غَدا لجاهي عِنْده
وَقَالَ أَبُو سعيد الخراز كنت بِمَكَّة فجزت على بَاب بني شَيْبه فَرَأَيْت بِهِ شَابًّا حسن الْوَجْه مَيتا فَنَظَرت فِي وَجهه فَتَبَسَّمَ فِي وَجْهي وَقَالَ يَا ابا سعيد أما علمت أَن الأحباء أَحيَاء وَإِن مَاتُوا فَإِنَّمَا ينقلون من دَار إِلَى دَار
وَاعْلَم رَحِمك الله أَن الْمَيِّت وَإِن كَانَ لَا يتَكَلَّم فقد يسمع الله تَعَالَى كلَاما مِنْهُ ويريه على صُورَة حَيَاة بِشَارَة لَهُ بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ وَدَفنه إِيَّاه واشتغاله بِهِ
وَقد حَدثنِي الْفَقِيه أَبُو الْقَاسِم عبد الرَّحْمَن بن يحيى الْقرشِي قَالَ لما مَاتَ أبي غسله المقريء أَبُو الْحسن بن عَطِيَّة فَقَالَ لي أَبُو الْحسن لما كشفت الثَّوْب عَن وَجهه لأغسله ضحك فِي وَجْهي لَا أَشك فِي ذَلِك وَلَا أرتاب
وَإِذا جَازَ الْخَبَر الأول جَازَ هَذَا أَيْضا فَأَبُو الْقَاسِم وَأَبُو الْحسن صادقان عَدْلَانِ من أهل الْمعرفَة والذكاء
وَذكر الْوَلِيد بن عُثْمَان وَكَانَ من الصَّالِحين قَالَ قدم علينا فِي إشبيليه رجل أسود فَأَقَامَ فِي الْمَسْجِد الَّذِي كنت فِيهِ ثمَّ انْتقل عَنهُ لعِلَّة أَصَابَته فَأَقَامَ فِي فرن يرقد فِيهِ على الْحَطب وَيتَصَدَّق عَلَيْهِ ثمَّ إِنَّه مَاتَ فنقلته إِلَى دَاري لأغسله فَكشفت عَنهُ الثَّوْب لأغسله فَبَيْنَمَا أَنا أغسله إِذْ رَأَيْت وَجهه قد ابيض بَيَاضًا شَدِيدا وَصَارَ مثل الْقَمَر لَيْلَة الْبَدْر حسنا وَعم الْبيَاض وَجهه وعنقه خَاصَّة دون سَائِر جسده فراعني مَا رَأَيْت وأرعدت وأصابني دهش عَظِيم فَرددت الرِّدَاء على وَجهه وَخرجت فأنذرت جمَاعَة من أَصْحَابِي وَجئْت بهم معي وأعلمتهم قصَّته فَلَمَّا كشفوا الرِّدَاء عَن وَجهه راعهم حسنه وجماله وابيضاضه
[ ١٦١ ]
وَسَائِر جسده أسود كَمَا كَانَ وتسامع النَّاس بِهِ فَمَا كدنا نبلغ قَبره إِلَى اللَّيْل من كَثْرَة الزحام على نعشه وَكَثْرَة من حضر جنَازَته ﵀
ذكر هَذِه الْقِصَّة ابْن مغيث فِي كتاب التَّهَجُّد وَذكرهَا غَيره أَيْضا
وَذكر عمر بن ذَر أَنه مَاتَ رجل من جِيرَانه وَكَانَ مُسْرِفًا على نَفسه فتحامى كثير من النَّاس جنَازَته فَلم يحضرها وحضرها عمر فَلَمَّا دفن وقف على قَبره فَقَالَ يَرْحَمك الله فَلَقَد عِشْت عمرك بِالتَّوْحِيدِ وعفرت وَجهك بِالسُّجُود وَإِن قَالُوا مذنب وَذُو خَطَايَا فَمن منا غير مذنب وَذي خَطَايَا
[ ١٦٢ ]