اعْلَم رَحِمك الله أَن هَذَا أَمر إِذا ذكر حَقِيقَة ذكره انفطرت لَهُ الْقُلُوب وتشققت وانصدعت لَهُ الأكباد وتقطعت وَلَوْلَا أَن الْآجَال محدودة والأنفاس مَعْدُودَة فَلَا يتَجَاوَز ذَلِك الْمَحْدُود وَلَا يُزَاد على ذَلِك الْمَعْدُود لزهقت الْأَنْفس عِنْد أول ذكره زهوقا لَا تَجِد لسرعته طعم وَفَاة بل تكَاد تنعدم مَعَه انعداما لَا تعود مَعَه إِلَى وجود وَلَا حَيَاة وَلكنهَا مربوية مُدبرَة مقهورة مصرفة تخرج إِذا أذن لَهَا فِي الْخُرُوج وتلج إِذا أذن لَهَا فِي الولوج وَقد كتب عَلَيْهَا الْوُجُود والبقاء فَلَا انعدام وَلَا مطمع لَهَا فِي ذَلِك وَلَا مرام
وَمَا يمْنَع الْقُلُوب رَحِمك الله من الانشقاق والانصداع والانفطار والانقطاع وَالَّذِي يلقى الْمَخْتُوم لَهُ بِهَذِهِ الخاتمة عَذَاب لَا تقوم السَّمَوَات وَالْأَرْض لِشِدَّتِهِ وَلَا آخر لمدته وَمَا منا أحد إِلَّا وَيخَاف أَن يكون هُوَ وَمَا الَّذِي أَمنه مِنْهُ وَمَا الَّذِي حاد بِهِ عَنهُ والخاتمة مغيبة وَالْعَاقبَة مستورة والأقدار غالبة وَالنَّفس كَمَا تَدْرِي والشيطان مِنْهَا بِحَيْثُ تَدْرِي وَهِي مصغية إِلَيْهِ ملتفتة نَحوه مقبلة عَلَيْهِ
[ ١٧١ ]
وأنشدوا فِي هَذَا الْمَعْنى
هِيَ النَّفس إِن تنظر إِلَى الْحق نظرة فَإِن لَهَا فِي غَيره نظرات
وَإِن نهضت يَوْمًا إِلَى الله نهضة فَإِن لَهَا عَنهُ غَدا نهضات
إِلَى الله أشكوها فبالله حولهَا وَبِاللَّهِ تمْضِي فِي الْأُمُور وَتَأْتِي
كَذَا جرت الأقلام وانبرمت الْأَحْكَام فقسم الْخلق إِلَى قسمَيْنِ وفرقهم إِلَى فريقين شقي وَسَعِيد غوي ورشيد قريب وبعيد ذميم وَحميد ارْتِفَاع واتضاع واتصال وَانْقِطَاع إِجَابَة وَامْتِنَاع وانت يَا هَذَا مَا تَدْرِي بِمَا جرى سهمك وَلَا كَيفَ ثَبت فِي هَذِه الْأَسْمَاء اسْمك
قد حكم الله بِمَا شَاءَ من وضع لمن شَاءَ وإعلاء
وَقدر الْأَمر على مَا يرى من منع أَقوام وَإِعْطَاء
وأبرمت أَحْكَامه فِي الورى من قبل بإسعاد وإشقاء
وَأَنت لَا تَدْرِي بِمَاذَا جرت طيرك فِي مُحكم الأجواء
هَل بشفاء أَو بِسَعْد وَهل مرت برشد أَو بإغواء
فاقدح زناد الْخَوْف بَين الحشا واقنع من النّوم بإغفاء
وابك على نَفسك حَتَّى ترى مَا اسْمك فِي مُثبت الْأَسْمَاء
ورد فِي الْخَبَر الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ إِن الرجل ليعْمَل عمل أهل الْجنَّة فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل النَّار وَإِن الرجل ليعْمَل عمل أهل النَّار فِيمَا يَبْدُو للنَّاس وَهُوَ من أهل الْجنَّة وَإِنَّمَا الْأَعْمَال بالخواتيم وَرُوِيَ أَيْضا من طَرِيق آخر لَيْسَ فِيهِ فِيمَا يَبْدُو للنَّاس
وَصَحَّ عَنهُ ﷺ أَنه قَالَ جف الْقَلَم بِمَا أَنْت لَاق
وَقَالَ ﷺ رفعت الأقلام وجفت الصُّحُف
[ ١٧٢ ]
ذكر هَذِه الْأَحَادِيث مُسلم وَالْبُخَارِيّ وَالتِّرْمِذِيّ وَعند أحدهم مَا لَيْسَ عِنْد الآخر
وَأنْشد بَعضهم
قد جرت الأقلام فِي ذَا الورى بالختم من أَمر الْعَلِيم الْحَكِيم
وخطت الشَّيْء على حكمه فِي علمه السَّابِق مِنْهُ الْقَدِيم
فَمن سعيد وشقي وَمن مثر من المَال وعار عديم
وَمن عَزِيز رَأسه فِي السهى وَمن ذليل وَجهه فِي التخوم
وَمن صَحِيح شدت أَرْكَانه وَآخر واهي المباني سقيم
كل على منهاجه سالك ذَلِك تَقْدِير الْعَزِيز الْعَلِيم
فَانْظُر رَحِمك الله كَيفَ تقرعين عَاقل فِي هَذِه الدَّار وَكَيف يسْتَقرّ بِهِ فِيهَا قَرَار مَعَ هَذِه الْحَال وتوقع هَذَا الْمَآل واشتغال هَذَا الخاطر وتقسم هَذَا البال
كلا لَا حُلُول لَهُ وَلَا قَرَار وَلَا ريع وَلَا دَار وَلَا قلب إِلَّا مستطار وَلَا نوم ينامه إِلَّا غرار حَتَّى يدْرِي أَيْن مسْقط رَأسه ومحط رجله وَمَا المورد والمنهل وَفِي أَي الْمحَال يحل وَفِي أَي الْمنَازل بعد الْمَوْت ينزل
كَمَا قَالَ الأول
وَكَيف تنام الْعين وَهِي قريرة وَلم تدر فِي أَي الْمنَازل تنزل
وَقَالَ غَيره
وَكَيف بِالنَّوْمِ على زأرة من أَسد تكشر أنيابه
وانت فِي ذَا غير مستعتب فِي منزل قد كسرت أبوابه
[ ١٧٣ ]
وثلمت بالروع حيطانه وَفرقت بالخوف حجابه
لَكِن حجاب الْغَفْلَة الَّذِي غطى الْقُلُوب كثيف فَلَا يرى مَا وَرَاءه والوقر الَّذِي فِي الآذان عَظِيم فَلَا يسمع من نَاصح دعاءه
روى فِي الصَّحِيح عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ يجاء بِالْمَوْتِ يَوْم الْقِيَامَة كَأَنَّهُ كَبْش أَمْلَح فَيُوقف بَين الْجنَّة وَالنَّار فَيُقَال يَا أهل الْجنَّة هَل تعرفُون هَذَا قَالَ فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْت ثمَّ يُقَال يَا أهل النَّار هَل تعرفُون هَذَا فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ وَيَقُولُونَ نعم هَذَا الْمَوْت فَيذْبَح ثمَّ يُقَال يَا أهل الْجنَّة خُلُود فَلَا موت وَيَا أهل النَّار خُلُود فَلَا موت ثمَّ قَرَأَ رَسُول الله ﷺ ﴿وَأَنْذرهُمْ يَوْم الْحَسْرَة إِذْ قضي الْأَمر وهم فِي غَفلَة وهم لَا يُؤمنُونَ﴾ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إِلَى الدُّنْيَا
وَقَالَ البُخَارِيّ ﴿وهم فِي غَفلَة﴾ وَهَؤُلَاء فِي غَفلَة أهل الدُّنْيَا وهم لَا يُؤمنُونَ
فَانْظُر رَحِمك الله إِلَى عَظِيم هَذِه الْغَفْلَة وكثافة حجابها وَكَيف منعت من النّظر فِي هَذَا الحَدِيث والفكرة فِيهِ وَالْعَمَل بِمُقْتَضَاهُ
وَقد بَكَى أولو الْأَلْبَاب على هَذَا فَأَكْثرُوا وسهروا من أَجله اللَّيَالِي الطَّوِيلَة وأسهروا ورام عاذلوهم كفهم عَمَّا هم فِيهِ فَلم يقدروا وكلموهم فِي الإقصار فَلم يقصروا وَلم يسمعوا وَلم يبصروا وَذَلِكَ للْعلم الَّذِي لَاحَ لَهُم والتأييد الَّذِي شملهم والتوفيق الَّذِي قطع عَنْهُم مَا صدهم عَن طَرِيق الله ﷿ وشغلهم وَرُبمَا هبت عَلَيْهِم نفحات الرَّجَاء فاستبشروا وَسَكنُوا من ذَلِك الهيجان وفتروا ثمَّ ذكرُوا مَا هم معرضون لَهُ فعادوا لما كَانُوا عَلَيْهِ من الِاجْتِهَاد وَرُبمَا زادوا عَلَيْهِ وَأَكْثرُوا
وَمَعَ هَذَا فَإِنَّهُم لشدَّة خوفهم وَكَثْرَة جزعهم يحسبون كل صَيْحَة عَلَيْهِم ويظنون كل إِشَارَة إِنَّمَا يشار بهَا إِلَيْهِم
[ ١٧٤ ]
كَمَا روى أَن عمر بن الْخطاب ﵁ سمع قَارِئًا يقْرَأ ﴿وَالطور وَكتاب مسطور﴾ قَالَ هَذَا قسم حق فَلَمَّا بلغ القاريء إِلَى قَوْله ﷿ ﴿إِن عَذَاب رَبك لوَاقِع﴾ ظن أَن الْعَذَاب قد وَقع بِهِ فَغشيَ عَلَيْهِ
وَسمع آخر قَارِئًا يقْرَأ ﴿خذوه فغلوه﴾ أَو آيَة نَحْوهَا فَغشيَ عَلَيْهِ
وَمر آخر على رجل يَبِيع الْخِيَار وَهُوَ يَقُول الْخِيَار عشرَة بدانق فَغشيَ عَلَيْهِ فَلَمَّا أَفَاق قيل لَهُ مِم غشي عَلَيْك فَقَالَ أوما سمعته يَقُول الْخِيَار الْعشْرَة بدانق وَإِذا كَانَت قيمَة الْخِيَار هَذِه فكم تكون قيمتي وَقِيمَة أمثالي
فَانْظُر إِلَى هَذَا لم يلق باله إِلَى أَنه الْخِيَار الْمَأْكُول لشدَّة خَوفه وَسُوء ظَنّه بِنَفسِهِ
وَالْأَخْبَار فِي هَذَا الْبَاب كَثِيرَة فلتسلك رَحِمك الله على منهاج هَؤُلَاءِ الْعُقَلَاء ولتمش على آثَار هَؤُلَاءِ الْفُضَلَاء ولتتزين بزينة هَؤُلَاءِ الْحُكَمَاء وأدم حسرتك وأطل زفرتك وامزج بِدَم الْفُؤَاد عبرتك وابك ثمَّ ابك وصل الْبكاء بالبكاء والأسى بالأسى حَتَّى تنكشف لَك هَذِه الغشاوة وتنجلي عَنْك هَذِه العماية كَمَا قَالَ الأول وَقد دعِي إِلَى الْخلَافَة وَكَانَ قد تعرض لَهُ متعرض دونهَا
رويدك حَتَّى تنظري عَم تنجلي عماية هَذَا الْعَارِض المتألق
وَبكى سُفْيَان الثَّوْريّ لَيْلَة إِلَى الصَّباح فَقيل لَهُ أبكاؤك هَذَا على الذُّنُوب فَأخذ تبنة من الأَرْض وَقَالَ الذُّنُوب أَهْون من هَذِه إِنَّمَا أبْكِي خوف الخاتمة
وَبكى سُفْيَان وَغير سُفْيَان لِأَنَّهُ الْأَمر الَّذِي يبكى عَلَيْهِ وَيصرف الاهتمام كُله إِلَيْهِ وَقَالَ الْقَائِل
وَالَّذِي أبكى الجفون دَمًا فغدت من ذَاك فِي غدر
[ ١٧٥ ]
سَابق لم يدر كَيفَ جرى فِي الْقَضَاء الحتم وَالْقدر
وَأُمُور فِي الورى خفيت عَن ذَوي الْأَلْبَاب وَالنَّظَر
فدع الأنفاس صاعدة ودموع الْعين تنحدر
وابك لَا جَفتْ دموعك مَا ضَاعَ من أيامك الْغرَر
وَقد قيل لَا تكف دمعك حَتَّى ترى فِي الْمعَاد ربعك وَقيل لَا تكحل عَيْنك بنوم حَتَّى ترى حالك بعد الْيَوْم
وَقيل لَا تبت وَأَنت مسرور حَتَّى تعلم عَاقِبَة الْأُمُور
وَقيل لَا يخصب لَك الجناب وَلَا تأنس بكعاب حَتَّى ترى مَا خطّ لَك فِي أم الْكتاب وتستبين الْعَاقِبَة والمآب
وَأنْشد
حاسب النَّفس قبل يَوْم الْحساب وأذقها الْعَذَاب قبل الْعَذَاب
وأصبها من الأسى بشواظ ينضج اللَّحْم قبل نضج الإهاب
وَإِذا مَا بَكَيْت يَوْمًا بدمع فبدمع من الْفُؤَاد مشاب
وحذار حذار أَن تتهنا بِطَعَام تناله أَو شراب
أَو مَنَام تنام بِاللَّيْلِ حَتَّى تستبين الْمَآل يَوْم المآب
وَقيل يَا ابْن آدم الأقلام عَلَيْك تجْرِي وَأَنت فِي غَفلَة لَا تَدْرِي يَا ابْن آدم دع المغاني والأوطار والمنازل والديار والتنافس فِي هَذِه الدَّار حَتَّى ترى مَا فعلت فِي أَمرك الأقدار
وَسمع بعض الصَّالِحين منشدا ينشد
أيا راهبي نَجْرَان مَا فعلت هِنْد
[ ١٧٦ ]
فَبكى ليلته كلهَا فَلَمَّا أصبح قيل لَهُ مَا كَانَ شَأْنك البارحة وَمَا الَّذِي أبكاك فَقَالَ سَمِعت منشدا ينشد
ايا راهبي نَجْرَان مَا فعلت هِنْد
فَقلت فِي نَفسِي مَا فعلت الأقدار فِي وماذا جرت بِهِ عَليّ
وَقد علمت رَحِمك الله أَن النَّاس صنفان صنف مقرب مصان وَآخر مبعد مهان صنف نصبت لَهُ الأسرة والحجال وجمعت لَهُم الرغائب والآمال والأرائك والكلال وَآخَرُونَ أعدت لَهُم الأراقم والصلال والمقامع والأغلال وضروب الْأَهْوَال والأنكال وَأَنت لَا تعلم من أَيهمَا أَنْت وَلَا فِي أَي الْفَرِيقَيْنِ كتبت
وأنشدوا
نزلُوا بِمَكَّة من قبائل نَوْفَل وَنزلت بِالْبَيْدَاءِ أبعد منزل
وتقلبوا فرحين تَحت ظلالهم وطرحت بالصحراء غير مظلل
وَسقوا من الصافي الْمُعْتق رَبهم وسقيت دمعة واله متململ
يَا قسْمَة قسمت وَلم يعلم بهَا وَقَضِيَّة ثبتَتْ لأمر الأول
هَل فِيك للْملك الْمُهَيْمِن نظرة فتزيل من دَاء البعاد المعضل
فَأجَاب يسمع نَفسه عَن نَفسه وَالْعقل يسْمعهَا إِذا لم تعقل
هَيْهَات قد سبق الْقَضَاء بِمَا ترى فَاكْفُفْ سؤالك بعد ذَا أَو فاسأل
الْبَيْت الأول قديم
وَقيل من قعد بِهِ جده لم ينْهض بِهِ جده
قَالَ أَبُو الْقَاسِم الْقشيرِي كَانَ أَبُو عَليّ الدقاق كثيرا مَا ينشد
مَا حيلتي تفعل الأقدار مَا أمرت وَالنَّاس مَا بَين ذِي غي وَذي رشد
[ ١٧٧ ]
وَقَالَ إِذا كَانَ الرِّضَا وَالْغَضَب صفة أزلية فَمَا تَنْفَع الأذيال المقصرة والأقدام المورمة وَالْوُجُوه المصفرة
وَقيل يَا ابْن آدم أَي شَيْء يمنعك وَأي مَكَان يَعْصِمك إِذا كَانَت الأقدار تطلبك
وَمر على بعض الصَّالِحين بِيَهُودِيٍّ ميت قد أوصى أَن يدْفن بِبَيْت الْمُقَدّس فَقَالَ أيكابر هَؤُلَاءِ الأقدار أما علمُوا أَنهم لَو دفنُوا فِي الفردوس الْأَعْلَى لجاءت لظى بأنكالها حَتَّى تَأْخُذهُ إِلَيْهَا وتنطلق بِهِ مَعهَا
وَقَالَ آخر من حكم لَهُ بالسعادة لَا يشقى أبدا وَإِن ألح غاويه وَكثر معاديه وأحيط بِهِ من جَمِيع نواحيه وَمن حكم لَهُ بالشقاوة لَا يسْعد أبدا وَإِن عمر نَادِيه وأخصب واديه وَحسنت أواخره ومباديه كم من عَابِد ظَهرت عَلَيْهِ أنوار الْعِبَادَة وآثار الْإِرَادَة وبدت مِنْهُ مخايل السَّعَادَة وارتفع صيته وانتشر فِي الْآفَاق ذكره وَعظم فِي النَّاس شَأْنه وَقدره جمحت الأقدار بِهِ جمحة ردته على عَقِبَيْهِ وسلبته مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ وَأخذت بناءه من قَوَاعِده فألقته عَلَيْهِ فنعوذ بِاللَّه من دَرك الشَّقَاء وَجهد الْبلَاء وشماتة الْأَعْدَاء برحمته
وَأعلم رَحِمك الله أَن لسوء الخاتمة أعاذنا الله مِنْهَا أسبابا وَلها طرق وأبواب أعظمها الإكباب على الدُّنْيَا والإعراض عَن الْأُخْرَى والإقدام بالمعصية على الله تَعَالَى
وَرُبمَا غلب على الْإِنْسَان ضرب من الْخَطِيئَة وَنَوع من الْمعْصِيَة وجانب من الْإِعْرَاض وَنصِيب من الافتراء فَملك قلبه وسبى عقله وأطفأ نوره وَأرْسل عَلَيْهِ حجبه فَلم تَنْفَع فِيهِ تذكرة وَلَا نجعت فِيهِ موعظة فَرُبمَا جَاءَهُ الْمَوْت على ذَلِك فَسمع النداء من مَكَان بعيد فَلم يتَبَيَّن المُرَاد وَلَا علم مَا أَرَادَ وان أعَاد عَلَيْهِ وَأعَاد
يرْوى أَن بعض رجال النَّاصِر بن علناس نزل بِهِ الْمَوْت فَجعل ابْنه يَقُول لَهُ قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ النَّاصِر يَا مولَايَ فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَأَعَادَ هُوَ ثمَّ أَصَابَته
[ ١٧٨ ]
غشية فَلَمَّا أَفَاق قَالَ النَّاصِر أمولاي ثمَّ قَالَ لِابْنِهِ يَا فلَان النَّاصِر إِنَّمَا يعرفك بسيفك فالقتل ثمَّ الْقَتْل ثمَّ مَاتَ
وَقيل لآخر وَقد نزل بِهِ الْمَوْت قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَقَالَ الدَّار الْفُلَانِيَّة أصلحوا فِيهَا كَذَا والجنان الْفُلَانِيّ افعلوا فِيهِ كَذَا
هَذَا فِيمَا حدثت عَنهُ وَلم أشهده وَفِيمَا أذن لي أَبُو طَاهِر السلَفِي أَن أخطه فِي الدِّيوَان الَّذِي وَقع فِيهِ هَذَا الحَدِيث أَن رجلا نزل بِهِ الْمَوْت فَقيل لَهُ قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَجعل يَقُول بِالْفَارِسِيَّةِ ده يازده دوازده تَفْسِيره عشرَة أحد عشر اثْنَا عشر كَانَ هَذَا الرجل من أهل الْعَمَل والديوان فغلب عَلَيْهِ الْحساب وَالْمِيزَان
كَمَا رُوِيَ ان رجلا نزل بِهِ الْمَوْت فَقيل لَهُ قل لَا إِلَه إِلَّا الله فَجعل يَقُول أَيْن الطَّرِيق إِلَى حمام منْجَاب
وَهَذَا الْكَلَام فِيهِ قصَّة وَذَلِكَ أَن رجلا كَانَ وَاقِفًا على بَاب دَاره وَكَانَ بَابهَا يسبه بَاب حمام فمرت بِهِ جَارِيَة لَهَا منظر وَهِي تَقول أَيْن الطَّرِيق إِلَى حمام منْجَاب فَقَالَ لَهَا هَذَا حمام منْجَاب وَأَشَارَ إِلَى دَاره فَدخلت الدَّار فَدخل وَرَاءَهَا فَلَمَّا رَأَتْ نَفسهَا مَعَه فِي دَاره وَلَيْسَت بحمام علمت أَنه خدعها فأظهرت لَهُ الْبشر والفرح باجتماعها مَعَه على تِلْكَ الْخلْوَة فِي تِلْكَ الدَّار وَقَالَت لَهُ يصلح أَن يكون عندنَا مَا يطيب بِهِ عيشنا وتقر بِهِ عيوننا فَقَالَ لَهَا السَّاعَة آتِيك بِكُل مَا تريدين وَبِكُل مَا تشتهين وَخرج فَتَركهَا فِي الدَّار وَلم يغلقها وَتركهَا مَفْتُوحَة على حَالهَا وَمضى فَأخذ مَا يصلح لَهما وَرجع وَدخل الدَّار فَوَجَدَهَا قد خرجت وَذَهَبت وَلم يجد لَهَا أثرا فهام الرجل بهَا وَأكْثر الذّكر لَهَا والجزع عَلَيْهَا وَجعل يمشي فِي الطّرق والأزقة وَهُوَ يَقُول
يَا رب قائلة يَوْمًا إِذا بلغت أَيْن الطَّرِيق إِلَى حمام منْجَاب
وَبعد اشهر مر فِي بعض الْأَزِقَّة وَهُوَ ينشد هَذَا الْبَيْت وَإِذا بِجَارِيَة تجاوبه من طاق وَهِي تَقول
هلا جعلت لَهَا إِذْ ظَفرت بهَا حرْزا على الدَّار أَو قفلا على الْبَاب
[ ١٧٩ ]
فَزَاد هيمانه وَاشْتَدَّ هيجانه وَلم يزل كَذَلِك حَتَّى كَانَ من أمره مَا ذكر فنعوذ بِاللَّه من المحن والفتن
ويروى أَن رجلا عشق شخصا وَاشْتَدَّ كلفه بِهِ وَتمكن حبه من قلبه حَتَّى وَقع لما بِهِ وَلزِمَ الْفراش من أَجله وتمنع ذَلِك الشَّخْص وَاشْتَدَّ نفاره عَنهُ فَلم تزل الوسائط تمشي بَينهمَا حَتَّى وعد بِأَن يعودهُ فَأخْبر بذلك البائس ففرح وَاشْتَدَّ سروره وانجلى غمه وَجعل ينْتَظر الميعاد الَّذِي ضرب لَهُ فَبَيْنَمَا هُوَ على ذَلِك إِذْ جَاءَهُ الْمَاشِي بَينهمَا وَقَالَ إِنَّه وصل معي إِلَى بعض الطَّرِيق وَرجع فرغبت إِلَيْهِ وكلمته فِي إنجاز وعده وَالْوَفَاء بعهده فَقَالَ إِنِّي أَخَاف الفضيحة وَلَا أَدخل مدَاخِل السوء والريب وَلَا أعرض نَفسِي لمواقع التهم وَسَأَلته فَأبى وَانْصَرف فَلَمَّا سمع اليائس هَذَا سقط فِي يَده وَعَاد إِلَى أَشد مِمَّا كَانَ بِهِ وبدت علائم الْمَوْت وأماراته عَلَيْهِ
قَالَ الرَّاوِي فَسَمعته يَقُول وَهُوَ فِي تِلْكَ الْحَال
سَلام يَا رَاحَة العليل وبرء دَاء المدنف النحيل
لقاك اشهى إِلَى فُؤَادِي من رَحْمَة الْخَالِق الْجَلِيل
قَالَ فَقلت لَهُ يَا فلَان اتَّقِ الله فَقَالَ قد كَانَ فَقُمْت عَنهُ فَمَا جَاوَزت بَاب دَاره حَتَّى سَمِعت صَيْحَة الْمَوْت قد قَامَت عَلَيْهِ فنعوذ بِاللَّه من سوء الْعَاقِبَة وشؤم الخاتمة بكرمه
وَاعْلَم أَن سوء الخاتمة أعاذنا الله مِنْهَا لَا يكون لمن استقام ظَاهره وَصلح بَاطِنه وَإِنَّمَا يكون ذَلِك لمن كَانَ لَهُ فَسَاد فِي الْعقل وإصرار على الْكَبَائِر وإقدام على العظائم فَرُبمَا غلب ذَلِك عَلَيْهِ حَتَّى ينزل بِهِ الْمَوْت قبل التَّوْبَة ويثب عَلَيْهِ قبل الْإِنَابَة وَيَأْخُذهُ قبل إصْلَاح الطوية فيصطلمه الشَّيْطَان عِنْد تِلْكَ الصدمة ويختطفه عِنْد تِلْكَ الدهشة وَالْعِيَاذ بِاللَّه ثمَّ العياذ بِاللَّه أَن يكون لمن كَانَ مُسْتَقِيمًا لم يتَغَيَّر عَن حَاله وَيخرج عَن سنته وَيَأْخُذ فِي غير طَرِيقه
[ ١٨٠ ]
فَيكون ذَلِك سَببا لسوء الخاتمة وشؤم الْعَاقِبَة وَالْعِيَاذ بِاللَّه إِن الله لَا يُغير مَا بِقوم حَتَّى يُغيرُوا مَا بِأَنْفسِهِم وَإِذا أَرَادَ الله بِقوم سوءا فَلَا مرد لَهُ وَمَا لَهُم من دونه من وَال
وَقد سَمِعت بِقصَّة بلعام بن باعوراء وَمَا كَانَ آتَاهُ الله من آيَاته وأطلعه عَلَيْهِ من بيناته وَمَا أرَاهُ من عجائب ملكوته
أخلد إِلَى الأَرْض وَاتبع هَوَاهُ فسلبه الله سُبْحَانَهُ جَمِيع مَا أعطَاهُ وَتَركه مَعَ من استماله وأغواه
ويروى أَنه كَانَ بِمصْر رجل يلْزم مَسْجِدا للأذان وَالصَّلَاة فِيهِ وَعَلِيهِ بهاء الطَّاعَة وأنوار الْعِبَادَة فرقي يَوْمًا المنارة على عَادَته للأذان وَكَانَ تَحت المنارة دَار لذِمِّيّ نَصْرَانِيّ فَاطلع فِيهَا فَرَأى ابْنة صَاحب الدَّار فَافْتتنَ بهَا فَترك الْأَذَان وَنزل إِلَيْهَا وَدخل الدَّار عَلَيْهَا فَقَالَت لَهُ مَا شَأْنك وَمَا تُرِيدُ فَقَالَ أَنْت أُرِيد قَالَت لماذا قَالَ لَهَا قد سلبت لبي وَأخذت بِمَجَامِع قلبِي قَالَت لَهُ لَا أجيبك إِلَى رِيبَة
قَالَ لَهَا أتزوجك قَالَت أَنْت مُسلم وَأَنا نَصْرَانِيَّة وَأبي لَا يزوجني مِنْك قَالَ لَهَا أتنصر قَالَت إِن فعلت أفعل فَتَنَصَّرَ الرجل ليتزوجها وَأقَام مَعَهم فِي الدَّار فَلَمَّا كَانَ فِي أثْنَاء ذَلِك الْيَوْم رقى إِلَى سطح كَانَ فِي الدَّار فَسقط مِنْهُ فَمَاتَ فَلَا هُوَ بهَا اتَّصل وَلَا هُوَ بِدِينِهِ حصل فنعوذ بِاللَّه ثمَّ نَعُوذ بِاللَّه
[ ١٨١ ]